
حين يتوجه جلالة الملك عبدالله الثاني إلى جمهورية الصين الشعبية، فإننا أمام زيارة تتجاوز في معناها حدود البروتوكول والعلاقات الدبلوماسية التقليدية. إنها زيارة إلى واحدة من أهم القوى الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية في العالم، وفي توقيت يحتاج فيه الأردن أكثر من أي وقت مضى إلى ترجمة علاقاته الدولية إلى فرص استثمارية حقيقية، ومشاريع إنتاجية، وأسواق جديدة، ونمو اقتصادي ينعكس على حياة الأردنيين.
لكن السؤال الأهم الذي ينبغي أن يطرح في عمان ليس: ماذا سيقال في الصين؟ بل: ماذا سيحدث بعد العودة من الصين؟
هذه هي المسألة الحقيقية، فالأردن لا تنقصه العلاقات الدولية، ولا تنقصه الزيارات الرسمية، ولا تنقصه مذكرات التفاهم. ما نحتاجه هو القدرة على تحويل الإرادة السياسية والعلاقات الإستراتيجية إلى مشاريع واستثمارات وشراكات اقتصادية قابلة للتنفيذ.
الملك يفتح الأبواب.. فمن سيدخل منها؟
لقد أثبت جلالة الملك عبدالله الثاني، على مدى سنوات، قدرة استثنائية على بناء شبكة واسعة من العلاقات الدولية وفتح الأبواب أمام الأردن، والزيارة إلى الصين تأتي في هذا السياق. لكن فتح الباب ليس هو الإنجاز النهائي.
الإنجاز الحقيقي يبدأ عندما يدخل القطاع الخاص الأردني، وعندما تأتي الشركات الصينية إلى الأردن، وعندما تتحول الفرص إلى مصانع ومراكز لوجستية ومشاريع طاقة وتعدين وبنية تحتية وتكنولوجيا، وعندما ترتفع الصادرات الأردنية إلى السوق الصينية والأسواق التي تستطيع الصين أن تكون بوابة إليها.
وهنا تحديداً تقع مسؤولية الفريق الاقتصادي المرافق لجلالة الملك. اذ يستطيع الملك أن يفتح الباب على أعلى مستوى، وأن يضع ثقله السياسي في خدمة الأردن، وأن يقدم البلد باعتباره شريكاً موثوقاً ومستقراً وقادراً على أن يكون منصة إقليمية.
لكن بعد فتح الباب، يجب أن يكون هناك فريق يعرف ماذا يريد، ومن يريد، وكيف يريد، وماذا سيقدم، ومتى سيبدأ التنفيذ.
فالمطلوب ليس “زيارة اقتصادية”.. بل إستراتيجية اقتصادية.
الصين ليست مجرد سوق ضخم يمكن أن نصدر إليه بعض المنتجات.
الصين منظومة اقتصادية متكاملة: صناعة، تكنولوجيا، بنية تحتية، تمويل، لوجستيات، طاقة، مدن ذكية، سلاسل توريد، ذكاء اصطناعي، تصنيع متقدم، ومئات الشركات القادرة على الاستثمار خارج حدودها.
ولهذا يجب ألا يتعامل الفريق الاقتصادي مع الزيارة باعتبارها فرصة لتوقيع عدد من الاتفاقيات ثم الاحتفال بها إعلامياً.
بل ينظر لها على أنها جزء من إستراتيجية أردنية طويلة الأمد لإعادة تعريف موقع الأردن في الاقتصاد الصيني.
والسؤال الكبير المطروح أمام الفريق الاقتصادي بعد هذا الجهد الملكي هل نريد أن نعرض الفرص أم أن نبيعها؟
وهناك فرق كبير بين الاثنين. ماذا نريد من الصين؟
يجب أن يدخل الفريق الاقتصادي إلى الاجتماعات وهو يحمل قائمة واضحة ومحددة، لا مجرد عناوين عامة.
نريد مثلاً:
* استثمارات صينية صناعية موجهة للتصدير من الأردن.
* شراكات في مشاريع البنية التحتية الكبرى.
* شركات صينية تستخدم الأردن مركزاً إقليمياً لأسواق المنطقة.
* نقل التكنولوجيا والمعرفة وليس استيراد المعدات فقط.
* شراكات في الطاقة والمياه والتعدين.
* تطوير المناطق الصناعية واللوجستية.
* استثمارات في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.
* شراكات في الصناعات الغذائية والدوائية والهندسية.
* ربط الشركات الأردنية بسلاسل التوريد الصينية.
* فتح قنوات حقيقية لزيادة الصادرات الأردنية إلى الصين.
والأهم من ذلك كله: أن تكون هناك مشاريع بأسماء وقيم مالية وجداول زمنية ومسؤوليات محددة.
فبدلاً من القول إن “هناك فرصاً كبيرة للتعاون”، يجب أن نصل إلى مرحلة نستطيع فيها القول:
هذه الشركة الصينية ستستثمر في هذا المشروع، بقيمة كذا، وسيبدأ التنفيذ في هذا التاريخ، وسيوفر هذا العدد من فرص العمل، وسيصدر من الأردن إلى هذه الأسواق.
عندها فقط يمكن أن نقول إننا عظمنا نتائج الزيارة
وهنا أصل إلى النقطة الأكثر حساسية، ليس المطلوب من هذا المقال انتقاد الحكومة أو التقليل من جهود الفريق الاقتصادي؛ بل العكس تماماً.
المطلوب هو تنبيه الفريق الاقتصادي إلى أن الفرصة أكبر من أن تضيع في البيروقراطية أو ضعف التنسيق أو غياب المتابعة او الاكتفاء بالاستعراض الإعلامي.
هناك أحياناً فجوة مؤسسية بين ما تراه القيادة السياسية وما تستطيع الأجهزة التنفيذية ترجمته على الأرض.
وقد تكون الرؤية واضحة جداً في رأس الدولة، لكن تنفيذها يتوزع بين وزارات ومؤسسات وهيئات، وكل جهة تعمل ضمن نطاقها، فتضيع الصورة الكبرى، وهذا تحديداً ما يجب ألا يحدث في الملف الصيني.
إذا كان جلالة الملك يرى في الصين شريكاً إستراتيجياً للأردن، فعلى الفريق الاقتصادي أن يرى الصين بالطريقة نفسها.
وإذا كان جلالته يذهب إلى الصين لفتح أبواب جديدة للأردن، فعلى الفريق الاقتصادي أن يكون مستعداً للدخول من هذه الأبواب بكل قوة.
ولا يجوز أن يكون الملك في وادٍ، والتنفيذ الحكومي في وادٍ آخر فالصين لا تنتظر أحداً والصين لديها خيارات هائلة. والشركات الصينية تستطيع أن تستثمر في عشرات الدول.
لذلك فإن السؤال ليس: لماذا لا تستثمر الصين في الأردن؟
بل السؤال الأكثر صعوبة هو: لماذا تختار الصين الأردن من بين عشرات الخيارات؟
والإجابة يجب أن تكون جاهزة فالأردن لديه موقع جغرافي إستراتيجي، واستقرار سياسي وأمني، واتفاقيات تجارية، وكفاءات بشرية، وبنية تحتية متطورة نسبياً، وإمكانات في الطاقة والتعدين والسياحة والخدمات، ويمكنه أن يكون منصة للوصول إلى أسواق المنطقة.
ولأنه هذه المزايا وحدها قد لا تكون كافية فيجب أن نقدم للصينيين مشاريع قابلة للاستثمار، وحوافز تنافسية، وبيئة تنفيذ سريعة، ووضوحاً تشريعياً، وشريكاً حكومياً قادراً على اتخاذ القرار.
ولهذا أقترح أن تكون هناك بعد الزيارة مباشرة غرفة عمليات أردنية– صينية تتولى متابعة مخرجات الزيارة، وتضم الوزارات والجهات الحكومية المعنية والقطاع الخاص، وتعمل وفق مؤشرات أداء واضحة.
كل مشروع يخرج من الزيارة يجب أن يكون له مسؤول وقيمة وشريك وموعد ومرحلة تنفيذ ومؤشر إنجاز.
هذه اللغة الوحيدة التي يفهمها الاقتصاد الحديث.
الملك لديه الرؤية.. والفريق الاقتصادي يملك أدوات التنفيذ فهل ينجح هذا الفريق في ترجمة الرؤى الملكية؟
والرسالة إلى الفريق الاقتصادي بسيطة وواضحة:
جلالة الملك يفتح لكم الأبواب التي لا يستطيع غيره فتحها.. فلا تكتفوا بالدخول إليها… بل ابنوا خلفها مشاريع وشراكات واقتصاداً جديداً للأردن.
إن نجاح الزيارة لا يجب أن يكون نجاحاً دبلوماسياً فقط، بل يجب أن يتحول إلى نجاح اقتصادي أردني قابل للقياس.
والأردن اليوم لا يحتاج إلى المزيد من النوايا الحسنة فقط.
إنه يحتاج إلى جرأة في القرار، وسرعة في التنفيذ، وعقلية استثمارية، ومتابعة لا تتوقف حتى تتحول الرؤية الملكية إلى نتائج يلمسها المواطن والاقتصاد.
فإذا كان جلالة الملك قد وضع البوصلة باتجاه الشرق، فإن مسؤولية الفريق الاقتصادي أن يتأكد من أن كل أجهزة الدولة تسير في الاتجاه نفسه.
اقرأ أيضا: الميدالية البلاتينية لمنتخب المواصفات – جريدة الوطن السعودية
