الأنثروبولوجيا العربية ومساءلة محمد المعزوز المحقة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

عندما يصدر كتاب «الأنثروبولوجيا العربية – سؤال التوطين» للأنثروبولوجي المغربي محمد المعزوز اليوم (المركز الثقافي للكتاب، 2026، بيروت)، فذلك فأل تقدّم دونما ريب، كونه يُشير إلى نقلة صعبة ولكن ضرورية وحاسمة في المسار الفكري العربي المعاصر. فبعدما كان الفضاء العربي يعج بإنتاج ثقافي نوعي طوال قرون، جاء العصر العثماني ليُحوِّل طبيعته من المجال العقليّ إلى المجال النقلي، حيث طَغتْ، وبلا انقطاع، مؤلفات الشرح والتفسير.

اقرأ أيضا: حملة «صيف بلا حوادث» تعزز التوعية المرورية

تبدَّل النَّهج شكلاً مع حركة النهضة العربية اعتباراً من منتصف القرن التاسع عشر، غير أنَّه لم يَبرع سوى في الحقل اللغوي، إذ إن الإبداع الفكري الأوسع ظل ملجوماً، فبقينا بشكل أو بآخر أسرى المدار النقلي.

بُعيد الحرب العالمية الأولى هبَّت بعض رياح التغيير، واعدة بتحديث الثقافة العربية وإدخالها من الباب الأوسع في زمن الإبداع الثقافي عَبر التلاقح المدرسي والجامعي المُمتد. إلا أن هذا الزمن الواعد، على مدى قرن كامل، لم يحدث العودة المطلوبة إلى الإبداع الفكري في المجالات كافة، بل إنه اقتصر جوهراً على زمن نقلي جديد، غربي الهوى هذه المرة، حاول أن يَستنسخ الإبداع الغربي الهائل الذي كان قد تحقق.

بَيْدَ أن الجيل الذي قام بنقل مخزون الحداثة، كما الذي تلاه ثم تلاه، بقوا جميعاً عند حافة النقل والمُحاكاة البعيدة، من دون التجرّؤ على التعامل إبداعيّاً مع الإبداع الوافد، كما حَصل مثلاً في اليابان وسنغافورة والصين غداة الحرب العالمية الثانية. فالسُبات الفكري العربي بقي في مُجمله متمسّكاً بمخدّات التراث ودواوين النقل خاصته، مُديراً ظهره لشخصيته الحضارية الأولى كما للشخصية الحضارية الثانية التي لَبس لبوسَها من دون أن يَرغب بمحركاتها الذهنية البنيوية.

لذلك ترى الجامعات العربية اليوم، الحكومية منها والخاصة على حد سواء، كخيالاتِ ظل أو ثانويات ليلية، لا تتحرّك طواقمها التعليمية إبداعياً ولا تَضع طلابها على سكة الإبداع العلمي والفكري الحديث، بل تُبقيهم عند حدود التحصيل الوظيفي للشهادة كمَدخلٍ لدخول سوق عمل ريعية تُعيد إنتاج البُنى المعرفية نفسها. علماً أنَّ هذه الحال هي أيضاً تلك التي تسود في معظم مراكز الأبحاث القائمة حالياً في العالَم العربي دونما حاجة إلى تسميتها.

من هنا مسموح لنا أن نَفرح أيّما فَرح عندما يَصدر عملٌ فكري يَسلك نَهجاً نوعياً مُختلفاً، في أي مجالٍ من مجالات الثقافة بمعناها العام والواسع، حيث اكتفينا من كُتبِ الشرح والتفسير وأعمالها، فيما تتوق الأجيال العربية الصاعدة للدخول في عصر الحداثة كجزء أصيل منه، كما حَصل مع ابن رشد وابن سينا والخوارزمي وابن خلدون وابن البيطار وسواهم ممّن أسهموا في تقدُّم الفكر والإبداع البشرييّن ماضياً.

تبييء قواعد العلم

لم يَكتشف محمّد المعزوز البارود، ولم يَخترع الأنثروبولوجيا، لكنَّه بعدما استوعب جميعَ مبادئ العِلم الثاني ووظائفه وخَبِر ميدانيّاً حدوده، أَدرك أن عليه مهمّة تتعدى النقل في اتجاه الإبداع. فقدَّم اليوم، بعد قَرن كامل من تعرُّف أهل الثقافة العربية على الأنثروبولوجيا، مُساءَلة عملية لهذا العِلم الوافد، بتواضُع، تحت عنوان سؤال التوطين.

وهو في الواقع يُصيب أكثر من هدف برمية واحدة. فهو لا يمس صدقية العلم، غير أنه يتوقف، بمسؤولية عالِمٍ عربي يُقِرّ بوجود النظرية الأنثروبولوجية، علاوة على الإضافة العلمية التي تقدمها، عند صوابيّة المُقاربة المعتمدة ميدانيّاً عندنا.

ففي الحقيقة لم تقدّم الأنثروبولوجيا المُعرَّبة الكثير للمعرفة العربية على الرغم من كثرة المُشتغلين باسمها. فهؤلاء في سوادهم الأعظم، اكتفوا بنقل ما وصل إليهم على متن بواخر الكارغو المُحمَّلة بالثقافة الأكاديمية الغربية، بانبهار بداية الأمر، ثم بعد ذاك بتحفُّظ وتشكيك نَظراً للطابع الكولونيالي للأنثروبولوجيا الثقافية البريطانية، ثم الغربية بعامة… لكنهم على الرغم من ذلك، استمروا بتسويقها كما هي في المعاهد والأكاديميات كجزء من الديكور العام المرافق لشهادة العلوم الإنسانية والاجتماعية.

استَمرّ هذا التواطؤ النظري طويلاً وبقي محصوراً، عن سابقِ تصوُّر وتصميم، بين أسوار المؤسسات الجامعية العربية التي لم يَتجرأ أهلها على تقديم مُساءَلة إنسانية عميقة لبُنى المجتمعات المحلية تذهب أبعد من ثنائية الحضر والبدو، بحيث إنه تبيَّن مثلاً، بعد ظهور فيلم «الأرض» ليوسف شاهين، أن لغة السينما كانت أبلغ أنثروبولوجياً من خطاب الأنثروبولوجيين الجامعيين العرب، في التعرف إلى المعنى الأبعد لحياة الشعوب العربية.

في النهاية لا يصحّ نقْل العلوم إن بقي برّانياً، حيث لا فائدة منه في هذه الحال، سواء نظرياً أم عملياً. فعلى المستوى النظري، بقيَت الأنثروبولوجيا المُعرَّبة خارج رسالتها المعرفية الإنسانية المطلوبة. وكذلك كان الحال بالنسبة إلى عِلم الاجتماع المنقول إلى المشهد الثقافي العربي منذ العام 1924 دونما فائدة تُذكر، يُدير ظَهرَه لجواهر علم العمران البشري الخلدوني فقط كونه ينتمي إلى ثقافات ما قَبل عصر أوغست كونت التي تبدأ بها إلزاماً في الغرب العلوم الإنسانية الحديثة. كما أَشار إلى ذلك إدوار سعيد. ونَلحظ الأمر نفسه في العلوم التربوية المنقولة إلى عِلم الضاد في المؤسسات الجامعية العربية، حيث بَقيت تُراوح مكانها حتى اليوم. أي أن العُقم العلمي يَمتد ويتسع ليغدو بمثابة منهج فكري جامعي يَنشد السكون والتبعية.. هكذا إلى ما لا نهاية. ومن هذا الدَرْك غير المُدرَك وغير المُعتَرف به محلياً جاءَت انتفاضة التساؤل الكبير الذي يَطرحه محمد المعزوز في كتابه المذكور.

القواعد الجديدة

علومنا الإنسانية كلّها بحاجة إلى إعادة تفكيك ثم إعادة تركيب على المستوى البنيويّ كي تغدو بَعد اليوم بمستوى الأجيال الطالعة التي تستحق أكثر بكثير من وجبات الأطعمة الثقافية المُعلبة وأَفيَدْ من الأغذية الفكرية المُجلَّدة التي اعتادوا تناولها، عَقداً بَعد عقْد، على مقاعد المعاهد والجامعات القائمة والمُتكاثرة يوماً عن يوم.

ليس كل ما يَلمع هو ذهب، وليس كل ما يَحمل اسم العِلم هو عِلم بالضرورة. وبإمكاننا أن نُضيف هنا أن العلم الإنساني، بدوره، نسبي مهما بلغ أمره من الأهمية. من هنا، وفي ضوء خبرته الطويلة في النظرية كما في الحقل الميداني، خلصَ صاحب الكتاب إلى قواعد ثلاث من الضروري الانطلاق منها في البحث الأنثروبولوجي العربي القلب والقالب، هي:

الكثافة التحليلية: أي ببساطة، عدم الاكتفاء باعتبار أن للظاهرة الأنثروبولوجية العربية المدروسة بُعداً واحداً يَقف عنده التحليل، وإلّا غَرِق الباحثُ في السطحية. أو لم يكن في هذا المجال ابن خلدون أوّل من أشار إلى ترابط البداوة بالحضر.. وبالعكس. فكلاهما متفاعل في الوجدان والوعي، وتَجمع بينهما العصبية، على هذا المقلب من الحياة كما على الآخر.

لذلك فإن الكشف عن الطبقات العميقة لوعي المسألة الاجتماعية والدينية والسياسية شرط تأسيسي للاستعداد التحليلي العلمي الصحيح. فالبُعد الواحد للتفسير، على غِرار ما كان يقوم به مالينوفسكي، لا يَفي بالغرض الأنثروبولوجي المطلوب، حيث إنه لا يدخل إلى بطون الدوافع الكامنة، وغالباً المكتومة، التي تقف عادة في الفضاءات الثقافية العربية المتنوعة خلف طرائق التنفيذ. ذلك أن منبع هذه الأخيرة يقوم على طرائق التفكير والتخطيط التي لا يوليها البحث الأنثروبولوجي الغربي التقليدي الاعتبار الكافي والوافي.

من هنا تتسم الغالبية العظمى من الأبحاث والدراسات المنشورة في الدوريات الأكاديمية العربية بهذه السطحيّة التي «لا تَنفع ولا تضرّ»، على حدّ ما يقول المَثل الشعبي اللبناني، والتي توهم بالحركة والتقدم والتحليل، فيما هي لا تفضي إلى معرفة السياقات التي تحكمها كما يُشير إليه الكاتب.

المقارنة الأفقية: أي، بكلمة، القاعدة التي تَحفظ حق الوحدة من ضمن التنوع. فهذا شأن إشكالي إلى حد ما في الأنثروبولوجيا، إذ يتراءى للكثيرين في هذا الحقل المعرفي أن الوحدة والتطابق إلزاميان عندما يكون المقصود مجال ثقافي واحد، كالمجال العربي مثلاً.

وهنا يُسارع محمد المعزوز إلى إزالة هذا التشويش النظري بالإشارة إلى أن في الحقل الأنثروبولوجي العربي الواحد اليوم شكلاً ثابتاً من العلاقة بين أفراد الجماعات الأهلية كلّها يتمثَّل باللُّحمة الاجتماعية، حيث إن الكل يُساعد الكلَّ ضمن هذه الدائرة بتعابير تعاضدية موحدة وملموسة على امتداد ما نُسميه تارة العالم العربي وطوراً الوطن العربي، مع تفضيل حملة الثقافة الدينية تسمية الأمة العربية لدلالة ارتباط بعينه في سياق استخدامها.

اقرأ أيضا: بند لافت.. كم سيدفع كريستيانو رونالدو لجورجينا في حال الطلاق؟

إلا أن الجميع يتشاطر نزوعاً معرفياً واحداً على امتداد البلدان والشعوب والأديان والمذاهب، حيث تأتي الرابطة العائلية ثابتة وموحدة مهما اختلف المكان. في المقابل، يُشير الباحث إلى أن شأناً آخر، من طبيعة سوسيو – ثقافية، بدأ يشق طريقه إلى الحياة اليومية والعملية في دنيانا العربية المعاصرة، وهو حركات الاحتجاج على العطالة أو على الفساد المُستشري في بعض القطاعات العامة، والذي يؤدي بالناس إلى الخروج إلى الشارع والتظاهر العلني والصاخب في الساحات العامة.

وعلى الرغم من أن هذا الشكل من الحراك الاجتماعي لا يشمل جميع البلدان العربية، متفاعلاً مع نسيج كل واحد من المجتمعات المَعنية به على نحوٍ يتطابق مع معطيات الحضور الديمقراطي في وعيه الراهن، فهذا يعني أنه ليس ظاهرة عربية أصيلة. صحيح أن أسلوب ومكان الحراك مُستجد، لكن ذلك لا يجعله دخيلاً على المستوى المعرفي؛ بل إنه يشير إلى أن سرعة التلاقح ببعض الأفكار والمُمارسات الوافدة من الغرب غدا جزءاً من الوعي العربي المحلي في حالات عدة تبدأ من بلدان المغرب العربي وتنتهي في لبنان بعد مرورها بمصر، الأمر الذي يَعني أن التباين الأفقي هذا يَندرج تحت عنوان التنوع الذي لطالما لازم ثقافة الشعوب كما أشار إليه الأنثروبولوجي الفرنسي كلود ليفي – شتروس في كتابه «التنوع الثقافي» الذي صَدر غداة انتهاء الحرب العالمية الثانية.

فالمَسار الأفقي للمجتمعات العربية راهناً يتكامل نظريّاً وعَمليّاً مع المسار التقليدي العتيد، من دون أن يقف عائقاً أمام قاعدة البحث الأنثروبولوجي التأسيسية، الإنسانية بامتياز. وهذا يُذكرنا بالعنوان الذي وضعه في سبعينيات القرن الماضي الشاعر أدونيس لأطروحته، مؤسساً الأمر كله على كلمتي «الثّابت» و«المُتحول».

التركيب المفهومي المشروط: هو تركيب تحليلي مشروط بالتحرر من أحكام نظرية مسبقة، كتلك الناتجة عن الإرث الأنثروبولوجي الكولونيالي القائم على ترسيخ الفروقات بين الإنسان العربي عموماً والإنسان الغربي، وذلك من خلال اعتبار ثبات العديد من المعارف الموروثة معطىً أزليّاً. فالبنى البدوية مترسخة في عمق الثقافات العربية، لكنْ بتفاوُت، ومن دون أن تعني التحجُّر أو التكلُّس الذهني كما كان قد أصر عليه في العام 1910 الأنثروبولوجي لوسيان ليفي – بروهل في كتابه «الوظائف الذهنية في المجتمعات السفلى»، قافلاً الباب على تطورها من دون استئناف.

وقد أخذ هذا التغليف الأيديولوجي المقصود، على الضفة الأخرى من مُدرِّسي الأنثروبولوجيا عندنا، شكل الإقرار بالتنميط. وكأني بالمرحلة التاريخية قَدَراً لا مجال للمجتمع أن ينعتق منه، وهذا أمر لا يقبله العقل. فالتقدُّم الأوروبي نفسه خرج من الأطواق المعرفية المُحكمة التي كبّلته طوال ألفيّة كاملة من الزمن يُعرّفها المؤرّخون اليوم بالقرون الوسطى، والباحثون البريطانيّون بالقرون العَتِمَة (The dark ages).

الشكل الآخر الذي ينبغي عدم الوقوع فيه إبّان العمل الأنثروبولوجي في الفضاء العربي المُعاصِر هو التسليم بحقائق جوهرانية والبناء عليها. فالحقائق في السلوك الاجتماعي هي دوماً نسبية، ترتبط بظرف تاريخي واقتصادي وسياسي مُحدَّد، قد يطول أو قد يقصر، غير أنه غير مكتوب بالمعنى الجوهراني للكلمة. يُشدِّد محمد المعزوز في هذا المجال على أنْ لا جوهر ثابتاً، حيث إن حق التحول، في لحظة ما، محفوظ لكل ظاهرة إنسانية دُرِسَت في الماضي أو تُدْرَس اليوم.

من هنا لا مكان لحُكمٍ أنثروبولوجي على ذاتٍ عربيّة ما، ذلك أنَّ هذه الأخيرة غير موجودة كجوهرٍ مُطلَق، بل هي موجودة كتجربة اجتماعية – ثقافية موضوعية كانت تقدّمية الروح في مراحل معينة وتراجعيّة المنحى في مراحل أخرى، من غير الاستقرار أبداً، لا في هذا القالب ولا في ذاك.

فالتحليل الأنثروبولوجي الحقيقي، عند المهتميّن بأهل لغة الضّاد، كما عند سواهم من الباحثين في العالَم، هو حُكماً ومنطقاً تحليلٌ مفتوح. فقد تبيَّن راهناً أنَّ التنشئة الاجتماعية على المستوى العربي مَبنية على خلفية تنشئة مترسخة في العصبية، لكن حتى لو دامَ الأمر زَمناً طويلاً نسبياً، مَنْ قال إنه غير قابل للتحوّل!

فالأبحاث الأنثروبولوجية، مثلها مثل الأبحاث السوسيولوجية، تَنكبّ على دراسة لحظاتٍ تاريخية لا تَختصر التاريخ بكلّيته. ولذلك هي طوعاً مفتوحة على أبحاثٍ ودراسات لاحقة قد تَرسم مَشهداً اجتماعياً وثقافياً مختلفاً.

لذلك كله لن تقوم مسيرةُ أيّ باحث أنثروبولوجي أو سوسيولوجي حقيقي، لا على القَبْليّات ولا على الجوهرانيّات أو على التنميط الفكري، بل على عقل مفتوح ونيّر. وكتاب محمد المعزوز يُشكّل خير دعوة مفتوحة لكل الحرصاء على مستقبل الأنثروبولوجيا في دنيا العرب دونما أدنى شك.

*عالم اجتماع من لبنان

* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.

اقرأ أيضا: بين مزح ترمب ونواياه

‫0 تعليق