
تعزيز الحوكمة والمساءلة وتحديد الأدوار للحد من تداخل الصلاحيات
اقرأ أيضا: البقعة يبدأ معسكرا تدريبيا في العقبة ويقترب من حسم 3 صفقات…
اقرأ أيضا: خسارة ثانية لمنتخب السلة في بطولة “ويليام جونز”…
عمان – يفتح مجلس النواب اليوم آخر مشاريع القوانين الواردة على أجندة دورته الاستثنائية، ممثلا بقانون الإدارة المحلية، ويرجح أن يتجاوز النقاش مواد مشروع القانون إلى سؤال سياسي أوسع يتعلق بمستقبل اللامركزية في المملكة، وشكل البلديات المستقبلية.
ووصل مشروع قانون الإدارة المحلية إلى قبة المجلس بعد أن أنهت اللجنة الإدارية النيابية دراسته، وأجرت عليه تعديلات وإضافات وحذفا وإعادة صياغة لعدد من مواده.
وتكتسب المناقشة أهمية خاصة في ضوء الأسئلة التي رافقت تجربة الإدارة المحلية خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها تداخل الصلاحيات بين مجالس المحافظات والبلديات والمجالس التنفيذية والحكام الإداريين، ومدى قدرة المجالس المنتخبة على التأثير في القرار التنموي، فضلا عن العلاقة بين الصلاحيات الممنوحة والموارد المالية المتاحة لتنفيذها.
وفي المؤتمر الصحفي الذي عقدته اللجنة الخميس الماضي، قدم رئيس اللجنة، النائب خليفة الديات، شرحا لعدد من التعديلات، مؤكدا أن اللجنة سعت إلى رفع كفاءة الإدارة المحلية وتنظيم الأدوار بين المجالس المنتخبة والجهاز التنفيذي، فيما تكشف مواد جدول الأعمال عن محاولة لإعادة ضبط عدد من المفاصل الرئيسة في القانون.
الديات: إدارة محلية أكثر كفاءة
ووضع الديات خلال المؤتمر الصحفي التعديلات في إطار السعي إلى تطوير الإدارة المحلية، وشرح عددا من المواد التي تتصل بصورة مباشرة بكفاءة العمل البلدي، وفي مقدمتها دور المدير التنفيذي وشروط الترشح لرؤساء البلديات.
وتظهر مواد المشروع وقرار اللجنة اهتماما واضحا بإعادة تنظيم البنية الإدارية للبلديات، إذ يتضمن جدول الأعمال تعريفا للمدير بصفته مدير البلدية المعين وفقا لأحكام القانون، إلى جانب إضافة فقرة تتعلق بحفظ الحقوق الوظيفية للمديرين التنفيذيين المعينين في البلديات قبل نفاذ نظام موظفي البلديات.
وتبرز هنا مسألة الفصل بين الدور السياسي للمجلس المنتخب والدور التنفيذي للجهاز الإداري، وهي مسألة تحتاج إلى وضوح تشريعي حتى لا تتحول تعددية مراكز القرار إلى تداخل في المسؤوليات.
فالمدير التنفيذي يفترض أن يكون أداة لتنفيذ قرارات المجلس ورفع كفاءة الجهاز البلدي، لكن بقاء حدود الصلاحيات واضحة يظل ضروريا، حتى لا يصبح هناك مركز قرار موازٍ للمجلس المنتخب، أو، على العكس، أن يبقى الموقع التنفيذي مقيدا بما يمنعه من القيام بدوره.
ومن أبرز ما شرحه الديات التوجه المتعلق بالمؤهل العلمي لرؤساء البلديات، لا سيما اشتراط درجة البكالوريوس للفئات التي حددتها اللجنة، وهي بلديات الدرجة الأولى.
ويستند هذا التوجه، في جوهره، إلى تغير طبيعة العمل البلدي؛ فرئيس البلدية اليوم يتعامل مع ملفات تتصل بالموازنات والمشاريع والاستثمار والتخطيط والتنمية والشراكات، وهي ملفات تتطلب مستوى من المعرفة والقدرة على الإدارة.
لكن في المقابل، يفتح الشرط نقاشا حول طبيعة الوظيفة الانتخابية نفسها؛ فرفع شروط الكفاءة قد يعزز أداء المجالس، لكنه قد يضيّق في الوقت ذاته قاعدة المرشحين، ويضع قيدا أكاديميا أمام المشاركة السياسية المحلية.
ولا يقف الأمر عند شرط البكالوريوس، إذ تظهر تعديلات اللجنة في شروط العضوية والانتخاب، بينها اشتراط إجادة القراءة والكتابة كحد أدنى للراغب في الترشح لعضوية المجلس، إلى جانب إعادة صياغة شروط الترشح لرئاسة المجالس بحسب فئات البلديات.
وبذلك، سيكون السؤال النيابي حول هذه المواد متوازنا بين اتجاهين: رفع كفاءة الإدارة المحلية من جهة، والحفاظ على أوسع قاعدة ممكنة للمشاركة الشعبية من جهة أخرى.
مجالس المحافظات.. من يملك القرار؟
ويظل ملف العلاقة بين مجالس المحافظات والبلديات والمجلس التنفيذي من أكثر الملفات السياسية حساسية في المشروع، فتعديلات اللجنة تعيد تعريف عدد من مؤسسات الإدارة المحلية، بينها مجلس المحافظة والمجلس التنفيذي والحاكم الإداري والمجلس البلدي والرئيس والمدير، بما يعكس محاولة لتحديد موقع كل طرف في المنظومة الجديدة.
لكن مجرد تحديد الاختصاصات في القانون لا يعني بالضرورة انتهاء الإشكال على أرض الواقع؛ إذ ستبقى المسألة مرتبطة بمدى وضوح الصلاحيات وتوزيع الموارد والمسؤولية عن المشاريع والقرارات.
وهنا يبرز التخوف من استمرار التداخل: إذا كان أكثر من طرف شريكا في القرار، فمن يتحمل المسؤولية عند التعثر؟ وإذا كانت المجالس المحلية مسؤولة عن التنمية، فهل تمتلك فعلا الموارد والأدوات اللازمة لتنفيذ خططها؟
المال قبل الصلاحيات
وهذه ربما واحدة من أهم القضايا التي سيحملها النقاش النيابي، فاللامركزية لا تكتمل بمجرد نقل الاختصاصات من المركز إلى المحافظات والبلديات، وإنما تحتاج إلى موارد مالية وأدوات تنفيذية تتناسب مع تلك الاختصاصات.
ومن هنا، تكتسب التعديلات المتعلقة بالاستثمار والشراكة مع القطاع الخاص أهمية خاصة، إذ يتضمن جدول أعمال اللجنة أحكاما تتعلق بالمشاريع الاستثمارية ودراسات الجدوى الاقتصادية والاجتماعية والبيئية ومدى انسجامها مع الخطط التنموية والحضرية.
والاتجاه نحو تمكين البلديات من استثمار مواردها يمكن أن يوفر مساحة أوسع للتنمية، لكنه يفرض في المقابل أسئلة حول آليات الرقابة والشفافية وحماية المال والأصول البلدية، وضمان أن تكون الشراكة مع القطاع الخاص وسيلة للتنمية لا بديلا عن الرقابة العامة.
ومن التعديلات التي تعطي المشروع بعدا مختلفا ربط الخطة التنفيذية بالخطة الاستراتيجية التنموية والخطة الحضرية والعمرانية، بما يعزز فكرة أن البلدية ليست مؤسسة خدمات فقط، وإنما طرف في التخطيط التنموي للمحافظة والمنطقة.
كما تتضمن تعديلات اللجنة إضافة مفهوم المرصد البلدي الحضري التنموي، بما يعكس توجها نحو استخدام البيانات في التخطيط واتخاذ القرار.
لكن التحدي يبقى في الانتقال من النص إلى التطبيق؛ فالخطط والمراصد لا تحقق اللامركزية إذا لم ترتبط بقرار فعلي وموارد وأدوات تنفيذ وقياس واضح للنتائج.
3 مخالفات.. والنقاش تحت القبة
وكان الديات أشار في المؤتمر الصحفي إلى وجود ثلاث مخالفات من أعضاء اللجنة لمشروع القانون، وهي نقطة مرشحة لحضور قوي في المناقشات النيابية.
وفي هذا السياق، ينبغي أن تبقى القراءة مرتبطة بما ستقوله القبة، لأن قرار اللجنة ليس نهاية المسار التشريعي، كما أن الحديث عن المخالفات لا يعني بالضرورة حسم موقف المجلس منها.
ويطرح المشروع، من خلال تعديلات شروط الترشح والعضوية، معادلة أخرى بين رفع مستوى الكفاءة والحفاظ على المشاركة السياسية المحلية.
فاشتراط مستويات معينة من التعليم والخبرة قد يهدف إلى تحسين أداء المجالس، لكنه في الوقت ذاته يحتاج إلى موازنة حتى لا تصبح الإدارة المحلية مجالا محدودا لفئة معينة من المرشحين.
والأمر ذاته ينطبق على قواعد فقدان العضوية والغياب والمساءلة؛ فوجود معايير واضحة ضروري لحماية أداء المجالس، لكن يجب أن تكون هذه المعايير محددة بما يكفي حتى لا تتحول إلى أداة لإضعاف استقلالية المجالس المنتخبة.
اختبار اللامركزية
في المحصلة، فإن مشروع قانون الإدارة المحلية يدخل مجلس النواب اليوم محملا بأسئلة أكبر من مواده.
فالاختبار الحقيقي لا يتعلق فقط بما إذا كان القانون سيحسن إدارة البلديات، وإنما بما إذا كان سيقدم نموذجا أكثر وضوحا للامركزية، يحدد من يقرر، ومن ينفذ، ومن يمول، ومن يحاسب.
وتبدو تعديلات اللجنة محاولة للموازنة بين منح الإدارة المحلية أدوات أكثر فاعلية وبين وضع ضوابط على الأداء والانتخاب والاستثمار والإدارة، لكن نجاح هذه المعادلة سيبقى مرتبطا بمدى وضوح الصلاحيات، وكفاية الموارد، وقدرة المؤسسات المحلية على ممارسة ما يمنحها القانون من اختصاصات.
لذلك، فإن النقاش تحت القبة سيكون سياسيا بقدر ما هو تشريعي؛ فالمطلوب ليس فقط قانونا أفضل للبلديات ومجالس المحافظات، وإنما إجابة واضحة عن معنى اللامركزية في الأردن: هل هي نقل حقيقي للقرار والموارد إلى المستوى المحلي، أم إعادة ترتيب للمؤسسات مع بقاء القرار المركزي حاضرا في المفاصل الأساسية؟
وهذه الإجابة، في النهاية، لن تحددها عناوين القانون وحدها، وإنما ما سيستقر عليه النواب مادة مادة، وما إذا كانت الصيغة النهائية قادرة على تحويل الإدارة المحلية من توزيع للصلاحيات على الورق إلى ممارسة فعلية يشعر المواطن بأثرها.
