تراجع الثقة بواشنطن يدفع حلفاء أمريكا لبناء بدائل أمنية وسياسية

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

تتراجع الثقة في التزامات الولايات المتحدة لدى عدد من حلفائها وشركائها، في ظل ما يصفه مراقبون بتذبذب المواقف والوعود والتهديدات الصادرة عن إدارة الرئيس دونالد ترامب، وهو ما يدفع بعض الدول إلى البحث عن بدائل أمنية وعسكرية وسياسية تحسبا لتغير الموقف الأمريكي.

اقرأ أيضا: خشية إسرائيلية من تآكل العلاقات مع واشنطن بسبب رفض خطة اتفاق غزة

ويضع المعلق الصحفي فريد زكريا هذه التحولات في سياق أوسع، معتبرا أن حرب إيران كشفت حجم التأثير الذي يمكن أن يتركه تراجع الثقة في علاقات واشنطن الدولية.

وفي هذا الإطار، قال زكريا إن حرب إيران تمثل “ضربة معلم” في إضاعة مصداقية القوى العظمى، مشيرا إلى أن تهديدات الرئيس دونالد ترامب أصبحت فارغة في نظر كثير من الحلفاء، الذين بدأوا في المقابل ببناء تحالفات وترتيبات بديلة.

واوضح في مقال نشرته صحيفة “واشنطن بوست” أن اتفاق مكة الذي أُعلن عنه في الأسبوع الماضي يمثل زلزالا جيوسياسيا طفيفا، إذ تعهدت السعودية وتركيا، وهما دولتان كانتا على خلاف علني طوال معظم العقد الماضي، بالدفاع عن بعضهما البعض في الحرب. ووقّعتا، إلى جانب باكستان، اتفاقية مكة للدفاع المشترك، معلنتين، على غرار حلف شمال الأطلسي، أن أي هجوم على إحداها يعد هجوما على جميع الدول.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة العلاقات بين الدول الثلاث؛ فباكستان والسعودية تربطهما علاقات أمنية وثيقة للغاية، في حين كانت السعودية وتركيا خصمين إقليميين لدودين، وتصادمتا بشأن قطر ومصر وجماعة الإخوان المسلمين، وبشكل حاد على خلفية جريمة قتل جمال خاشقجي في إسطنبول، التي بدا أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حمل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مسؤوليتها بشكل مباشر.

لكن ما جمع هذه الدول، بحسب زكريا، كان موقفا مشتركا من الرئيس ترامب، أو بالأحرى تراجع ثقتها به وبكلمته. فقد كانت الحرب مع إيران بمثابة درس بليغ في كيفية تبديد المصداقية، رغم أن السعودية وقطر حصلتا على التزامات أمنية من ترامب في العام الماضي فقط.

اظهار أخبار متعلقة

وفي السياق ذاته، رأى زكريا أن كلمة ترامب لا تقل مصداقية لدى نظرائه في الخارج عن مصداقيتها لدى مصرفييه في نيويورك، فقد قال الرئيس الأمريكي أكثر من مرة إن التوصل إلى اتفاق مع طهران بات وشيكا، وبحلول منتصف حزيران/يونيو، أحصت إحدى الإحصائيات ما لا يقل عن 38 تصريحا تشير إلى قرب التوصل إلى اتفاق أو إلى رغبة إيران الشديدة فيه.

ومع ذلك، قال مصدر إيراني لوكالة “رويترز” هذا الأسبوع إن المفاوضات لم تحرز تقدما يذكر. ونتيجة لذلك، تعلّم العالم التعامل مع تصريحات ترامب على منصة “تروث سوشيال” باعتبارها مزيجا من الحقيقة والخيال، تماما كما هو الحال مع بعض مقاطع الفيديو التي ينتجها الذكاء الاصطناعي والتي ينشرها.

ويمتد هذا النمط، وفقا لزكريا، إلى أوروبا أيضا، ففي أيار/ مايو، أعلن البنتاغون سحب 5,000 جندي أمريكي من ألمانيا، وألمح ترامب إلى تخفيضات إضافية. ثم ألغى البنتاغون خطة نشر نحو 4,000 جندي في بولندا، قبل أن يعلن ترامب، بعد أيام، إرسال 5,000 جندي إضافي إلى بولندا.

وفي الوقت نفسه، يهدد ترامب أحيانا بعدم الدفاع عن أوروبا ضد روسيا، ثم يقول في أحيان أخرى إنه سيفعل ذلك. ويطرح هذا التذبذب سؤالا عمليا بالنسبة إلى الحلفاء: تخيل أن تكون وزير دفاع أوروبيا وتحاول وضع خطة عسكرية لعشر سنوات بناء على هذا الوضع.

اظهار أخبار متعلقة

ولم يعد الأمر، في رأي زكريا، مقتصرا على الخطاب الرئاسي، إذ أعلن ترامب هذا الأسبوع أن الولايات المتحدة تسيطر سيطرة تامة على مضيق هرمز. ومع ذلك، لم تسجل بيانات تتبع السفن سوى عبور 14 سفينة في يوم واحد مؤخرا، مقارنة بأكثر من 130 سفينة يوميا قبل الحرب.

ويؤكد زكريا أن هذه المسألة ليست مجرد أسلوب رئاسي أو خطاب سياسي، بل تمس جوهر القوة الأمريكية نفسها. فعلى مدى ثمانية عقود، بنت الولايات المتحدة قوة هائلة لا تقتصر على حاملات الطائرات وأسراب طائرات إف-35، وإنما تشمل أيضا المصداقية.

وكان الحلفاء يعتقدون أن الالتزامات الأمريكية ستصمد من إدارة إلى أخرى، بينما أدرك الخصوم أن التهديدات الأمريكية، حتى عندما تكون مبالغا فيها أحيانا، تحمل وزنا حقيقيا.

ولم يكن هذا النظام مثاليا؛ فقد تراجعت واشنطن عن وعودها وارتكبت أخطاء، لكن الافتراض السائد كان أن الولايات المتحدة فاعل يمكن التنبؤ بتصرفاته، وأن لكلمات رئيسها معنى حقيقيا.

إلا أن ترامب، بحسب المقال، يتعامل مع الوعود والتهديدات كما لو كان يمارس لعبة خداع كبرى. غير أن عدم القدرة على التنبؤ يختلف تماما في التحالفات عنه في مفاوضات العقارات، فإذا لم يستطع الحلفاء معرفة ما إذا كانت القوات ستصل أو تغادر، أو ما إذا كانت الرسوم الجمركية سترتفع أو تنخفض، أو ما إذا كان اتفاق وقع اليوم سيصمد حتى الغد، فلن يصبحوا أكثر طاعة، بل سيصبحون أكثر استقلالية.

ومن هنا تبدأ الدول في بناء وعود وبدائل احتياطية. فقد اختارت الدنمارك نظام الدفاع الجوي الفرنسي الإيطالي سام/تي بدلا من نظام باتريوت الأمريكي، بينما تعيد كندا النظر في مشترياتها من طائرات إف-35.

وبالتوازي، تستثمر الحكومات الأوروبية بكثافة في صناعاتها العسكرية. وأصبحت كوريا الجنوبية ثاني أكبر مصدر للأسلحة إلى دول حلف الناتو الأوروبية، كما تسهم في تزويد دول الخليج بأنظمة دفاع جوي أرخص من صواريخ باتريوت، كذلك نقل البنك المركزي الهولندي خدمات الحوسبة السحابية الحيوية إلى مزود أوروبي لتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية.

اقرأ أيضا: استنفار شرقي سوريا وترقب لمستوى الفرات.. ما أسباب الارتفاع الصيفي؟ | أخبار

أما في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، فتعمل السعودية وتركيا وباكستان الآن على بناء بنية أمنية خاصة بها. ومع أن أيا من هذه التحركات لا يشكل، في حد ذاته، قطيعة مع واشنطن، فإنها مجتمعة تظهر تراجعا متزايدا في الثقة بكلمة أمريكا.

اظهار أخبار متعلقة

وينطبق الأمر نفسه على التهديدات الأمريكية الاقتصادية. فإذا هددت واشنطن بفرض تعريفات جمركية، ثم انتزعت تنازلات، ثم عادت إلى التهديد بفرض تعريفات جمركية مرة أخرى، تستنتج الحكومات أن التوافق لا يحقق الأمن.

وكما قال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في وقت سابق من هذا العام، إذا كانت الدول تأمل أن يحقق الامتثال الأمن، فلن يتحقق ذلك. ولذلك، يصبح الرد المنطقي هو بناء البدائل.

حتى رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم يأخذ مقترحات ترامب على محمل الجد، إذ رفض بإيجاز وسرعة خطة الرئيس الأمريكي المكونة من 15 بندا لغزة هذا الأسبوع. وقد شهد كثيرون من قبل خططا أعلن عنها ترامب بحفاوة بالغة، ثم سرعان ما طواها النسيان، ومنها خطة “ريفييرا غزة”.

وهكذا، بحسب زكريا، تتراجع القوى العظمى، ليس بالضرورة عبر هزيمة ساحقة، وإنما عندما تتوقف الدول الأخرى بهدوء عن تنظيم شؤونها العالمية حولها.

ومع ذلك، لا تزال الولايات المتحدة تتمتع بقوة هائلة؛ فهي تمتلك أقوى جيش في العالم، وتقنيات متطورة، وأسواقا رأسمالية ضخمة، وتحالفات قوية، إضافة إلى الدولار. لكن المصداقية تظل رصيدا ثمينا، تراكم بعناء على مر الأجيال، ومن السهل بشكل مذهل إنفاقه وتبديده.

ويستحضر زكريا في هذا السياق مشهدا من أزمة الصواريخ الكوبية. فقد أرسل الرئيس جون إف. كينيدي وزير الخارجية الأسبق دين أتشيسون إلى باريس لإطلاع شارل ديغول على اكتشاف صواريخ نووية سوفيتية في كوبا، وأحضر أتشيسون صورا استطلاعية لإثبات صحة ادعائه.

لكن ديغول، الذي لم يكن من النوع الذي يتوسل لأمريكا، رفض الصور وقال إنه لا يحتاج إلى دليل، لأن كلمة رئيس الولايات المتحدة كانت كافية.

ويخلص هذا المشهد إلى مفارقة لافتة في حاضر القوة الأمريكية، فما كان يمكن تصوره في تلك اللحظة، حين كانت كلمة الرئيس الأمريكي تكفي وحدها لتأكيد حقيقة خطيرة أمام حليف، يبدو اليوم أمرا يصعب تصوره.

اقرأ أيضا: بورصة عمان تنهي تداولات الأسبوع على ارتفاع – هلا اخبار

‫0 تعليق