Published On 15/8/2026
اقرأ أيضا: لأسباب جمالية.. ترمب يطلب تعديلات مكلفة على تصميم حاملات الطائرات | سياسة
في حروب غزة وأوكرانيا وإيران وغيرها، يتكرر شعار “النصر المطلق” على ألسنة القادة، رغم اختلاف ساحات القتال والأهداف والخصوم. فالرئيس الأمريكي دونالد ترمب تحدث عن “نصر كامل وكلي”، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تعهد بـ”النصر المطلق”، فيما يؤكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن “النصر كان وسيظل لنا دائما”.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل حقق أي من هؤلاء القادة ما يمكن وصفه بـ”النصر المطلق”؟ ولماذا بات الوصول إلى هذا النوع من الانتصار أكثر صعوبة في حروب العصر الحديث؟
بحسب تقرير للجزيرة أعده عمر فياض، فإن الإجابة تبدأ من تحديد المقصود بالنصر المطلق. فالمفهوم التقليدي للنصر العسكري يقوم على أن يفرض الجيش المنتصر إرادته على خصمه، بعد تدمير قدراته العسكرية وإجباره على الاستسلام غير المشروط. وقد ترسخ هذا التصور بصورة واضحة عقب الحرب العالمية الثانية، عندما استسلمت ألمانيا النازية واليابان لقوات الحلفاء.
لكن صورة الحرب تغيرت بصورة كبيرة منذ ذلك الحين.
ففي حروب غزة ولبنان وإيران وأوكرانيا وغيرها، شهدت ساحات القتال تفوقا عسكريا واضحا لأطراف، إلى جانب مستويات هائلة من الدمار والخسائر البشرية، لكن أيا من هذه الحروب لم ينته بالمشهد التقليدي الذي يجسد النصر المطلق: جيش مهزوم يرفع الراية البيضاء، وخصم يفرض شروطه كاملة.
ولفهم السبب، يمكن تفكيك التحولات التي طرأت على طبيعة الحروب الحديثة في ثلاث مسائل رئيسية.
- أولا: التفوق العسكري لا يعني بالضرورة نصرا سياسيا
يرتبط هذا التمييز بأفكار المنظر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز، الذي رأى أن الحرب ليست غاية في حد ذاتها، وإنما أداة لتحقيق هدف سياسي.
وبالتالي، فإن امتلاك جيش متفوق عسكريا لا يعني تلقائيا تحقيق النصر، ما لم يتمكن هذا التفوق من إنتاج نتيجة سياسية واضحة؛ كإجبار الخصم على الانسحاب، أو قبول شروط معينة، أو الاستسلام، أو فرض تسوية سياسية تحقق أهداف الطرف المنتصر.
وتقدم حرب فيتنام مثالا بارزا على هذه المفارقة. فقد امتلكت الولايات المتحدة تفوقا عسكريا هائلا، وحققت انتصارات في عدد كبير من المعارك، لكنها لم تتمكن من كسر إرادة خصمها أو تحقيق أهدافها السياسية النهائية، وانتهت الحرب بانسحاب القوات الأمريكية.
وتظهر المفارقة نفسها، بدرجات مختلفة، في قطاع غزة؛ إذ لم يتحول التفوق العسكري الإسرائيلي والدمار الواسع الذي لحق بالقطاع إلى حسم سياسي كامل يضمن تحقيق جميع الأهداف التي أعلنتها إسرائيل.
- ثانيا: حرمان الخصم من النصر
لم يعد الطرف الأضعف بحاجة إلى تحقيق انتصار عسكري تقليدي على خصمه الأقوى. يكفيه في كثير من الحالات أن يمنعه من تحقيق أهدافه.
وهنا تظهر إستراتيجية “حرمان النصر”، التي تقوم على جعل النتيجة التي يسعى إليها الطرف المتفوق عسكريا غير قابلة للتحقق، أو جعل تحقيقها مكلفا إلى درجة تفوق قدرته أو رغبته في مواصلة الحرب.
وطورت الأطراف الأضعف عسكريا وسائل متعددة لمواجهة التفوق التقليدي لخصومها، من بينها حرب العصابات، والطائرات المسيرة، والصواريخ منخفضة الكلفة، والهجمات غير المتماثلة، وهي وسائل يمكن أن تفرض أعباء كبيرة على جيوش تمتلك أسلحة ومنظومات دفاع متطورة وباهظة الثمن.
اقرأ أيضا: معهد إسباني يحذر من انفجار اجتماعي في المغرب – النهار أونلاين

- ثالثا: الاستنزاف يحل محل الاستسلام
هذه التحولات أسهمت في تغيير طبيعة الحرب نفسها. فبدلا من الوصول سريعا إلى لحظة الاستسلام، تتحول المواجهات إلى صراع طويل من الاستنزاف المتبادل.
والاستنزاف لا يقتصر على الخسائر البشرية، بل يشمل استهلاك الذخائر والأسلحة، واستنزاف الموارد المالية، وإرهاق الاقتصاد، والضغط على المجتمعات، إضافة إلى الضغوط السياسية والدبلوماسية التي تتزايد كلما طال أمد الحرب.
وفي الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، على سبيل المثال، لم يؤد التفوق العسكري الأمريكي إلى إسقاط النظام الإيراني أو إجباره ببساطة على الاستسلام، وإنما اتخذت المواجهة مسارا أكثر تعقيدا، يقوم على الضربات المتبادلة والاستنزاف ومحاولة كل طرف منع الآخر من تحقيق أهدافه.
وهنا تبرز المشكلة الأساسية في مفهوم “النصر المطلق”: كيف نحدد من انتصر؟
هل المنتصر هو الطرف الذي احتل مزيدا من الأراضي؟ أم الذي دمر أكبر قدر من القدرات العسكرية لخصمه؟ أم الطرف الذي تمكن من منع عدوه من تحقيق أهدافه الأساسية، حتى لو لم يحقق هو جميع أهدافه؟
يرى عالم السياسة كولن غراي أن الحروب لا تنتهي في الغالب بتدمير كامل للخصم، وإنما عندما يصل أحد الطرفين إلى قناعة بأن استمرار القتال لم يعد يستحق الكلفة التي يدفعها.
وبهذا المعنى، قد لا يكون النصر في حروب اليوم لحظة واحدة حاسمة، ولا مشهدا ينتهي فيه كل شيء باستسلام الطرف الآخر، بل نتيجة سياسية تتشكل تدريجيا عندما تصبح كلفة مواصلة الحرب أكبر من المكاسب التي يمكن تحقيقها.
لذلك، فإن شعار “النصر المطلق” قد يكون أكثر سهولة في الخطاب السياسي منه في ميدان الحرب. فالجيوش تستطيع تدمير المدن والمنشآت، وتحقيق تفوق جوي أو صاروخي، والسيطرة على مساحات من الأرض، لكن تحويل ذلك كله إلى نصر سياسي نهائي يظل أكثر تعقيدا.
اقرأ أيضا: %52 من ذوي الإعاقة إناث
