في مخيمات الأبُيّض.. الجوع يرسم ملامحه على أجساد الأطفال | سياسة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

في مدينة الأُبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان وسط السودان، لا يحتاج الجوع إلى كثير من الشرح؛ فأعراضه باتت واضحة على أجساد عشرات الأطفال داخل مخيمات النازحين، حيث تتفاقم معاناة الأسر التي فرت من مناطق القتال لتجد نفسها أمام معركة جديدة عنوانها نقص الغذاء وسوء التغذية.

داخل أحد المخيمات، تحاول أم فهم ما ألمّ بطفلها، لكن الإجابة تبدو غائبة أمام تدهور حالته الصحية.

تقول “من ماذا؟ ربما بسبب الفطام أو كيف؟ لا أعلم”، في تعبير تختصر به حيرة أمهات كثيرات يجدن أنفسهن عاجزات عن تحديد أسباب مرض أطفالهن في ظل ظروف النزوح والفقر وشح الغذاء.

أبو بكر واحد من هؤلاء الأطفال. وصلت أسرته إلى الأُبيّض قادمة من الدَّلنج قبل نحو شهرين، واستقرت في أحد مراكز الإيواء، قبل أن تلاحظ والدته تدهور حالته الصحية.

تقول والدته: جئنا من الدلنج قبل شهرين، وجئنا وقعدنا هنا في “الهنكر”، ورأيت هذا الولد تعبانا، فجئت به إلى هنا في العيادة، وفحصوه وقالوا إن لديه سوء تغذية، ومحتاج للتغذية لكي ترجع صحته كما كانت.

الجوع في مواجهة النزوح

في مخيمات النازحين بالأُبيّض، يبدو نقص الغذاء أحد أبرز التداعيات التي خلفتها الحرب، بعدما دفعت المعارك آلاف الأسر إلى مغادرة مناطقها بحثا عن الأمان، لتصل إلى المدينة وهي تفتقر في كثير من الأحيان إلى أبسط مقومات الحياة.

وفي مركز مفوضية العون الإنساني بالمدينة، تتواصل محاولات الاستجابة لهذه الأزمة، من خلال تقديم مساعدات إنسانية لنحو 150 ألف أسرة، بالتوازي مع عيادات جوالة تنتقل إلى مخيمات النازحين لمواجهة تداعيات سوء التغذية وتوفير الرعاية الطبية للمصابين.

ويقول محمد إسماعيل، مفوض العون الإنساني في شمال كردفان، إن عيادات موجودة في جميع مخيمات النازحين، وتحظى بدعم كامل من المنظمات الإنسانية.

ويضيف أن الخدمات تشمل توفير وجبات مجانية، إلى جانب مبالغ مالية أسبوعية لتغطية تكاليف المواصلات ضمن نظام الإحالة، فضلا عن رعاية طبية مستمرة تقدمها وزارة الصحة بدعم من المنظمات وصندوق إعانة المرضى.

لكن حجم الحالات الوافدة إلى المؤسسات الصحية يكشف أن الاحتياجات تتجاوز حجم الاستجابة القائمة.

ففي قسم الطوارئ بمستشفى الأُبيّض للأطفال، استقبلت الطواقم الطبية عشرات الأطفال الذين يعانون سوء التغذية، بينهم أكثر من 50 طفلا، معظمهم من النازحين المقيمين في أحياء المدينة ومراكز الإيواء.

اقرأ أيضا: سمر نعيم تطلق سهرات فنية خاصة لتغطية مهرجان القلعة 34 على قناة الحياة

وتقول سبأ عبد الباسط محمد، طبيبة الأطفال في مستشفى الأبُيّض، إن معظم الحالات تصل من الميناء البري، حيث يعيش النازحون في ظروف صعبة، مشيرة إلى أن كثيرا منهم يصلون وهم يعانون سوء تغذية حادا وشديدا.

وتوضح أن سوء التغذية الحاد ينقسم إلى حالات مصحوبة بوذمة غذائية وأخرى من دون وذمة، فيما تواجه الطواقم الطبية تحديات كبيرة في التعامل مع هذه الحالات.

لكن الطبيبة تشير إلى سبب أكثر عمقا وراء تزايد أعداد المرضى، قائلة إن الوضع الاقتصادي أصبح السبب الأساسي لدخول معظم الأطفال في دائرة سوء التغذية.

معركة يومية على الغذاء

وهكذا، لا تتوقف تداعيات الحرب في شمال كردفان عند حدود الدمار والنزوح، بل تمتد إلى أجساد الأطفال الذين يدفعون ثمنا ثقيلا لأزمة اقتصادية وإنسانية متفاقمة.

أسر نزحت من مناطق القتال، وأطفال فقدوا القدرة على الحصول على غذاء كاف، وأمهات يواجهن المرض من دون معرفة أسبابه، فيما تحاول العيادات والمراكز الإنسانية سد الفجوة بين احتياجات النازحين وما يمكن توفيره من مساعدات.

وفي الأبُيّض، تختصر أجساد الأطفال جانبا من المأساة؛ فبين النزوح وشح الغذاء، يجد عشرات الصغار أنفسهم في مواجهة سوء التغذية، بينما تسعى الجهات الرسمية والمنظمات الإنسانية والطواقم الطبية إلى محاصرة تداعيات الأزمة قبل أن تتحول معاناة الغذاء إلى كارثة صحية أوسع.

ومن هذه المدينة، تظل الحكاية مفتوحة على سؤال أكبر: كم من الأطفال يحتاجون إلى الغذاء والعلاج قبل أن يصبح الجوع نفسه أحد أخطر وجوه الحرب؟

اقرأ أيضا: مارفل تكشف الستار رسمياً عن الجيل الجديد لـX-Men وتعلن موعد الصدام الكبير

‫0 تعليق