موت واحد ووطن واحد.. «إيهاب وبيشوي» يجسدان ملحمة الدم والدموع في مواجهة الفتنة
“ماما.. هما بيقتلونا ليه؟”.. ربما لا توجد جملة أكثر اختصارًا لما عاشه أطفال وأسر في الساعات السوداء التي أعقبت أحداث 14 أغسطس 2013. سؤال خرج من طفل لا يعرف شيئًا عن السياسة ولا يفهم معنى الصراع، لكنه كان يسمع أصوات الخوف من حوله، ويرى أمه تحاول أن تخفي دموعها، ويشعر بأن البيت الذي كان يعرفه باعتباره أكثر الأماكن أمانًا لم يعد آمنًا.
اقرأ أيضا: تبرير مفاجئ.. البيت الأبيض يعلق على إعلان ترامب هرمز منطقة أمريكية
وفى تلك الليلة، لم يكن الخوف بعيدًا عن أبواب المنازل. أسر أغلقت أبوابها، وأمهات احتضنت أطفالها، وعجائز لم يكن بمقدورهم الهرب، وشباب حاولوا حماية الكنائس والمنازل بما توافر لهم من وسائل. وفي أماكن أخرى، كانت النيران تلتهم كنائس ومبانٍ خدمية ومحال، بينما كان أصحابها يشاهدون سنوات من حياتهم تتحول إلى رماد.
ويقدم كتاب «رحيق الاستشهاد» من إعداد الأنبا مكاريوس، أسقف إيبارشية المنيا وتوابعها، توثيقًا واسعًا لأحداث الاعتداءات، متتبعًا ما تعرضت له الكنائس والمباني الخدمية والمنازل والمتاجر والسيارات في عدد من الإيبارشيات والمحافظات، إلى جانب شهادات إنسانية للضحايا والأسر التي عاشت تلك الساعات.
خريطة النار.. الاعتداءات خرجت من الكنائس إلى الشوارع والبيوت
ولم يكن الاعتداء محصورًا في مبنى كنسي واحد أو قرية بعينها، وإنما امتدت آثاره إلى مناطق متعددة، شملت سوهاج والمنشأة، أسيوط، أبنوب والفتح، القوصية ومير، دير مواس، المنيا وأبوقرقاص، سمالوط، بني مزار، مغاغة، الفيوم، أطفيح، شمال الجيزة، 6 أكتوبر وأوسيم، وشمال سيناء، إلى جانب وقائع أخرى في القاهرة والإسكندرية.
وفي المنيا تحديدًا، اتسعت دائرة الاعتداءات لتشمل الكنائس والمطرانيات والمنازل والمتاجر والسيارات، ولم يعد المواطن يعرف أين يمكن أن يجد الأمان؛ في الكنيسة أم المنزل أم الشارع.
وكانت دجلا التابعة لمركز دير مواس واحدة من أكثر المناطق التي كشفت كيف تحول الاعتداء من استهداف المباني إلى محاولة اقتلاع أسر كاملة من أماكنها.
دجلا.. 126 أسرة أمام طريق واحد: الهروب
وفي دجلا، لم يكن الحريق هو النهاية، وإنما كان بداية لمأساة أكبر.
وتكشف القوائم التفصيلية لحصر الاعتداءات عن عشرات المنازل التي تعرضت للنهب والتدمير، وبعضها ارتبطت الاعتداءات عليه بتهجير الأسرة، كما شملت الخسائر محالًا تجارية وكوافيرات واستوديوهات ومكتبات ومتاجر مختلفة.
وتظهر أسماء أسر عديدة في التوثيق، بينها أسر تعرضت منازلها للنهب والتدمير، وأخرى ارتبطت وقائع الاعتداء عليها بتهجير أفراد الأسرة من القرية، وهنا تتحول الأرقام إلى وجوه، 126 أسرة لا تعني مجرد رقم فى سجل، وإنما تعني أمهات وآباء وأطفالًا تركوا وراءهم غرف نومهم، وملابسهم، وصورهم، ومحالهم، وذكرياتهم، وبيوتًا لم تعد قادرة على حمايتهم.
وكانت بعض المحال التي تعرضت للنهب مصدر الرزق الوحيد لأصحابها؛ فالكتاب يوثق متاجر للأحذية والملابس والعطور ومستحضرات التجميل والموبيلات والكمبيوتر والأقمشة والمخبوزات والبقالة وغيرها.
المطرانية تحت الحصار.. النار لم تترك شيئًا في طريقها
وفي المنيا، وصلت الاعتداءات إلى المطرانية، حيث لم يعد المكان الديني بمنأى عن الخطر، وتحولت الكنائس والمباني المحيطة إلى ساحة للنيران، وامتدت الاعتداءات إلى السيارات والمكاتب والممتلكات، بينما وجد الموجودون أنفسهم أمام ساعات طويلة من الخوف ومحاولات إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
ولم يكن المشهد في المنيا استثناءً؛ ففي أماكن أخرى، تعرضت كنائس ومبانٍ خدمية ومدارس وممتلكات خاصة للاعتداء، بما يكشف اتساع نطاق الجريمة من دور العبادة إلى تفاصيل الحياة اليومية.
الكنائس تحت النار.. الأمير تادرس ومارمينا والأنبا موسى الأسود
وكان استهداف الكنائس أحد أبرز وجوه تلك الأحداث، ففى المنيا، تعرضت كنائس ومبانٍ كنسية للاعتداء، بينما امتدت النيران إلى منشآت خدمية وممتلكات أخرى.
وفي الفيوم، تعرضت كنائس للاعتداء خلال الفترة من 14 إلى 16 أغسطس، ولم تتوقف الخسائر عند دور العبادة، وإنما امتدت إلى ممتلكات الأقباط من محال وشقق سكنية ومتاجر وسيارات. كما كان هناك تدميرًا كاملًا لكنيستين، وتدميرًا جزئيًا لمبنى خدمات تابع لكنيسة مارمينا ومدرسة الأقباط الابتدائية التابعة للمطرانية.
أما فى مناطق أخرى، فقد طالت الاعتداءات كنائس تحمل أسماء ارتبطت بذاكرة المصريين، مثل الأمير تادرس، والأنبا موسى الأسود، ومارمينا، ومارجرجس، لتصبح أسماء الكنائس نفسها جزءًا من خريطة النار التي خلفتها الأحداث.
اقرأ أيضا: دربوكا تحيى حفلاً غنائياً بساقية الصاوى 27 أغسطس
ملجأ الأطفال.. حارس يختبئ 3 ساعات ونصف فوق السطح
وفي مكان يفترض أنه وُجد لحماية الأطفال، وجد حارسه نفسه يبحث عن مكان يحميه هو، فعندما بدأ المعتدون في اقتحام ملجأ الأطفال، هرب الحارس إلى السطح، واختبأ خلف عمود خرساني لمدة ثلاث ساعات ونصف، وظل الرجل مختبئًا بينما كان المعتدون في الأسفل يحطمون أجهزة التكييف والثلاجات والأثاث ويسرقون الخزينة الموجودة في مكتب المدير.
ثلاث ساعات ونصف كاملة ظل خلالها الرجل لا يعرف إن كان سيخرج حيًا أم سيعثر عليه المعتدون، ثم جاءت لحظة النجاة، ولم يخرج من المكان وحده، وإنما ساعده جار مسلم على الهرب، لأنه كان يعلم أن ظهوره أمام المعتدين قد يعني قتله.
وفي هذه اللحظة تحديدًا، تتغير زاوية الحكاية، فوسط النار كان هناك إنسان يحاول القتل، وفي الناحية الأخرى كان هناك إنسان آخر يحاول إنقاذ إنسان.
مصر الأخرى.. حين وقف الجار بجوار جاره
وربما تكون هذه الصورة هي الأهم لأن الحديث عن 14 أغسطس لا يكتمل إذا اقتصر على المعتدين والحرائق والخسائر.
وكانت هناك أيضًا مواقف لمسلمين وقفوا إلى جانب جيرانهم الأقباط، وأشخاص حاولوا إطفاء النيران، وشباب دافعوا عن الكنائس بما استطاعوا، وأسر فتحت أبوابها لجيرانها.
وهذه الوقائع لا تلغي بشاعة الاعتداءات، لكنها تكشف أن المجتمع المصري لم يكن كتلة واحدة في مواجهة بعضها البعض؛ فقد كان هناك إرهاب يحاول إشعال الفتنة، وفي المقابل مواطنون يحاولون حماية علاقات الجيرة والوطن.
إيهاب وبيشوى.. النار التي لم تسأل عن الديانة
وتأتي واحدة من أكثر القصص الإنسانية دلالة، وهى قصة إيهاب وبيشوي، شابان جمعتهما الصداقة والعمل داخل باخرة سياحية على كورنيش المنيا.
إيهاب مسلم، وبيشوي مسيحى، ولم يكن الدين هو ما جمعهما؛ جمعهما العمل والصداقة والحياة اليومية، وعندما اندلعت الاعتداءات وامتدت النيران إلى الباخرة، كان الاثنان داخلها، ولم يتمكنا من الخروج، واحترقت «المريميد»، ومات الشابان معًا.
كان بيشوي يبلغ من العمر 21 عامًا، وحدث ذلك على الرغم من أن والد إيهاب حاول أن يقنعه بالعودة إلى المنزل مع تصاعد الأحداث، لكنه أصر على الذهاب إلى المركب، حيث كان صديقه إيهاب موجودًا، ثم جاءت النار، لم تسأل عن اسم بيشوي، ولم تسأل عن ديانة إيهاب، أخذتهما معًا.
اقرأ أيضا: الديوان الملكي في الأردن: الأميرة إيمان تستقبل ابنتين توأمين
