عماد داود
لأن العالم لم يعد كما كان.
ولأن الأردن، في منطقة تتغير خرائطها أسرع من قدرة الخرائط على اللحاق بها، لا يملك رفاهية أن ينظر إلى العالم من نافذة واحدة.
الملك عبدالله الثاني في بكين.
والسؤال الذي يستحق أن يسبق كل الاتفاقيات واللقاءات والصور: لماذا الآن؟!
فالزيارة لا تأتي إلى علاقة تبدأ اليوم.
العلاقة الأردنية الصينية عمرها يقارب نصف قرن.
بدأت دبلوماسيا عام 1977، وتراكمت فوقها سنوات من التجارة والاستثمار والتعليم والطاقة والصناعة، ثم جاءت المحطة المفصلية في 2015، عندما ارتقت العلاقة إلى شراكة استراتيجية.
إذن الباب مفتوح منذ زمن.
والسؤال الحقيقي ليس: لماذا فتح الأردن باب الصين؟
السؤال: لماذا يذهب الملك الآن إلى هذا الباب بنفسه؟
هنا تبدأ القصة.
الصين لم تعد تلك الدولة التي كان ينظر إليها العالم بوصفها مصنعه الكبير فقط.
والعالم نفسه لم يعد المكان الذي كان فيه مركز واحد يحدد اتجاه البوصلة للجميع.
قوة اقتصادية صاعدة، وعضوية دائمة في مجلس الأمن، وعلاقات ممتدة مع دول الخليج وإيران والعالم العربي، وقدرة على الاحتفاظ بخطوط اتصال مع أطراف لا تجلس بسهولة حول الطاولة نفسها.
وفي الجهة الأخرى الأردن.
دولة صغيرة في المساحة، كبيرة في الموقع.
دولة تعلمت، على مدى عقود، أن الجغرافيا قد تكون عبئا حين تشتعل المنطقة، وأنها يمكن أن تصبح قوة حين تعرف الدولة كيف تديرها.
وهنا تحديدا يصبح توقيت الزيارة مهما.
الأردن لا يبحث عن محور جديد.
إنه يبحث عن هامش حركة أكبر.
وهذا فرق هائل.
الأرقام وحدها تقول إن العلاقة الصينية الأردنية تجاوزت منذ زمن مرحلة المجاملات الدبلوماسية.
وبحسب المعطيات الرسمية الصينية، بلغ حجم التجارة الثنائية في 2024 نحو 5.37 مليار دولار، بينما تشير المعطيات التي سبقت الزيارة إلى ارتفاع أكبر في 2025، مع تجاوز التجارة 6.7 مليار دولار واستثمارات صينية تتجاوز 3 مليارات دولار.
وزارة الخارجية الصينية
لكن الرقم، مهما كبر، لا ينبغي أن يكون نهاية السؤال.
بل بدايته.
كم نشتري من الصين؟
سؤال اقتصادي.
وكم نستطيع أن نبيع للصين؟
سؤال استراتيجي.
والأهم:
ماذا يبقى في الأردن بعد دخول الاستثمار الصيني؟
هنا يصبح الحديث عن الشراكة حديثا عن السيادة الاقتصادية نفسها.
فالأردن لا يحتاج إلى أن يكون سوقا أكبر للمنتج الصيني فقط.
يحتاج إلى أن يكون منصة أكبر للمنتج الأردني.
فوسفات وبوتاس وأدوية وغذاء وملابس وخدمات وتكنولوجيا، وكل ما يستطيع الاقتصاد الأردني أن يرفعه من مستوى المادة الخام إلى مستوى القيمة المضافة.
النجاح الحقيقي في العلاقة لا يظهر فقط في الحاويات التي تصل إلى العقبة.
يظهر أيضا في الحاويات التي تغادرها.
وهذه النقطة بالذات تجعل الزيارة مختلفة.
الصين تستطيع أن تقدم رأس المال.
وتستطيع أن تقدم التكنولوجيا.
وتستطيع أن تدخل في مشاريع طويلة الأجل.
لكن الأردن يجب أن يدخل الطاولة ومعه سؤال أردني واضح:
كيف يتحول الاستثمار إلى قدرة أردنية؟
كيف تتحول المنشأة إلى معرفة؟
كيف تتحول الشراكة إلى صناعة؟
كيف يتحول المستثمر الأجنبي إلى فرصة لتدريب الأردني ونقل الخبرة وفتح سوق أمام المنتج الأردني؟
هنا يصبح الاستثمار جزءا من بناء الدولة، لا مجرد رقم في دفتر الاستثمار.
ثم تأتي السياسة.
وهنا لا يمكن فصل الاقتصاد عن المنطقة.
فالشرق الأوسط الذي كانت فيه التجارة تسير على خطوطها الخاصة أصبح اليوم يعرف أن الطاقة أمن، وأن الممرات البحرية سياسة، وأن سلاسل الإمداد قد تتوقف بسبب صاروخ، وأن الحرب في مكان بعيد يمكن أن تصل فاتورتها إلى ميناء أو مصنع أو بيت أردني.
الصين تعرف ذلك.
والأردن يعرفه أكثر.
بكين تتحدث مع طهران.
وتتحدث مع دول الخليج.
وتملك مقعدا دائما في مجلس الأمن.
ولها مصالح مباشرة في استقرار التجارة والطاقة والممرات الدولية.
وهذا يمنحها موقعا مختلفا.
ولا يعني ذلك أن الصين تملك مفتاح المنطقة كله.
لا تملك.
ولا يعني أنها تستطيع أن تقرر نيابة عن إيران أو أي طرف آخر.
لا تستطيع.
القوة الصينية هنا تكمن في شيء أكثر واقعية:
أنها تستطيع أن تتحدث حيث ينقطع الكلام.
وهذا في زمن الأزمات قيمة سياسية بحد ذاتها.
أما الأردن، فله قيمة أخرى.
لا يملك حجم الصين.
ولا يملك نفوذ القوى الكبرى.
لكنه يملك شيئا راكمه على مدى عقود:
القدرة على البقاء في الحوار مع الجميع.
وهذه ليست مجاملة دبلوماسية.
إنها أداة من أدوات الأمن الوطني.
فالأردن لا يستطيع أن يعيش في منطقة مغلقة الأبواب.
ولا يستطيع أن يختار طرفا واحدا للعالم ثم يطلب من بقية العالم أن ينتظر.
السياسة الخارجية الأردنية، في جوهرها، قامت على شيء أكثر صعوبة:
أن تبقى المملكة حليفة، من دون أن تصبح نسخة من حليفها.
وأن تكون قريبة، من دون أن تفقد قرارها.
وأن تنفتح، من دون أن تذوب.
وهنا تظهر كلمة كثيرا ما نستخدمها بسهولة:
التوازن.
التوازن ليس الوقوف في منتصف الطريق.
وليس إرضاء الجميع.
وليس تأجيل القرار خوفا من غضب أحد.
التوازن أن تعرف الدولة ماذا تريد، ثم توسع قدرتها على الوصول إليه.
ولهذا فإن زيارة الملك إلى بكين لا ينبغي أن تقرأ باعتبارها رسالة إلى واشنطن.
ولا باعتبارها محاولة لاستبدال بروكسل ببكين.
ولا باعتبارها انتقالا من غرب إلى شرق.
هذه قراءات صغيرة لحدث أكبر.
الرسالة الأعمق هي:
الأردن يوسع خياراته من دون أن يبدل ثوابته.
وهذه هي السيادة حين تتحول من كلمة في الخطابات إلى ممارسة.
السيادة ليست أن يكون للدولة باب واحد تحرسه حتى النهاية.
السيادة أن تستطيع الدولة فتح أكثر من باب، وهي تعرف أين تقف، ولماذا تدخل، وماذا تريد حين تدخل.
وهنا يصبح وجود الصين في المعادلة الأردنية أكثر من ملف تجاري.
يمكن لبكين أن تكون شريكا في الطاقة.
وفي التعدين.
وفي الصناعة.
وفي النقل.
وفي الاقتصاد الرقمي.
وفي التعليم.
وفي السياحة.
وفي التكنولوجيا.
لكن الأهم أن تتحول العلاقة إلى قيمة أردنية مضافة.
وهذا هو الاختبار.
فكلما زادت المصانع الصينية في الأردن، يجب أن يزيد معها عدد الأردنيين الذين يعرفون كيف يعمل المصنع.
وكلما دخل رأس المال، يجب أن تدخل معه المعرفة.
وكلما ارتفع حجم التجارة، يجب أن يرتفع معها حضور المنتج الأردني في السوق الصينية.
وكلما كبرت الشراكة، يجب أن تكبر قدرة الأردن على التفاوض.
هذه هي المعادلة التي تستحق أن تحملها الزيارة.
ثم هناك فلسطين.
القضية التي لا تستطيع السياسة الأردنية أن تتركها خارج أي حوار دولي جاد.
وجود الصين في هذه المعادلة يفتح قناة إضافية أمام الرؤية الأردنية بشأن وقف التصعيد، وحماية المدنيين، وإدخال المساعدات، ورفض التهجير، وحماية الوضع التاريخي والقانوني في القدس، والتمسك بحل الدولتين.
والأردن هنا لا يحتاج إلى وسيط يتحدث باسمه.
يحتاج إلى شريك يستطيع أن يسمع صوته في مكان آخر.
الصين عضو دائم في مجلس الأمن.
ولها علاقات مع أطراف إقليمية متباعدة.
وهذا يجعل الحوار معها مفيدا للأردن عندما يتحول من تبادل المواقف إلى محاولة صناعة مواقف قابلة للحياة.
وربما الأهم أن هذه الزيارة تأتي في لحظة عربية أوسع.
العالم العربي نفسه يعيد ترتيب علاقاته الاقتصادية والسياسية.
والدول التي كانت تقيس العالم بمحور واحد بدأت تنظر إلى خريطة أكثر تعقيدا.
شرق وغرب.
اقتصاد وأمن.
تجارة وطاقة.
استثمار وسياسة.
لم تعد هذه الملفات غرفا منفصلة.
كل غرفة تفتح باب الغرفة الأخرى.
والدولة التي لا تفهم هذه الحقيقة قد تكتشف متأخرة أن قرارها الاقتصادي أصبح جزءا من قرارها السياسي، وأن قرارها السياسي أصبح جزءا من أمنها الاقتصادي.
من هنا يمكن فهم الملك في بكين.
لا باعتباره يبحث عن مكان للأردن في خريطة الصين.
بل باعتباره يبحث عن مكان أوسع للأردن في خريطة العالم الجديد.
وهذا هو الفارق.
الأردن لا يذهب إلى بكين ليغادر مكانا.
يذهب إليها ليضيف مكانا.
لا يبدل شراكاته.
يوسعها.
لا يستعير قرارا من قوة كبرى.
يحاول أن يزيد مساحة قراره هو.
لكن الانفتاح، مثل كل قوة، يحتاج إلى إدارة.
فكثرة الأبواب لا تصنع بيتا قويا وحدها.
قد تصنع بيتا مزدحما.
والدولة التي تفتح الأبواب من دون أن تعرف ماذا تريد من كل باب قد تتحول من صاحبة بيت إلى ضيفة في بيوت الآخرين.
وهنا تحديدا يجب أن يكون الأردن أكثر وضوحا.
ماذا نريد من الصين؟
استثمارا؟
نعم.
تكنولوجيا؟
نعم.
أسواقا؟
بالتأكيد.
لكن نريد معها شيئا أكبر:
قدرة أردنية.
قدرة على الإنتاج.
قدرة على التصدير.
قدرة على المعرفة.
قدرة على التفاوض.
وقدرة على تحويل الموقع الجغرافي من مجرد موقع على الخريطة إلى قيمة اقتصادية وسياسية.
الملك الذي يذهب إلى بكين اليوم هو نفسه الملك الذي حافظ طوال ربع قرن على شبكة واسعة من العلاقات.
والفكرة هنا ليست عدد الزيارات.
بل فلسفة الحكم التي تقف خلفها.
العالم تغير كثيرا منذ الزيارة التي أعلنت الشراكة الاستراتيجية عام 2015. وقد كانت تلك الزيارة نفسها محطة رفعت العلاقة إلى مستوى جديد.
اليوم، بعد عقد كامل تقريبا، السؤال مختلف.
ماذا نفعل بالشراكة بعد أن أصبحت استراتيجية؟
وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي.
فالاستراتيجية التي لا تتحول إلى إنتاج تصبح عنوانا جميلا.
والشراكة التي لا تزيد قدرة الدولة تصبح صورة.
والتجارة التي لا ترفع الصادرات تبقى طريقا باتجاه واحد.
أما الشراكة التي تضيف إلى الاقتصاد الأردني معرفة وسوقا وتكنولوجيا ونفوذا ومساحة حركة، فهي التي تستحق اسمها.
لذلك أعود إلى السؤال الأول:
لماذا الآن؟!
لأن العالم يتغير.
ولأن المنطقة تتغير.
ولأن الاقتصاد لم يعد بعيدا عن السياسة.
ولأن الأمن لم يعد منفصلا عن التجارة.
ولأن الممرات البحرية أصبحت جزءا من القرار السياسي.
ولأن الدولة المتوسطة التي تملك موقعا حساسا تحتاج إلى أكبر قدر ممكن من الخيارات، وأكبر قدر ممكن من العلاقات، وأوضح قدر ممكن من الثوابت.
والأردن يعرف هذا منذ زمن.
ولهذا لم يغير عنوانه كلما تغيرت الخريطة.
لكنه أيضا لم يتعامل مع الخريطة القديمة كأنها قدر أبدي.
العنوان ثابت.
والأبواب تتسع.
وهنا ربما تكمن إحدى أهم قواعد السيادة في القرن الحادي والعشرين:
أن تعرف الدولة كيف تدخل إلى عالم الآخرين، من دون أن تسمح للعالم بأن يدخل إلى قرارها.
فالملك في بكين لا يحمل رسالة بأن الأردن غادر أحدا.
يحمل رسالة أبسط وأقوى:
الأردن موجود.
ومصالحه موجودة.
وقراره موجود.
وكل باب يفتحه يجب أن يؤدي في النهاية إلى البيت نفسه:
الأردن.
[email protected]
اقرأ أيضا: تباطؤ الاقتصاد الصيني بأسرع وتيرة منذ 2022 وسط انكماش شامل بالاستثمار
