ثمة هرمون سياسي لم تعترف به كليات الطب بعد، لكنه يظهر بوضوح في مواسم التعديل الوزاري.
اقرأ أيضا: بعد انضمامها إلى عضوية Grammy.. لطيفة تدخل قائمة أفضل 100 فنان فى Billboard
اسمه: هرمون الاستيزار.
يرتفع فجأة عند بعض الطامحين إلى الحقيبة، فينشط الهاتف، وتتحسن الذاكرة، وتكثر الزيارات، وتزداد الابتسامات، ويصبح صاحبنا أكثر تفاؤلًا بالحكومة، وأكثر اقتناعًا بحكمة الرئيس، وأكثر استعدادًا لخدمة الوطن… شريطة أن تكون الخدمة من داخل مجلس الوزراء.
خلال التعديل الوزاري يرتفع هرمون الاستيزار، وما إن تنتهي الحقائب من توزيعها حتى تظهر المضاعفات.
إذا جاء الاسم، اختفت الأعراض.
وإذا لم يأتِ، اشتدت فجأة أعراض المعارضة.
يستيقظ المستوزر في اليوم التالي وكأنه خرج لتوه من مختبر سياسي جديد: الحكومة فاشلة، والإدارة متعثرة، والاقتصاد مأزوم، والإصلاح بطيء، والديمقراطية تحتاج إلى إنقاذ عاجل.
يا لها من مصادفة طبية مدهشة.
قبل ساعات كان الرجل مستعدًا للجلوس في الحكومة نفسها، والعمل مع الوزراء أنفسهم، والدفاع عن البرنامج ذاته.
ثم لم يرن الهاتف.
فتغيّر التشخيص.
وتشتد الحالة لدى بعض المتحزّبين أيضًا.
فالحزب عندهم ليس دائمًا فكرة أو برنامجًا أو مشروعًا سياسيًا؛ قد يتحول إلى سُلّم، وآخر درجة فيه مكتوب عليها: معالي.
يدخل أحدهم الحزب وعينه على الحقيبة، فإذا طال الطريق إلى الوزارة، بدأ يقيس نجاح التجربة الحزبية بعدد المقاعد الوزارية لا بعدد الأفكار.
وإذا لم يلتفت إليه أحد، ارتفع هرمون الاستيزار، وبدأت محاضرات الديمقراطية.
وثمة مستوزر أكثر تطورًا.
هذا لا ينتظر التعديل فقط؛ يصنع لنفسه حضورًا يوميًا كي لا تنساه الذاكرة السياسية.
يغرّد صباحًا عن الشباب، وظهرًا عن الإدارة، ومساءً عن الاقتصاد، ويعيد تقديم أفكار طُرحت أو طُبقت قبل سنوات، ثم يضعها في غلاف جديد ويقف إلى جوارها باعتزاز المخترع.
وكأن ذاكرة المؤسسات تبدأ من تاريخ منشوره.
ليس العيب في طرح الأفكار؛ الطريف أن يتحول أرشيف الدولة إلى براءة اختراع شخصية، وأن يصبح تدوير القديم وسيلة لإقناع الجميع بأن صاحبنا وحده اكتشف العجلة.
وإذا لم تكفِ التغريدات، انتقل بعضهم إلى المعارضة.
والعجيب أن أعراض الغضب السياسي تظهر أحيانًا في توقيت شديد الدقة:
قبل التعديل: ثقة بالحكومة.
أثناءه: ترقب وابتسامات وهواتف مشحونة.
بعده: إنقاذ وطني عاجل.
بل إن بعض الحالات المتقدمة لا تكتفي بانتقاد وزير أو سياسة، وإنما تطالب بإقالة الحكومة كلها.
وهنا يبلغ هرمون الاستيزار ذروته.
فإذا لم يصل صاحبنا إلى الكرسي، فليُرفع الكرسي ومن يجلس عليه.
وإذا لم تتسع الحكومة له، فلتذهب الحكومة كلها.
هذه ليست معارضة بقدر ما هي حسرة.
المستوزر يرى نفسه دائمًا بالحجم الذي ينبغي للدولة أن تراه به.
اقرأ أيضا: ميتا تطلق ميزة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لرصد الاحتيال في واتساب
فإذا لم تفعل، أصبح الخلل في الدولة.
وإذا لم يتصل الرئيس، أصبح الخلل في الحكومة.
وإذا لم تأتِ الحقيبة، أصبح الخلل في المسار السياسي كله.
مشكلتهم ليست أن الحكومة لم تفهمهم؛ مشكلتهم أنها لم ترهم بالحجم الذي يرون به أنفسهم.
أما العلاج، فلا يحتاج إلى وصفة طبية:
جرعة من الواقعية، وقرص من التواضع، وقليل من الذاكرة السياسية.
فالحقيبة ليست حقًا مكتسبًا، والوزارة ليست جائزة ترضية، والحزب ليس مصعدًا إلى مجلس الوزراء، والمعارضة ليست غرفة انتظار للمستوزرين.
ومن أراد خدمة الدولة، فطرقها أوسع من باب الوزارة.
أما من لا يرى الوطن إلا من نافذة سيارة رسمية، فمشكلته ليست في نقص الفرص، بل في ضيق زاوية النظر.
وفي النهاية، لا يحتاج هرمون الاستيزار إلى تحليل دم.
يكفي أن تراقب صاحبه قبل التعديل وبعده.
فإذا كان يمدح الحكومة صباحًا، وينتظر الهاتف ظهرًا، ثم يطالب برحيلها مساءً…
فالتشخيص واضح:
الحقيبة ابتعدت.
والهرمون ارتفع.
اقرأ أيضا: الضمان الاجتماعي يوضح آلية شمول المنشآت إلكترونيًا
