أفغانستان تتذوق الأمن بعد نصف قرن.. والشعب يدفع ثمن «عزلة دولية»
اقرأ أيضا: باحث: الإخوان يستغلون ذكرى رابعة وتبعات 3 يوليو في تصعيد حملاتهم ضد مصر
بعد خمس سنوات على عودة حركة «طالبان» إلى السلطة، تبدو أفغانستان أمام مفارقة تاريخية صارخة، بلد أنهكته الحروب لنحو نصف قرن، ينعم اليوم بهدوء أمني لم يعرفه منذ عقود، بعدما تراجعت التفجيرات والاشتباكات وأعمال العنف، التي كانت جزءاً من الحياة اليومية، لكن هذا الشعور بالأمن لم يحمل معه الرخاء أو الانفتاح، بل جاء مصحوباً بفقر متفاقم، وعزلة دولية خانقة، وقيود اجتماعية وسياسية واسعة، فيما تتحمل النساء والفتيات الجزء الأكبر من تبعات النظام الجديد.
«ذا إيكونومست»: تراجع أعمال العنف وسط ظروف اقتصادية قاسية وقيود اجتماعية متزايدة.. والنساء الأكثر تضرراً
رصدت صحيفة «ذا إيكونومست»، في تقرير لها، ملامح هذا التحول من قلب العاصمة الأفغانية كابول، حيث اختفت الموسيقى، التي كانت تصدح من المقاهي الواقعة على طريق وزارة الخارجية، بعدما كانت تستقطب موظفي الدولة وتوفر مساحة للأحاديث والشائعات، وحلت محل المشهد القديم مظاهر أكثر تحفظاً، رجال يرتدون «القميص الطويل» التقليدي، ولحى طويلة، وشعارات دينية ضخمة، بدلاً من الجداريات الملونة.
في أحد المشاهد الدالة على التحول في الداخل الأفغاني، يجلس أحد المسلحين مرتدياً زياً عسكرياً باللون الأسود داخل برج مركبة «همفي» أمريكية، استولى عليها «طالبان»، ممسكاً بـ«مدفع رشاش»، ويراقب حركة المرور، في صورة تختزل واقع أفغانستان الجديدة، لتؤكد أن الحرب قد انتهت، وأعمال العنف تراجعت، لكن قبضة السلطة أصبحت أكثر حضوراً في تفاصيل الحياة اليومية.
في 15 أغسطس 2021، دخلت حركة «طالبان» كابول، منهية عقدين من الحرب مع الحكومة الأفغانية، المدعومة من الولايات المتحدة وحلفائها، بعد نحو 20 عاماً من العملية العسكرية التي قادتها واشنطن للإطاحة بحكم الحركة في عام 2001، بعد اتهامها بإيواء تنظيم «القاعدة»، الذي تتهمه أجهزة الأمن الأمريكية بالوقوف وراء هجمات 11 سبتمبر.
وعلى مدى 20 عاماً، أنفقت الولايات المتحدة وحلفاؤها مليارات الدولارات لبناء مؤسسات أمنية وسياسية أفغانية قادرة على الصمود أمام الحركة، لكن الانسحاب الأمريكي كشف «هشاشة» هذا البناء، وسرعان ما انهارت الحكومة والجيش، المدعومان من الغرب.
ومن إقليم «هرات» في الغرب، إلى «قندهار» جنوباً، ثم «كابول» شرقاً، تظهر رايات «طالبان» في الميادين والبلدات والحقول ونقاط التفتيش، كما أصبحت حاضرة في الجامعات وقاعات اجتماعات المسئولين، بل ورجال الأعمال.
ولم تعد سيطرة الحركة مجرد نفوذ عسكري، وإنما تحولت إلى «سلطة متكاملة»، تمسك بمفاصل الإدارة والضرائب والحدود ومؤسسات الدولة، فيما تراجعت إلى حد كبير مظاهر التعدد السياسي، التي كانت قائمة قبل سقوط الحكومة السابقة.
أبرز ما تغير منذ عودة «طالبان» للحكم في كابول، هو التراجع الكبير في العنف، فالمدن التي كانت تعيش على وقع التفجيرات، باتت أكثر هدوءاً، والطرق التي كانت محفوفة بالمخاطر، أصبحت أكثر أمناً، فيما انحسرت المواجهات المسلحة واسعة النطاق. وبعد سنوات، كانت أصوات الانفجارات تطغى فيها على أصوات الحياة اليومية، تبدو كابول أكثر هدوءاً، حتى إن عودة الطيور إلى حدائقها أصبحت مشهداً رمزياً لانحسار العنف.
وذهبت الصحيفة البريطانية إلى القول إنه حتى منتقدي «طالبان» لا يمكنهم تجاهل حقيقة أن الحركة نجحت في إنهاء الحرب الداخلية واسعة النطاق، وفرض سلطة واحدة على معظم البلاد، لكن هذا الإنجاز الأمني لم يتحول إلى ازدهار اقتصادي، أو انفتاح سياسي، بل ترافق مع تضييق مساحة الحريات، وفرض قيود اجتماعية صارمة. وهكذا أصبحت أفغانستان أكثر أمناً، لكنها ليست بالضرورة أكثر حرية أو رخاء.
في الخارج، لا تزال «طالبان» تواجه عزلة دولية واسعة، فعلى الرغم من وجود بعثات وسفارات أجنبية في كابول، فإن حكومة الحركة لا تحظى باعتراف دولي كامل، ما يحول دون اندماج البلاد بصورة طبيعية في النظام المالي والاقتصادي العالمي.
وبينما تسيطر «طالبان» على الوزارات والجيش والضرائب والمعابر الحدودية، فإنها تواجه قيوداً مالية، وعقوبات تستهدف عدداً من قادتها ومسئوليها، الأمر الذي يزيد صعوبة جذب الاستثمارات الأجنبية، والوصول إلى النظام المصرفي العالمي.
وأكدت «ذا إيكونومست»، في تقريرها، أن أفغانستان تحتاج بشدة إلى رأس المال، وفرص العمل، والبنية الأساسية، لكن استمرار العزلة يحد من قدرتها على إعادة بناء اقتصادها. كما أصبحت سياسات الحركة تجاه النساء والفتيات عاملاً رئيسياً في توتر علاقاتها مع المجتمع الدولي، خصوصاً مع استمرار القيود المفروضة على تعليم الفتيات.
وتابعت الصحيفة أنه إذا كان الأمن يمثل أبرز مكاسب المرحلة الجديدة، فإن وضع النساء والفتيات يمثل الجانب الأكثر قتامة. فرغم أن «طالبان» أصبحت أكثر خبرة في إدارة مؤسسات الدولة، مقارنةً بفترة حكمها في تسعينات القرن الماضي، فإنها لم تتخل عن رؤيتها المحافظة للمجتمع، وفرضت قيوداً واسعة على مشاركة النساء في الحياة العامة والتعليم والعمل.
اقرأ أيضا: مستشار وزير المالية: مسابقة «موازنة المواطن» تستهدف إشراك شباب الجامعات في أولويات الدولة
حرمان الفتيات من مواصلة التعليم ضربة لمستقبل البلاد.. وفرض قيود على مشاركتهن في الحياة العامة والعمل
ويمثل حرمان الفتيات من مواصلة التعليم ضربة لمستقبل البلاد، التي تعاني أصلاً نقصاً في المهارات والموارد البشرية، كما أن تقليص فرص النساء في العمل والإنتاج ينعكس على الأسر والاقتصاد، ويزيد اعتماد قطاعات واسعة من المجتمع على المساعدات. وتكشف هذه السياسات عن مفارقة أخرى، فالحركة أصبحت أكثر رسوخاً في إدارة الدولة، وأكثر اتصالاً بالعالم الخارجي، لكن سياساتها الاجتماعية جعلتها أكثر عزلة عن المجتمع الدولي.
وفي الداخل، تتزايد عملية تركيز السلطة حول «هبة الله أخوند زاده»، زعيم «طالبان» وأميرها، الذي يمثل مركز الثقل السياسي والديني للحركة. وترتبط سلطته بقوة بولاية «قندهار»، المعقل التاريخي لـ«طالبان»، بينما تمثل «كابول» المركز الإداري والسياسي للدولة.
ويعكس ذلك نظاماً تتجمع فيه القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية حول قيادة الحركة، مع تقلص مساحة المؤسسات، أو القوى المستقلة القادرة على مراقبتها. وبمرور الوقت، تنتقل «طالبان» من مرحلة السيطرة العسكرية إلى تثبيت نظام حكم طويل الأمد، بعدما أصبحت مسئولة عن إدارة الدولة والاقتصاد والخدمات، وليس فقط خوض الحرب.
وتعتبر الصحيفة أن المعضلة الأفغانية تتمثل في أن انتهاء الحرب لم ينهِ الأزمة، وإنما غيّر طبيعتها، فبدلاً من القتال المفتوح، والانفجارات اليومية، تواجه البلاد أزمات أكثر هدوءاً، لكنها طويلة الأمد، تشمل الفقر، والبطالة، والعزلة، وتراجع الاستثمار، والقيود على التعليم والعمل والحريات. وبينما يحتاج الاقتصاد الأفغاني إلى الاندماج في الاقتصاد العالمي، وتدفقات استثمارية، ونظام مصرفي فعال، وفرص عمل، ومشروعات تنموية، فإن هذه الأمور يصعب تحقيقها في ظل استمرار العقوبات والخلافات السياسية مع المجتمع الدولي.
وأشارت «ذا إيكونومست» إلى أنه بعد عقود من الحروب والانقلابات والتدخلات الأجنبية، يستطيع المواطن الأفغاني السفر عبر أجزاء واسعة من بلاده، دون الخوف على حياته من التعرض لكمين، أو الدخول في معركة أو انفجار، وهذه نتيجة مهمة لمجتمع عاش أجيالاً كاملة تحت وطأة الحرب.
لكن هذا الأمن يبقى ناقصاً، ففي الوقت الذي تراجعت فيه أصوات الرصاص، ارتفعت أعباء الفقر، وفي الوقت الذي أصبحت فيه الطرق أكثر أمناً، ضاقت مساحات الحياة العامة، وبينما تراجعت احتمالات الموت في التفجيرات، تقلصت أيضاً فرص ملايين النساء والفتيات في التعليم والعمل والمشاركة المجتمعية.
واختتمت الصحيفة تقريرها بالقول إن أفغانستان تقف أمام «معادلة معقدة»، سلطة أكثر رسوخاً، ومجتمع أكثر أمناً، واقتصاد هش، وعزلة دولية، وقيود واسعة على الحقوق والحريات. فالأمن وحده لا يكفي، والاستقرار الدائم يحتاج إلى اقتصاد قادر على توفير فرص العمل، ومؤسسات تقدم الخدمات، ونظام تعليمي يفتح الطريق أمام الأجيال الجديدة.

اقرأ أيضا: أسعار العمرة 2026-2027.. برامج اقتصادية ومتوسطة وVIP والأوراق المطلوبة – الأسبوع
