تشهد القارة الأوروبية صيفاً استثنائياً في قسوته، حيث تتعرض لموجة جفاف غير مسبوقة تهدد قطاعات الطاقة والنقل والزراعة، وتكشف عن كنوز أثرية وحتى بقايا حيوانات من عصور ما قبل التاريخ، في مشهد يجمع بين تداعيات التغير المناخي والمفاجآت التاريخية التي يخفيها قاع الأنهار المنحسرة.
اقرأ أيضا: خليل الحية يصل القاهرة في أول زيارة لمصر منذ توليه رئاسة حماس
نهر الدانوب: أزمة طاقة تطال 10 دول
يتصدر نهر الدانوب، ثاني أطول أنهار أوروبا، مشهد الأزمة، حيث انخفض منسوبه إلى مستويات قياسية، مما هدد إمدادات الكهرباء في عشر دول تمر بها مجاريه . في رومانيا، اضطرت الحكومة إلى إغلاق المفاعل النووي الوحيد في محطة تشيرنافودا بسبب عدم كفاية مياه الدانوب لتبريده، لأول مرة منذ عام 2003 . ولم تكتفِ السلطات بالإغلاق، بل لجأت إلى تفجير تكوين صخري في مجرى النهر لتحسين تدفق المياه نحو المحطة، في محاولة يائسة لتجنب كارثة طاقة شاملة . كما اضطرت شركتا “داسيا” و”فورد” لتعليق الإنتاج في رومانيا حتى 19 أغسطس لتخفيف استهلاك الكهرباء .
وفي المجر، كانت محطة باكس النووية، التي توفر نحو نصف احتياجات البلاد من الكهرباء، على بعد مليمترات فقط من الإغلاق التام، حيث تعمل حالياً بأقل من 50% من طاقتها . وحذر رئيس الوزراء بيتر ماجيار من أن انقطاعاً كاملاً للمحطة قد يحدث في أي لحظة، داعياً المواطنين إلى ترشيد الاستهلاك، خاصة في ساعات الذروة المسائية، وفرض قيود على شحن القطارات الكهربائية . وفي صربيا، تراجع إنتاج أكبر محطتين كهرومائيتين بنسبة تتراوح بين 20% و30%، كما توقفت مضخة تروي أكثر من مليون هكتار من الأراضي الزراعية عن العمل.
نهر الراين: شريان ألمانيا مهدد بالانقسام
على الجبهة الألمانية، يواجه نهر الراين، الشريان الاقتصادي الحيوي لأوروبا، أزمة مماثلة. سجل مقياس كاوب، المؤشر الرئيسي للملاحة، عمقاً تاريخياً بلغ 16 سنتيمتراً فقط، وهو أدنى مستوى منذ بدء تسجيل القياسات عام 1880 . وتحذّر وكالة الملاحة الألمانية من أن النهر قد يصبح غير صالح للملاحة بالكامل عند هذه النقطة، مما يعني تقسيم الممر المائي فعلياً إلى قسمين منفصلين.
وتضطر سفن الشحن حالياً للإبحار بنسبة لا تتجاوز 20% من حمولتها الطبيعية، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف النقل بشكل حاد. فتكلفة نقل النفط من روتردام إلى كارلسروه ارتفعت من 45 يورو للطن في يونيو إلى نحو 140 يورو حالياً . وتوقع معهد كيل للاقتصاد العالمي أن يؤدي انخفاض منسوب الراين إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي الألماني بنسبة 0.2% في الربع الثالث، أي خسائر تتراوح بين مليار وملياري يورو . وفي ميناء روتردام الهولندي، تراجع حجم البضائع المنقولة عبر النهر بنحو 10% مقارنة بالمعدلات الطبيعية .
نهر بو الإيطالي: جفاف يهدد أشهر الأجبان
وفي إيطاليا، وصل نهر بو، أطول أنهار البلاد، إلى حالة حرجة، مع انخفاض تدفقه إلى أقل من 300 متر مكعب في الثانية، مقارنة بمتوسط 1,500 متر مكعب في مثل هذا الوقت من العام . وتسبب تراجع منسوب المياه في تسرب مياه البحر الأدرياتيكي إلى مجرى النهر لمسافة تصل إلى 25 كيلومتراً، مما أدى إلى تملح الأراضي الزراعية في دلتا بو وتهديد إنتاج الحليب المستخدم في صناعة جبن البارميزان الشهير . وحذّر مسؤولو حوض النهر من أن احتياطيات المياه قد تنضب بالكامل خلال عشرة أيام فقط إذا استمرت موجات الحر وانحباس الأمطار.
الجفاف يكشف أسراراً تاريخية
إلى جانب التداعيات الاقتصادية، كشف انحسار المياه عن مفاجآت تاريخية، ففي صربيا، ظهرت سفن حربية نازية تعود للحرب العالمية الثانية على سطح النهر. وفي سلوفاكيا، عُثر على لغم بحري بريطاني مضاد للسفن من نفس الحقبة . كما عُثر على عظام ماموث صوفي يعود للعصر الجليدي في قاع الدانوب قرب قرية ببلغاريا . وفي روما، كشف جفاف نهر التيبر عن بقايا جسر يعود للإمبراطور نيرون.
تحذيرات المناخ
ويحذر العلماء من أن هذه الظواهر لم تعد استثنائية، بل ستصبح أكثر تكراراً بسبب التغير المناخي. وتتوقع الدراسات أن تتضاعف أيام “المياه المنخفضة” بحلول عام 2050، مما يستدعي إعادة النظر في سياسات إدارة الموارد المائية والطاقة في جميع أنحاء القارة.
اقرأ أيضا: وفد من حماس برئاسة الحية إلى القاهرة لبحث تثبيت اتفاق غزة
