هل تحول “ياسوكوني” إلى ضريح ملهم لـ”اليابان العسكري”؟ | أخبار

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

أرسلت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايشي هدية رمزية لضريح ياسوكوني المثير للجدل، في حين زاره وزير الدفاع شينجيرو كويزومي في الذكرى السنوية لاستسلام اليابان في الحرب العالمية الثانية، ليسلطا بذلك الضوء على النزعات المتنامية للحكومة المحافظة نحو تغيير نهجها الدبلوماسي والدفاعي في منطقة متحركة.

وعلى مدى العقدين الأخيرين، تحول الضريح إلى ما يشبه محج للوزراء المحافظين في اليابان رغم الانتقادات المتكررة من بكين وسول، بسبب رمزيته المرتبطة بالإرث الاستعماري الياباني في المنطقة الذي يشمل احتلال شبه الجزيرة الكورية (1910-1945) والاحتلال الجزئي للصين (1931-1945).

People crowd as they visit Yasukuni Shrine to pay tribute to the war dead on the 81st anniversary of Japan's surrender in World War Two, in Tokyo, Japan, August 15, 2026. REUTERS/Issei Kato
توافد اليابانيين على ضريح ياسوكوني لتكريم قتلى الحرب في الذكرى الـ81 لاستسلام اليابان (رويترز)

ومن بين 2.5 مليون قتيل في الحرب يكرم الضريح ذكراهم، يوجد 14 من قادة الحرب المدانين بارتكاب أخطر جرائم الحرب، إلى جانب أكثر من ألف آخرين أدانتهم محاكم الحلفاء بعد هزيمة اليابان عام 1945.

وأفادت هيئة الإذاعة والتلفزيون اليابانية بأن كيمي أونودا وزيرة الأمن الاقتصادي زارت الضريح أيضا. لكن زيارة وزير الدفاع شينجيرو كويزومي الذي ظهر في صور وسائل الإعلام المحلية مرتديا بدلة وربطة عنق باللون الداكن، قد تبعث برسائل أوسع من مجرد إحياء للذكرى.

وكان كويزومي يتردد بانتظام على الضريح المثير للجدل لإحياء الذكرى السنوية لانتهاء الحرب في اليابان في 15 أغسطس/آب وفي مناسبات أخرى. ولكن في الوقت الذي يسعى فيه وزير الدفاع لزيادة القدرة العسكرية اليابانية ومبيعات الأسلحة في ظل الحكومة الحالية المتشددة، فإن زيارته اليوم السبت تعتبر أكثر إثارة للجدل.

Japan's Defence Minister Shinjiro Koizumi visits at Yasukuni Shrine to pay tribute to the war dead on the 81st anniversary of Japan's surrender in World War Two, in Tokyo, Japan, August 15, 2026, in this photo taken by Kyodo Mandatory credit Kyodo/via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY. EDITORIAL USE ONLY. MANDATORY CREDIT. JAPAN OUT. NO COMMERCIAL OR EDITORIAL SALES IN JAPAN.
جانب من زيارة وزير الدفاع الياباني شينجيرو كويزومي لضريح ياسوكوني في طوكيو (رويترز)

وقد سبق لوزراء دفاع يابانيين زيارة ضريح ياسوكوني، وكان آخرهم مينورو كيهارا عام 2024. أما آخر رئيس وزراء زار الضريح وهو في منصبه في ذكرى 15 آب/أغسطس، فهو جونيشيرو كويزومي عام 2006، في حين زاره آبي في ديسمبر/كانون الأول 2013 بمناسبة مرور عام على توليه السلطة. وقد أثار حينها غضبا عارما في الصين وكوريا الجنوبية.

وهذا العام سرت تكهنات بأن تاكايتشي التي اعتادت زيارة الضريح بانتظام قبل توليها رئاسة الوزراء في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، قد تسير على خطى مرشدها السياسي رئيس الوزراء الراحل شينزو آبي، لكنها اكتفت في نهاية المطاف بإرسال قربان لتتفادى على الأرجح تداعيات دبلوماسية محتملة.

Japanese Prime Minister Sanae Takaichi looks on during a memorial at the Peace Memorial Ceremony, on the 81st anniversary of the dropping of the atomic bomb, at the Peace Memorial Park in Hiroshima on August 6, 2026.
رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في أثناء إحيائها الذكرى الـ81 لإسقاط القنبلة الذرية في هيروشيما (الفرنسية)

بكين وسول تنددان

وعلى عادتهما لم تتأخر ردود الفعل القادمة من الصين وكوريا الجنوبية، إذ يقول البلدان إن زيارات المسؤولين اليابانيين الكبار للضريح تتجاهل ‌أفعال طوكيو خلال الحرب وتضر بالعلاقات الدبلوماسية.

واتهمت وزارة الخارجية الصينية المسؤولين في الحكومة اليابانية بالسعي لتبرئة “أفعال مجرمي الحرب وإخفاء المسؤولية عن الفظائع التي ارتكبت وقت الحرب وتشويه الحقائق التاريخية”.

وقالت بكين إنها قدمت بالفعل احتجاجا رسميا شديد اللهجة إلى اليابان، وحثت طوكيو على مواجهة تاريخها إبان الحرب و”الانفصال التام” عن العسكرة، إذ يتهم المسؤولون الصينيون الحكومة المتشددة في اليابان بتحويل الضريح إلى وسيلة رمزية وروحية للنزعة العسكرية.

ومن جهتها، عبرت وزارة الخارجية الكورية الجنوبية عن “أسفها العميق” إزاء ما وصفتها بأفعال “ولى زمانها” من القادة اليابانيين الذين أرسلوا قرابين أو زاروا ضريح ياسوكوني، وحثتهم على مواجهة ‌التاريخ وإظهار “الندم بصدق” على الماضي من خلال الأفعال، مضيفة أن هذا ‌يمثل أساسا مهما لبناء علاقات ثنائية من أجل المستقبل وقائمة على الثقة.

إنفاق عسكري

يأتي هذا في ظل سعي اليابان إلى إعادة بناء قدراتها العسكرية، فحكومة ساناي تاكايشي بعثت بأكثر من رسالة تعكس رغبتها في رفع القيود المسلطة على سياساتها الدفاعية، بما في ذلك الدعوات المتكررة إلى تنقيح المادة التاسعة من الدستور السلمي لعام 1947 تمهيدا لبناء جيش نظامي وهجومي يكون قادرا على صد التهديدات الإقليمية.

ويأتي الاحتفاء بالضريح في وقت انحدرت فيه العلاقات بين ‌اليابان والصين إلى أسوأ مستوياتها منذ سنوات، بعد أن صرحت تاكايتشي في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي بأن اليابان قد تنشر قوات الدفاع الذاتي التابعة لها إذا شكّل أي هجوم صيني على تايوان تهديدا لوجودها أيضا. وقد طالبتها بكين بالتراجع عما وصفته بأنه تصريح “مروع”.

اقرأ أيضا: استشهاد فلسطيني وإصابة 7 آخرين بنيران إسرائيلية في غزة

وفي عام 2024، أقرت الحكومة اليابانية ميزانية دفاعية قياسية للاستجابة لالتزامها بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2027.

وتسعى طوكيو أكثر من أي وقت مضى إلى تطوير قدراتها الصاروخية، وهي خطط تحظى بدعم صريح من رئيسة الوزراء المحافظة، في وقت يتفاقم فيه التوتر الدبلوماسي بشأن جزر “دوكو” و”الكوريل” المتنازع عليها مع كوريا الجنوبية وروسيا على التوالي.

“اليابان بروح أقوى”

وفي دلالة على هذا النهج، قررت اليابان -في أبريل/نيسان الماضي- رفع الحظر الذاتي الذي كانت تفرضه على صادرات الأسلحة، وهي خطوة فتحت الطريق أمام تصدير السفن الحربية والصواريخ وغيرها من الأسلحة، كما قوبلت باتهامات صينية بإحياء النزعة العسكرية.

وقبل أسبوع، تضمن أيضا تقرير الدفاع السنوي في “الكتاب الأبيض” الذي جاء تحت عنوان “الدفاع عن اليابان 2026″، تلميحات صريحة بشأن توسع الأنشطة العسكرية الصينية في المحيط الهادي، وما تعتبره طوكيو قدرة بكين المتنامية على بسط نفوذها العسكري خارج ما تُسمى سلسلة الجزر الأولى، والتوغل أكثر فأكثر في المحيط الهادي.

وقد شدد وزير الدفاع الياباني شينجيرو كويزومي في مقدمة الكتاب بأنه “من الضروري أن تعزز اليابان قدراتها الدفاعية (…) بروح أقوى وأكثر من أي وقت مضى”.

وفي مجابهة التحديات الأمنية تضمن الكتاب مقترحات من بينها:

  • ضرورة تعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية لليابان.
  • تعزيز “القوة الوطنية الشاملة” لليابان، وتوثيق التعاون مع الحلفاء والشركاء ذوي التوجهات المماثلة.
  • الاستفادة من دروس الحروب الحديثة، في إشارة إلى الاستخدام الواسع النطاق للمسيّرات.

وبينما تقول بكين إن الفهم الملائم للتاريخ هو الأساس السياسي لعلاقة اليابان مع الدول المجاورة واختبارا مهما لالتزامها بالتنمية السلمية، يخشى المراقبون بأن يتحول ضريح “ياسوكوني” إلى معلم ملهم للحكومة المحافظة في طوكيو نحو بناء “يابان عسكري” جديد في المنطقة.

اقرأ أيضا: المضيق مغلق.. إيران وأميركا تتحديان بعضهما بعضا ولا جديد في ال…

‫0 تعليق