
كتب الحقوقي السوري البارز هيثم المالح رسالة وصفها بأنها “رسالة وداع” إلى أهله وأبنائه وبناته وإخوته في سوريا، تزامناً مع إتمامه عامه الخامس والتسعين.
اقرأ أيضا: “النقل البري”: التشغيل التجريبي لخط عمان – عجلون غدا
واستعاد المالح في الرسالة محطات من مسيرته الطويلة في مواجهة الفساد والاستبداد، وما تعرض له من سجون وملاحقات وتهديدات بالقتل، خلال حقبة آل الأسد.
وقال المالح في رسالته إنه أمضى معظم حياته في “صراع مع الفساد والاستبداد”، ووقف إلى جانب الضعفاء في بلاده التي عاش فيها نحو 80 عاماً، مشيراً إلى أنه تعرض خلال مسيرته لتهديدات بالقتل، واتهم أجهزة النظام السابق بمحاولة تصفيته.
واستعاد الحقوقي السوري تفاصيل مغادرته منزله برفقة زوجته في عام 2011، بعد تلقيه تحذيراً من وجود قرار بتصفيته، ليدخل بعدها في رحلة تنقل وتشرد بين منازل أقاربه ومعارفه، قبل أن يغادر سوريا لاحقاً ويتنقل بين عدد من العواصم العربية وغير العربية.
وأشار المالح إلى أنه عاد إلى دمشق في 5 أيار/ مايو 2025، ليجد منزله قد تعرض للدمار والنهب، قبل أن يتولى عدد من السوريين مساعدته في ترميمه وتأمين احتياجاته، فيما قال إنه فقد مكتبه بالكامل وما كان يحتويه.
وفي ختام رسالته، وجه المالح حديثه إلى السوريين الذين قال إنهم هُجّروا من مناطقهم، معرباً عن أمله في أن تتاح له فرصة للجلوس معهم والحديث عن مستقبل البلاد، ومؤكداً اعتزازه بالشعب السوري، قبل أن يختم رسالته قائلاً: “أرسل لكم هذه الكلمات لأودعكم وداع المحب، وأطلب منكم المسامحة”.
اظهار أخبار متعلقة
وتاليا نص الرسالة:
«الرسالة الأخيرة إلى أهلي وإخوتي وأبنائي وبناتي في سوريا الحبيبة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد؛ أيها الأحبة الذين أشعر أن فراقهم بات قريباً،
في هذا اليوم أتم عامي الخامس والتسعين من عمري، الذي قضيت معظمه في صراع مع الفساد والاستبداد، ووقفت إلى جانب الضعفاء من أهلي في بلدي الذي عشت فيه ثمانين عاماً، ولم أفارقه رغم المحن والسجون والملاحقات من أجهزة القمع التي بدأ تشكيلها مع وصول شرذمة حزب البعث الذي حل نفسه استجابةً وباقي الأحزاب لطلب الدكتاتور عبد الناصر.
لقد تلقيت العديد من التهديدات بالقتل، وحاولت عصابة الأسد التنفيذ ولكن كانت إرادة الباري عز وجل هي الأقوى وهي الحامية لي، كما ورد في كتاب الله: فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين.
في الشهر الخامس من عام الثورة 2011، تلقيت اتصالاً هاتفياً بضرورة مغادرة منزلي على الساعة الرابعة صباحاً، لأن ثمة قراراً اتخذ لتصفيتي، وغادرت مع زوجتي إلى حيث لا أعلم، واستجرت بقريب لي ليؤويني حتى الصباح، وعندما دنا الإصباح نزلت من حيث كنت أسكن، في قرى ما أطلق عليه الأسد، بينما أطلقت عليه “قرى الجحش”، نزلت إلى قدسيا أولاً ولذت بدار أهل زوجتي الكرام لأيام، ثم بدأت رحلة تشردي مع زوجتي متنقلاً من دار لأخرى من معارفي وأقربائي، وسطوت على قبعة من الزميلة دعد موسى التي استضافتني لأيام.
اقرأ أيضا: الصبيحي يطالب بمضاعفة حجم النظام التأميني وموجوداته
ثم تكرم علي السيد رياض سيف فاستضافني في الطابق السفلي من منزله في ريما/ضاحية قدسيا، إلى أن غادرت معشوقتي دمشق يوم أن دعاني المجرم بشار الأسد لحضور ما سماه مؤتمر الحوار برعاية فاروق الشرع، وأجبته مباشرة بعبارة واضحة صارمة قلت له فيها: “إنني لا أحاور القتلة”، وغادرت إلى تركيا ثم إلى المجهول متنقلاً بين عواصم عربية وغير عربية، ثم جاءتني إرادة رب العالمين فعدت إلى محبوبتي دمشق، في الخامس من شهر مايس عام 2025.
كان مشهد داري مأساوياً فلقد تم تدميرها ونهب محتوياتها بصورة لم يكن ممكناً سكناها، فسلمت مفاتيحها للشاب خلدون رمضان خريج سجن تدمر، ليقوم بإصلاحها، ولم أكن أملك مالاً للإصلاح، فنهض أهلي السوريون وقدموا المال والجهد وأصلحوا الدار، وتبرع أحد الإخوة -الذي لا أعرفه- بتزويد الدار بالأجهزة الكهربائية، كما تبرع أحد الإخوة بتزويد خزان التدفئة بالمازوت، وعدت للسكنى في داري، بينما فقدت مكتبي كاملاً بما فيه من محتويات.
إخوتي الأحبة على مساحة الجغرافيا التي تم تهجيرنا منها، كم أود أن تتاح لي الظروف لأجلس معكم وأتحدث إليكم، حديث الأب لأبنائه أو الأخ لإخوانه، وأبثكم ما في نفسي وهو كثير.
وأتمنى لو تتاح لي الظروف ذلك لأضع أمامكم تصوري لمستقبل أبنائي وبناتي السوريين الذين أفتخر بهم، ودائماً أقول إن الشعب السوري أذكى شعوب الأرض وأكثرها إمكانيات.
وخيراً يا أحبابي، أرسل لكم هذه الكلمات لأودعكم وداع المحب، وأطلب منكم المسامحة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وإلى لقاء على الحوض الشريف مع رسولنا الأعظم، سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، في ظل عفو الرحمن، والسلام.
هيثم المالح»
اقرأ أيضا: لا تفسدوا الخميس | سبق
