يرصد المقال ظاهرة لجوء بعض المديرين لإصدار القرارات السلبية وتكليفات العمل المزعجة في نهاية الأسبوع، ما يحوّل الإجازة من مساحة للتعافي إلى فترة ممتدة من القلق والاجترار الذهني، في تعارض واضح مع مبادئ الإدارة الحديثة التي تعد الراحة جزءًا أساسيًا من دورة الأداء والإنتاجية. ويشير إلى تجارب مؤسسات أعاد…
اقرأ أيضا: أحمد سعد: ابنتي جودي ساومتني على الغناء.. وأريدها طبيبة
ثمة عادة إدارية يصعب العثور عليها في اللوائح، لكنها تتكرر في كثير من بيئات العمل حتى أصبحت وكأنها قاعدة غير مكتوبة؛ فكلما اقتربت عطلة نهاية الأسبوع، ازدادت احتمالية ظهور القرارات الصعبة، والتكليفات المفاجئة، ورسائل اللوم، والأخبار غير السارة، وكأن نهاية الدوام يوم الخميس تحولت لدى بعض القيادات إلى التوقيت المثالي لتمرير ما لا يرغبون في مناقشته، بينما تُترك تبعات القرار لترافق الموظف طوال إجازته.
هذا السلوك لا يعكس حزمًا إداريًا كما يظن البعض، بل يكشف فهمًا قاصرًا لطبيعة الإنسان فالقرار الإداري لا يُقاس فقط بمضمونه، وإنما بطريقة تقديمه وتوقيته القائد الذي يختار نهاية الأسبوع لإبلاغ موظفيه بقرار سلبي، لا يُنهي أسبوع العمل، بل يمتد إلى المساحة التي خُصصت أصلًا لاستعادة التوازن النفسي والذهني.
في علم النفس، يفسر ذلك بما يعرف بـ التحيز للسلبيات (Negativity Bias)، حيث تترك الأحداث السلبية أثرًا نفسيًا أعمق وأطول من الإيجابية كما تشير الأبحاث إلى ظاهرة الاجترار الذهني (Rumination)، وهي ميل الإنسان إلى إعادة التفكير في الحدث المزعج مرارًا، خصوصًا عندما لا يملك فرصة لمعالجته أو مناقشته. والنتيجة أن الإجازة تتحول من فترة للتعافي إلى مساحة مفتوحة للقلق، ويعود الموظف إلى عمله وقد استنزف جزءًا كبيرًا من طاقته النفسية قبل أن يبدأ أسبوعًا جديدًا.
ومن منظور الإدارة، فإن هذا الأسلوب يناقض أحد أهم المبادئ الحديثة في قيادة الفرق، وهو أن فترات الراحة ليست رفاهية، بل جزء من دورة الأداء فالدراسات في السلوك التنظيمي تؤكد أن جودة التعافي تنعكس مباشرة على جودة اتخاذ القرار، والإبداع، والتركيز، والالتزام الوظيفي لذلك، فإن المنظمة التي تحترم إجازة موظفيها لا تمنحهم وقتًا خارج العمل فحسب، بل تستثمر في إنتاجيتهم داخل العمل.
اقرأ أيضا: الاحتلال الإسرائيلي يعرقل وصول المساعدات للضفة الغربية بـ 900 نقطة تفتيش
المفارقة أن بعض المديرين يعتقدون أنهم يمارسون دهاءً إداريًا؛ فيستثمرون الحماس الذي بناه الموظف طوال الأسبوع، ثم يؤجلون الأخبار السلبية إلى آخر الدوام، ظنًا أن يومي الإجازة سيخففان من وقعها لكن الواقع يشير إلى نتيجة معاكسة؛ إذ يصل الموظف إلى بداية الأسبوع التالي وهو يحمل أثر القرار أكثر مما يحمل أثر الراحة.
وفي المقابل، بدأت مؤسسات عديدة تعيد تصميم بيئة العمل انطلاقًا من فهم مختلف لطبيعة الإنسان ومن الأمثلة المحلية تجربة شركة عذيب للاتصالات التي اعتمدت أسبوع عمل يمتد إلى أربعة أيام ونصف، مع جعل يوم الخميس نصف دوام وقد جاء هذا التوجه في مرحلة كانت الشركة تواجه تحديات مالية كبيرة ولا يمكن الجزم بأن هذا القرار وحده كان سبب تحول الشركة لاحقًا إلى تحقيق نتائج مالية أفضل، فنجاح الشركات تصنعه منظومة متكاملة من القرارات إلا أن التجربة تعكس فلسفة إدارية تستحق التوقف عندها؛ وهي أن الاستثمار في راحة الموظف لا يتعارض مع الأداء، بل قد يكون أحد العوامل التي تساعد على بناء بيئة أكثر استقرارًا وكفاءة.
الإدارة الحديثة لم تعد تقيس النجاح بعدد الساعات التي يقضيها الموظف في المكتب، ولا بقدرته على حمل القلق معه إلى منزله بل تقيسه بقدرة المنظمة على خلق بيئة يعود فيها الموظف بعد الإجازة أكثر حماسًا، لا أكثر استنزافًا فالقائد الحقيقي لا يختبئ خلف توقيت نهاية الدوام لتمرير القرارات الصعبة، وإنما يواجهها في الوقت المناسب، ويمنح فريقه حق الفهم والنقاش والاستيعاب.
لذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يطرحه كل مدير على نفسه ليس: متى أرسل القرار؟ بل: كيف سيبدأ موظفي أسبوعهم القادم بعد هذا القرار؟ لأن الموظفين قد ينسون تفاصيل كثير من القرارات، لكنهم لا ينسون الإدارة التي سرقت منهم راحة نهاية الأسبوع، ولا الإدارة التي احترمت إنسانيتهم قبل أن تطالبهم بإنجازاتهم.
