
نشرت وسائل إعلام رسمية إيرانية الأسبوع الماضي مسودة خطة بشأن مضيق هرمز تقضي بمنع السفن الأميركية والإسرائيلية من عبور المضيق، وتفرض تعويضات على دول تصنف على أنها “معادية” لإيران، إلى جانب مطالب إيرانية متشددة تتعلق بالحرب.
اقرأ أيضا: العاصفة “لا لا” .. إعصار يهدد هاواي
وتتعارض الخطة بشكل مباشر مع إصرار الولايات المتحدة على أن يبقى الممر المائي مفتوحا وحرا أمام حركة الشحن الدولية.
وجاء الكشف عن المسودة بعد تقارير أفادت بأن إيران وعُمان تقتربان من اتفاق بشأن الإدارة المشتركة لمضيق هرمز، من خلال إنشاء ممرات مؤقتة باتجاهي الشمال والجنوب تتولى الدولتان إدارتها.
وتطرح المطالب الإيرانية الجديدة، التي قُدمت باعتبارها شروطا مسبقة لإعادة فتح المضيق بالكامل، خارج نطاق ممرات الشحن المقترحة، تساؤلات بشأن قدرة عمان على انتزاع دور خاص بها في المضيق، في الوقت الذي تتوسط فيه بين الجانبين الأميركي والإيراني.
وتريد السلطنة حصة رسمية ومباشرة في إدارة أهم ممر مائي محل نزاع في العالم بعد انتهاء الحرب. كما تريد حصة من أي رسوم يتعين على ناقلات النفط دفعها مقابل المرور، بعدما كان العبور مجانيا حتى اندلاع الحرب في فبراير.
وتسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على حرية المرور، لكن مذكرة التفاهم التي وقعتها في يونيو منعت فرض الرسوم لمدة 60 يوما فقط، وتركت لإيران وعُمان مهمة “تحديد الإدارة المستقبلية” للمضيق.
وقال مسؤول أميركي لـ”الحرة” في وقت سابق من هذا الشهر إن واشنطن لن تقبل بأي ترتيب في مضيق هرمز يفرض الحصول على تصاريح، أو يفرض رسوم عبور، أو يمنح أي طرف السيطرة على حركة الشحن التجاري.
وقبل الحرب، كان مضيق هرمز ينقل ما يصل إلى ربع إجمالي تجارة النفط العالمية.
أين وصلت المحادثات الآن؟
تجري إيران وعُمان، اللتان تطلان على المضيق المتنازع عليه، مفاوضات منذ أسابيع، لكن نتائجها لا تزال غير واضحة.
وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في الأول من أغسطس إن المحادثات مع مسقط بشأن المضيق دخلت “مراحلها النهائية”.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن البلدين اقتربا من التوصل إلى اتفاق بشأن مسار بحري جديد بالكامل عبر مضيق هرمز، يختلف عن الممرات القائمة قبل الحرب. وقال مسؤولون إيرانيون إن الترتيب سيشمل رسوم خدمة تُقسّم بين إيران وعُمان.
أما المقترح العُماني، فيستند، بحسب تقارير، إلى النموذج المعمول به في مضيق ملقا، الذي يربط المحيط الهندي ببحر الصين الجنوبي. وفي هذا النموذج، تدفع السفن رسوما طوعية لآلية إقليمية، بدلا من دفع رسوم إلزامية لدولة واحدة.
ومن شأن هذا الترتيب أن يحول دون سيطرة إيرانية منفردة على الممر المائي. لكن بالنظر إلى الموقف المعلن لطهران، يشير تبني عُمان علنا لمثل هذه الخطة إلى وجود فجوة كبيرة بين الجانبين، حتى إن كانت التصريحات الدبلوماسية توحي بحدوث تقارب.
كيف حصلت عُمان على مقعد على طاولة المفاوضات؟
أعطت الأزمة المتعلقة بالمضيق عُمان دورا إقليميا أوسع، أيا كانت نتيجة الاتفاق بشأن هرمز، وفقا لعبد الله باعبود، الأكاديمي العُماني المتخصص في العلاقات الدولية وشؤون الخليج والشرق الأوسط.
وقال: “استضافت السلطنة جولات من المحادثات الأميركية الإيرانية، ثم واصلت اتصالاتها الدبلوماسية بعد اندلاع الحرب، داعية إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى المفاوضات. كما انتقل دورها تدريجيا من التوسط في القضايا النووية والسياسية إلى مناقشة قضايا تتعلق بالأمن الإقليمي، وفي مقدمتها ضمان انسيابية الملاحة في مضيق هرمز”.
ويعكس هذا التحول نموذجا دبلوماسيا أمضت عُمان عقودا في بنائه، بحسب أحمد الشيزاوي، الصحفي والمحلل السياسي العُماني. وقال إن مسقط “لم تعد يُنظر إليها باعتبارها طرفا في الصراعات، وإنما باعتبارها تمثل مساحة للحوار وجسرا للتواصل عندما تتعثر القنوات الأخرى”.
ماذا تريد عُمان؟
رغم أن عُمان تحاول التوفيق بين الخطوط الحمراء التي وضعتها إيران والولايات المتحدة بشأن الإدارة المستقبلية للمضيق، فإن للسلطنة مصالح حيوية خاصة بها تسعى إلى حمايتها.
وقال باعبود إن مضيق هرمز يمثل أهمية بالغة للمصالح الأمنية والاقتصادية لعُمان.
وأضاف: “عُمان دولة ساحلية، وجزء مهم من ممراتها الملاحية يقع داخل مياهها الإقليمية. ولا يمكن بناء نظام ملاحي عملي ومستدام من دون مشاركتها”.
وقال الاقتصادي العُماني خلفان الطوقي لـ ” الحرة” إن طرقا بديلة في الخليج أفادت عُمان، بما في ذلك ما تُسمى “الممرات الخضراء” التي أطلقتها الإمارات، التي توفر ممرات برية إلى بعض الموانئ العُمانية، متجاوزة أجزاء من المضيق.
وقال الطوقي: “منح ذلك الموانئ العمانية ميزة وحركة لم يتوافرا من قبل، وافتُتحت هذه الممرات بسبب الظروف الراهنة. كما فتح ذلك آفاقا أمام التجار للتفكير في عُمان باعتبارها مركزا مستقبليا، أو بديلا، أو على الأقل واحدة من البدائل”.
لكن مصالح مسقط تتجاوز النفوذ الذي يمكن أن تمارسه على ممر مائي يقع في قلب حرب طاحنة.
وقال باعبود: “النفوذ العُماني بالدرجة الأولى نفوذ قائم على الوصول والثقة وتشكيل الأجندة، وليس نفوذا قائما على القوة أو الإكراه. تستطيع مسقط فتح الأبواب، ونقل الرسائل، وتقريب المواقف، واقتراح التسويات، لكنها لا تستطيع إجبار واشنطن أو طهران على قبول اتفاق من تلقاء نفسها”.
اقرأ أيضا: الجيش الأمريكي يوقف مؤقتًا التدريب على مروحيات أباتشي
وظهر ذلك في أواخر يوليو، عندما اقترحت عُمان الإشراف المشترك على هرمز مع إيران، بما يشمل تقاسماً بنسبة 50-50 للسيطرة على الممر الهام.
ورفضت طهران المقترح خلال أيام، وقدمت بدلا منه خطة تترك لمسقط إدارة جزء صغير فقط من الممر الذي اقترحت أن تديره بنفسها.
كما قوّضت طهران عسكريا دور عُمان في إدارة المضيق. فقد هاجمت إيران سفناً تعبر هرمز عبر المياه العُمانية.
كيف يمكن أن تبدو الإدارة العُمانية؟
بحسب باعبود، يمكن أن يمتد الدور المحتمل لعُمان إلى مجالات عدة، فقد تتولى دورا في ضمان توافق أي ترتيب مع القانون الدولي للملاحة، بدلا من تحول الاتفاق إلى أداة للضغط السياسي، إضافة إلى الاضطلاع بدور في التنسيق العملي بشأن مضيق هرمز.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، قال إن مسقط يمكنها أن تجسر الفجوة بين المطالب الإيرانية بالسيطرة على أمن المضيق وإصرار الولايات المتحدة على حرية المرور، وربما ترسيخ هذا الدور من خلال استضافة مركز إقليمي لتنسيق الأمن البحري، والعمل كقناة اتصال لمنع وقوع حوادث بين القوات الإيرانية والغربية.
ومن الناحية المثالية، ستسعى عُمان إلى التوفيق بين المطالب الأميركية والإيرانية بشأن إدارة المضيق، مع تفضيل نهج متعدد الأطراف بدلاً من أن تكون الإدارة بيد عُمان وإيران.
الرسوم نقطة ضغط
وتتمثل نقطة الضغط الأبرز في مسألة الرسوم. فأي ترتيب يسمح لإيران بفرض رسوم على مجرد العبور قد يبدو بمثابة اعتراف بالسيطرة الإيرانية على المضيق، وهو خط أحمر بالنسبة إلى واشنطن، وقد يعرّض عُمان نفسها لتدقيق أميركي وغربي.
وأي مشاركة عُمانية في فرض أي نوع من الرسوم على السفن العابرة للمضيق قد تستجلب ضغوطاً من الولايات المتحدة.
وقال باعبود إن مسقط تخاطر بالتعرض لضغوط أميركية وغربية إذا فُسرت الترتيبات على أنها “اعتراف بحق إيران في السيطرة المنفردة على المضيق”، أو على أنها “رسوم إلزامية على العبور”.
وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب في وقت سابق من هذا الشهر إن واشنطن ستؤجل شن ضربات جديدة على إيران أملاً في التوصل إلى اتفاق سريع، واصفا الأمر بأنه “الفرصة الأخيرة” أمام طهران لتوقيع اتفاق.
وجاء ذلك في الوقت الذي نفت فيه إيران علنا وجود أي مفاوضات نشطة مباشرة مع الولايات المتحدة، مؤكدة أن محادثاتها النشطة الوحيدة تجري مع عُمان بشأن مضيق هرمز.
ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت عُمان ستتمكن من تحويل رهانها على الثقة التي بنتها على مدى سنوات من الوساطة الهادئة إلى واقع أكثر رسوخا مثل الحصول على حصة رسمية ومعترف بها في إدارة أحد أهم الممرات المائية في العالم.
