هذا المقال “صيد لخاطر” أفكار متناثرة ينتظمها عِقد “السوبر”؛ إذ أضحى لهذه الكلمة دائرة لا تكف عن الاتساع الأفقي (فئات المجتمع) والرأسي (الاستحداث في الاستخدام بقطاعات جديدة) في المجتمع المصري والمجتمعات العربية منذ تسعينيات القرن الماضي إلى اليوم، ولذلك الاتساع دلالاته الاجتماعية والعالمية والثقافية والزراعية والرياضية، وغيرها كما سيتبدى.
اقرأ أيضا: البنك المركزي يجتمع الخميس المقبل.. توقعات أسعار الفائدة من الكويت الوطني ومورجان ستانلي
دخلت كلمة “سوبر” القاموس الحياتي المصري منذ تسعينيات القرن الماضي لأسباب (١) زراعية نظرًا لاستنبات نوعيات “سوبر” أو ذات مميزات فائقة من البذور لتحقيق زيادة المحاصيل ومواكبة متغيرات المناخ والتربة وما إلى ذلك، كبذور الأرز واللب وغيرها، وبذلك صارت على ألسنة المتخصصين وعموم الفلاحين الذين يشكلون -على الأقل حينها- أكثر من نصف السكان. وانتقل ذلك لأسباب (٢) خدمية تتعلق بتوصيف جودة الخدمة وتوصيف جودة المنتج، ومن أشهر تلك المنتجات “اللب السوبر” الذي يستهلك بوفرة من مختلف فئات الشعب.
ثم جاءت أسباب متعلقة بـــ (٣) التثاقف العالمي بوصول شخصية “سوبرمان” التي بدأت بمجلة رسوم باسمة (comics) في ثلاثينيات القرن الماضي وصولاً إلى التوسع الكبير في الشخصيات “السوبر” أو الخارقة، واشتد ذلك “التثاقف” الأحادي الاتجاه في تأثيره مع ثورة الاتصالات ويُسر الوصول إلى المنتجات الثقافية العالمية.
وأعقب ذلك رسوخ المصطلح (٤) باستدعاء المصطلح في الشأن الرياضي الذي محل اهتمام كبير باستحداث بطولة من مباراة واحدة هي “السوبر المصري” الجامع بين بطلي الدوري والكأس، وصار “كأس السوبر” كلمة دارجة على الألسن.
وربما أدى التوسع في الرصد إلى الوقوف على شواهد أخرى لهذه الكلمة ودلالاتها على مستويات أخرى في المجتمع. بيد أن مستويات التأثر بهذا الاستدعاء ودلالاته تتراوح بين “التثاقف” (acculturation = بمعنى التأثر الذي لا يؤدي إلى فقدان السمات الأصيلة)، والاستيعاب (assimilation = بمعنى استيعاب ثقافة / أصحاب ثقافة وافدة وهضمها)، والتثاقف الإحلالي (transculturation = الذي يجعل الأضعف باعتبارات شتى، أي من هو في موقف المتلقي لا المعطي، يستوعب عناصر ثقافية تحل محل عناصر محلية أصيلة)، والغمر الثقافي (Cultural Leveling = بمعنى إفضاء ثورات الاتصال وتقارب المسافات وطغيان ثقافة معينة إلى “غمر” الثقافات الأخرى واستتباعها ثقافيًا)، والأثقفة (Deculturation = بمعنى الاقتلاع أو الطمس الثقافي بفعل ثقافة وافدة أو طاغية).
وفي كل ذلك تتفاوت اللغات والثقافات في كيفية الاستقبال والاستيعاب وإعادة الإنتاج، ولذلك عمليات صرفية وصوتية ووظيفية يضيق بها المقام. وينطبق هذا على إيراد كلمة “سوبر” ودلالتها واستصحاب معناها في سياقات شتى وإسقاطها على ما لم توضع له وانسحاب معاني التميز المتولدة منها على منتجات وأشخاص وخدمات وغيرها.
فما الداعي لهذه المقدمة؟
اقرأ أيضا: ضبط طبيب تعدّى على صاحب محل بسبب ركن سيارة بالشرقية
تشكلت شبكة من المفاهيم والحادثات التي يغلب عليها طابع ثقافي قائم على فكرتي “الاستتباع” و”الاستهلاكية” في ظل الوافد الثقافي الملحاح، وكلها تتلاقى مع مفهوم “السوبر” وتتقاطع مع غاياته الرامية إلى ترسيخ مؤدى الاستتباع وتعميق الاستهلاكية.
ولفهم هذه الظاهرة العالمية ينبغي في تقديري أن ننظر إليها ضمن دائرتها الأوسع، بكل جوانبها التاريخية واللغوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإعلامية (الدعائية)، وغيرها من الجوانب. ولأن المدخل اللغوي حسب فهمي هو المدخل الأول؛ فللقارئ الكريم أن يعلم أن كلمة super (سوبر) قادمة من اللاتينية، ولها فيها وظيفة حرف الجر والحال (مصطلحات نحوية)، وتعني “فوق / على / ما وراء / زيادة على”، ويمكن اقتفاء تلك الكلمة حسب علم أصول الألفاظ (etymology) إلى الجذر الهندو-أوروبي uper (وله المعنى نفسه)، بما يجعل تصنيف كلمة super (سوبر) ضمن فئة المشترك اللفظي بين اللغات (cognate) – إذ لها أصل مشترك مع كلمة über الألمانية، وكلمة over الإنجليزية، وكلمة hyper اليونانية، لفظا و/ أو معنى.
وقد مرت كلمة super بتطورات في الاستخدام منذ (١) نشأتها الهندو-أوروبية، فأصبحت (٢) داخلة حرفية أواخر القرن السابع، فدخلت الإنجليزية لا لتكون كلمة مستقلة، بل كداخلة حرفية تفيد معنى التميز أو الفوقية. ثم (٣) اكتسبت استخدامًا وصفيًا في الثلث الأول من القرن التاسع عشر، فتحولت إلى صفة مستقلة؛ لا محض داخلة حرفية، ثم (٤) نزلت إلى مستوى اللغة الدارجة التي استهلكت الكلمة بكثرة الاستخدام وأكسبتها وظيفة “المؤكِد اللفظي” من نهاية القرن التاسع عشر إلى اليوم.
فماذا بعد المدخل اللغوي (التطوري)؟
هذا ما نرصده في الحلقة الثانية من هذه السلسلة.
اقرأ أيضا: أكثر من مليون مستفيد.. مستشفيات جامعة بنها تكشف حصاد عام من الخدمات الطبية والعلاجية
