الاستبيانات حين تصبح غاية وتغيب النتيجة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

ليس كل ما يُقاس يتحسن، وليس كل ما يُكتب في التقارير ينعكس على الواقع. فهناك فرق شاسع بين مؤسسة تجعل القياس طريقًا للإصلاح، وأخرى تجعله غاية تكتفي بها. ومن هنا تبدأ الحكاية مع الاستبيانات التي أصبحت في السنوات الأخيرة أكثر حضورًا من نتائجها، وأكثر انتشارًا من أثرها.

اقرأ أيضا: الأنثروبولوجيا العربية ومساءلة محمد المعزوز المحقة

أصبح المستفيد يعيش تجربة مألوفة تتكرر في كل مكان؛ تنتهي الخدمة فتبدأ الأسئلة «رسالة نصية، أو إشعار إلكتروني أو نافذة منبثقة ” ، تطلب منه أن يقيّم، ويقترح، ويعبّر عن رأيه. حتى بدا وكأن رحلة المستفيد لا تنتهي بالحصول على الخدمة، بل تبدأ بعدها رحلة أخرى مع الاستبيانات. ولا خلاف على أهمية هذا النهج؛ فالجهة التي لا تستمع إلى مستفيديها، تعيش في عزلة عن الواقع، والإدارة الحديثة لا تقوم على الحدس، بل على البيانات، ولا تبني قراراتها على الانطباعات، بل على المؤشرات. لكن السؤال الذي يستحق التأمل هو:

هل أصبحت الاستبيانات وسيلة لفهم الواقع، أم أصبحت واقعًا قائمًا بذاته؟

فالوسائل مهما بلغت أهميتها، تفقد قيمتها عندما تنفصل عن الغاية التي وُجدت من أجلها. والاستبيان لم يُصمم ليكون إنجازًا يُضاف إلى تقرير الأداء، بل ليكون نقطة البداية لسلسلة طويلة من التحليل، والمراجعة، والتصحيح، ثم التطوير. أما أن يتوقف عند مرحلة جمع البيانات، فإن قيمته تصبح أقرب إلى قيمة خريطة لا يقرأها أحد، المشكلة ليست في كثرة الاستبيانات، بل في ندرة التغيير الذي يعقبها. فكثير من المستفيدين يكررون الملاحظات ذاتها في كل مناسبة؛ يلفتون الانتباه إلى التعقيد، أو البطء، أو الحاجة إلى تبسيط الإجراءات، ثم يعود إليهم الاستبيان بعد أشهر، ليطرح الأسئلة نفسها، وكأن الزمن توقف عند اللحظة الأولى، وكأن الملاحظات لم تغادر شاشة النظام إلى طاولة القرار.

وهنا يظهر خلل إداري يستحق الوقوف عنده؛ فبعض المؤسسات أصبحت بارعة في جمع البيانات، لكنها أقل براعة في استثمارها. تمتلك قواعد معلومات ضخمة، ورسومًا بيانية متقنة، ومؤشرات أداء ملونة، لكنها تعجز عن الإجابة عن سؤال بسيط:

ما الذي تغير في الميدان بعد كل هذه الأرقام؟ فالبيانات ليست قيمة في ذاتها، وإنما قيمتها في قدرتها على تغيير الواقع.

وكما أن الطبيب لا يكتفي بتشخيص المرض، كذلك الإدارة لا ينبغي أن تكتفي بقياس الرضا. فالتشخيص الذي لا يعقبه علاج لا يخفف ألمًا، والاستبيان الذي لا يعقبه قرار لا يحسن خدمة . ومن المفارقات أن بعض الجهات أصبحت تقيس رضا المستفيد بوتيرة أسرع من قدرتها على معالجة أسباب عدم رضاه. فتتراكم المؤشرات عامًا بعد عام، بينما تبقى المشكلات في أماكنها، وكأن المطلوب هو مراقبة القصور لا تجاوزه، ووصفه لا معالجته.

ولأن الإنسان لا يقيس المؤسسات بما تقوله عن نفسها، بل بما يراه منها، فإن كثرة الاستبيانات دون نتائج ملموسة تترك أثرًا نفسيًا عكسيًا. فالمستفيد الذي يشعر أن رأيه لا يغير شيئًا، يفقد تدريجيًا حماسه للمشاركة، ويبدأ بالنظر إلى الاستبيان باعتباره إجراءً شكليًا، لا دعوة صادقة للمشاركة في التطوير. وهنا تخسر المؤسسة أهم عناصر الجودة، وهو صدق التغذية الراجعة، الثقة لا تُبنى حين يُطلب من الناس أن يتحدثوا، بل حين يكتشفون أن حديثهم أحدث فرقًا. فليس أجمل من أن يرى المستفيد أن ملاحظة كتبها قبل أشهر أصبحت اليوم خدمة أكثر كفاءة، أو إجراءً أكثر مرونة، أو قرارًا أكثر عدلًا.

عندها فقط يدرك أن صوته لم يكن مجرد خانة في نموذج إلكتروني، بل كان جزءًا من صناعة القرار ، وفي الحقيقة، فإن المؤسسات الأكثر نضجًا لا تفتخر بعدد الاستبيانات التي أرسلتها، وإنما بعدد التحسينات التي خرجت منها. فهي لا تعرض نسب الرضا على أنها نهاية الإنجاز، بل تعتبرها بداية مسؤولية جديدة. وتدرك أن انخفاض أحد المؤشرات ليس إخفاقًا، بل فرصة ثمينة لاكتشاف ما يجب إصلاحه . لذلك فإن مفهوم الجودة بحاجة إلى مراجعة في بعض البيئات المؤسسية. فالجودة ليست في إنتاج مؤشرات أكثر، وإنما في إنتاج واقع أفضل. وليست في كثرة القياس، وإنما في جودة الاستجابة لما كشفه القياس. فالاستبيان لا يطور الخدمات، وإنما العقول التي تقرأ نتائجه، والقيادات التي تمتلك شجاعة اتخاذ القرار، والفرق التي تؤمن بأن رضا المستفيد لا يتحقق بالأرقام، بل بالفعل.

ومع ما تشهده المملكة من تحول وطني متسارع، وارتفاع سقف التوقعات من الخدمات الحكومية والخاصة، فإن المرحلة الحالية تتطلب أن تنتقل المؤسسات من ثقافة جمع الآراء إلى ثقافة صناعة الأثر. فالمواطن والمقيم لم يعودا يبحثان عن رسالة تسألهما عن مستوى الرضا، بقدر ما ينتظران خدمة أفضل في الزيارة التالية.

اقرأ أيضا: حملة «صيف بلا حوادث» تعزز التوعية المرورية

ولعل من أجمل صور الشفافية أن تعود الجهة إلى مستفيديها، لا باستبيان جديد، بل برسالة تقول:

استمعنا إلى ملاحظاتكم، وهذا ما تغير بفضلها.

عندها فقط يتحول الاستبيان إلى شراكة حقيقية، ويصبح القياس أداة لبناء الثقة، لا مجرد ممارسة إدارية متكررة.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يجب أن يسبق كل استبيان:

هل نحن مستعدون لتغيير ما ستكشفه نتائجه؟

فإن كانت الإجابة نعم، أصبح الاستبيان بداية إصلاح. أما إن كانت الإجابة لا، فإننا لا نقيس جودة الخدمات، بل نقيس قدرتنا على إنتاج التقارير. فالمؤسسات لا تُقاس بعدد الأسئلة التي تطرحها على الناس، بل بعدد الإجابات التي تقدمها لهم على أرض الواقع.

اقرأ أيضا: بند لافت.. كم سيدفع كريستيانو رونالدو لجورجينا في حال الطلاق؟

‫0 تعليق