منذ بداية عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي، تصدرت قضايا حقوق الطبع والنشر بين شركات التقنية والمؤسسات الصحفية العناوين الرئيسية، لكن بعيدًا عن هذه المعارك المؤسسية، كانت تتشكل أزمة صامتة على مستوى الأفراد، حيث تحولت روبوتات الدردشة، وتحديدًا ChatGPT التابع لـ OpenAI وGemini التابع لـ Google، إلى مستودع أسرار بشرية، إذ شارك الملايين تفاصيل حياتهم الزوجية ومشاكلهم المالية وأعراضهم الطبية معتقدين أنهم يتحدثون إلى آلة صماء خاصة بهم وتحتفظ بأسرارهم.
اقرأ أيضا: تنفيذ حملة لتعزيز السلامة المرورية في الرصيفة
بحلول 2025 و2026 تبدد هذا الوهم، بعدما تبين أن أزرار الخصوصية مثل “عدم استخدام البيانات للتدريب” أو “إغلاق المشاركة” كانت واجهات شكلية تخفي تسريبًا للبيانات واستهدافًا إعلانيًا واحتفاظًا بالمحادثات لسنوات، أدى ذلك إلى موجة دعاوى قضائية فردية غير مسبوقة ضد OpenAI وGoogle، بتهم التنصت الإلكتروني وانتهاك الخصوصية وتضليل المستهلكين.
سياسيات الخصوصية في OpenAI
تنص سياسات الخصوصية في OpenAI بوضوح على أن محتوى الحسابات الشخصية قد يُستخدم في تدريب النماذج، مع ترك الباب مواربًا للمستخدم لإيقاف هذه الخاصية في المحادثات الجديدة، وفي فبراير 2026، أصدرت OpenAI تحديثاً شاملاً لسياسة الخصوصية اعتبره محللون إعلانًا عن تحولها من خدمة تقنية إلى منصة تعتمد على بيانات الأفراد شبيهة بالشبكات الاجتماعية، وأطلقت ميزة “البحث عن أصدقاء، التي تطلب مزامنة جهات اتصال المستخدم، فتجمع بيانات أشخاص لا يستخدمون المنصة أصلاً لبناء “رسم بياني اجتماعي موسع، كما أدخلت “الإعلانات المستهدفة” لمستخدمي الباقات المجانية عبر “تحليل سياقي فوري للمحادثة” (In-session Contextual Analysis)، بحيث تُقرأ محتويات المحادثة في الوقت الفعلي لتحديد الإعلان المناسب، وهو ما يتقاطع مباشرة مع اتهامات قضية كوتور بتسريب البيانات لشبكات إعلانية خارجية.
سياسة الخصوصية في Gemini
تخضع سياسة خصوصية Gemini للسياسة العامة لشركة جوجل وتعتمد على جمع البيانات لتطوير الذكاء الاصطناعي مع توفير أدوات تحكم للمستخدم حيث تشمل البيانات المجمعة كل ما تكتبه من محادثات وملفات وأكواد بالإضافة إلى بيانات موقعك وجهازك ومعلومات خدمات جوجل الأخرى المرتبطة، وتستخدم هذه البيانات لتدريب النماذج، والأخطر هو بند “المراجعة البشرية”، حيث تقتطع Google عينة عشوائية من المحادثات وتحوّلها لموظفين بشريين لتحليلها، وإذا سُحبت محادثة لهذا الغرض تُفصل عن حساب المستخدم وتُحفظ حتى 3 سنوات كاملة، بحيث لا يؤثر حذف الحساب على هذه النسخ المنفصلة.
علما بأن المحادثات تحتفظ بها الشركة إجباريا لمدة 72ساعة لدواعي السلامة حتى في حال تعطيل ميزة حفظ السجل، وفي المقابل تتاح لك أدوات للتحكم تشمل إمكانية إيقاف نشاط تطبيقات جيميناي لمنع استخدام محادثاتك المستقبلية في تطوير النماذج وضبط الحذف التلقائي للسجل آليا وفصل التطبيقات لقطع وصول جيميناي لبريدك الإلكتروني وملفاتك.
شاهد فيديو جراف وهم الخصوصية
قضية كوتور ضد OpenAI
في 13 مايو 2026، شهدت المحكمة الفيدرالية للمنطقة الجنوبية من كاليفورنيا دعوى جماعية عرفت باسم (Couture v. OpenAI Global, LLC. )، حيث رفعت المدعية أمارجو كوتور، من سان دييغو، دعوة قضائية ضد شركة OpenAI ولم تطالب بتعويض عن سرقة فكرية، بل دافعت عن خصوصية محادثاتها الشخصية.
استخدمت كوتور، ChatGPT خلال 2025 و2026، للاستفسار عن مسائل صحية ومالية حساسة، بينما كانت تتصفح الإنترنت وهي مسجلة الدخول في حسابات فيسبوك وجوجل على المتصفح نفسه، بحسب وثائق الدعوى، ضمّنت OpenAI شيفرات تتبع تابعة لأطراف ثالثة داخل موقعها، وتحديداً أداة Facebook Pixel وأكواد Google Analytics، تعمل بصمت لتسريب محتوى الدردشات، فعندما يكتب المستخدم استفسارًا حساسًا، ينشئ المتصفح تلقائياً “عنوان تبويب” يعكس موضوع المحادثة، فتلتقطه أداة Facebook Pixel وترسله عبر طلبات HTTP فورية إلى خوادم Meta، مع سحب ملفات تعريف ارتباط دائمة من متصفح المستخدم هي c_user وfr وfbp، والتي تربط موضوع المحادثة بحساب المستخدم على فيسبوك وإنستجرام، فتُغذّى هذه البيانات في أنظمة استهداف إعلاني هي Custom Audiences وLookalike Audiences، فيتحول سؤال طبي أو مالي إلى إعلان يظهر لاحقاً دون أن يدرك المستخدم مصدره.
جانب من وثائق الدعوى
بنى محامو الادعاء من مكتب Bursor & Fisher حجتهم على أن التفاعل مع الذكاء الاصطناعي يخلق توقعاً معقولاً بالخصوصية المطلقة، واتهموا OpenAI بخرق قانون التنصت الفيدرالي (Wiretap Act) وقانون خصوصية كاليفورنيا (CIPA)، إضافة إلى جنحة “التطفل على العزلة” (Intrusion upon seclusion). في 17 يوليو 2026، تقدمت OpenAI بطلب إلى القاضية الفيدرالية مارلين هوف (Marilyn Huff) لرفض الدعوى، مستندة إلى أن المستخدمة وافقت ضمنيًا بمجرد استخدام المنصة، وأن سياسة الخصوصية تنص على جواز مشاركة البيانات مع “موردين” و”مقدمي خدمات” خارجيين، وقد حددت جلسة استماع في 5 أكتوبر 2026 للبت في طلب الرفض.
قضية ثيلي ضد Google
حتى خريف 2025 كانت ميزات Gemini اختيارية لكن في 10 أكتوبر 2025، فعّلت Google هذه الميزات افتراضيًا لجميع المستخدمين في الولايات المتحدة دون إشعار واضح أو موافقة مستنيرة، فأصبح للذكاء الاصطناعي وصول غير مقيد إلى تاريخ المراسلات الكامل لملايين المستخدمين، بما في ذلك رسائل سرية ومرفقات طبية وبيانات مالية وسجلات دردشة عائلية.
وفي نوفمبر 2025، رفع توماس ثيلي، وانضم إليه لاحقاً ميلو بورتر ،دعوى جماعية أمام المحكمة الجزئية الأمريكية للمنطقة الشمالية من كاليفورنيا، بشأن دمج Gemini في Gmail وChat وMeet، وقد رَكّزت الدعوى على ما وصفه المدعون بأنه عرض مضلل لخيار الموافقة؛ إذ زعموا أن Google فعّلت «الميزات الذكية» افتراضيًا من دون علم المستخدمين أو موافقتهم، بينما ظل الإعداد يحمل عبارة «عندما تشغّل هذا الإعداد فإنك توافق…»، بما يوحي بأن الميزة لا تزال معطّلة ولن تعمل إلا بعد موافقة المستخدم، مع أنها كانت مفعّلة بالفعل — وفقًا لادعاءات الشكوى — وكان على المستخدم العثور على الإعداد وتعطيلها يدويًا.
جانب من وثائق قضية ثيلي ضد جوجل
واعتبر المدعون أن ذلك يتيح لـGoogle إجراء ما وصفوه بـ«تحليل غير محدود» لحياتهم الخاصة، من خلال ربط محتوى الاتصالات بقواعد بياناتها عن سلوك المستخدمين، بما يشكل – وفقًا للشكوى – انتهاكًا لقانون كاليفورنيا للخصوصية وقانون الاتصالات المخزنة الفيدرالي، وقال المدعون إن الفئة المقترحة قد تضم ملايين المستخدمين في الولايات المتحدة، فيما أوردت الشكوى تقديرًا غير رسمي يفيد بأن عدد مستخدمي Gmail في البلاد يتجاوز 130 مليونًا، من دون الزعم بأنهم جميعًا متضررون أو مشمولون بالدعوى
رفضت القاضية الفيدرالية نويل وايز الدعوى مبدئياً، ليس لبراءة Google، بل لأن المدعين لم يثبتوا “ضررًا ملموسًا” ملموساً عبر تحديد رسائل بعينها وصل إليها Gemini فعلياً، ولأن الشكوى لم توضح تاريخ إنشاء حساباتهم بالنسبة لتاريخ 10 أكتوبر 2025.
المعضلة التقنية.. هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن “ينسى” حقاً؟
حتى لو فعّل المستخدم مبكرًا خيارات “إغلاق المشاركة”، فإن بياناته السابقة تبقى مهددة، أظهرت دراسات نُشرت خلال 2025 و2026، موثقة على منصة الأبحاث ACL Anthology، حيث وثقت ظاهرة تُعرف بـ”الحفظ المدعوم” (Assisted Memorization) عندما يتدرب النموذج اللغوي على مليارات الكلمات، يرمّز المعلومات بطريقة رياضية موزعة على مليارات الأوزان (Weights)، فبمجرد دخول معلومة شخصية حساسة (رقم هاتف، حالة طبية مرتبطة باسم) إلى مرحلة التدريب، يصبح انتزاعها بدقة شبه مستحيل، لأن النماذج لا تخزّن المعلومات كملفات قابلة للحذف بل كمفاهيم متشابكة، فإن “إغلاق المشاركة” المستقبلي لا يمحو ما تعلمه النموذج في الماضي، وهو ما دفع بعض المهندسين الأمنيين إلى تقنية تسمى”حقن التشويش” (Noise Injection): إضافة بيانات مزيفة وعشوائية إلى المحادثات لتضليل النماذج قبل إرسالها.
أكاديميون من جامعة ماستريخت الهولندية ومؤسسة “سيرف” أجروا دراسة بعنوان “النسيان الآلي لمعلومات الهوية الشخصية في النماذج اللغوية الكبيرة”، طرحت سؤالاً جوهريًا “هل يمكننا إجبار العقل الاصطناعي على نسيان معلومات الهوية الشخصية دون تدمير كفاءته العامة؟ “.
دراسة النسيان الآلي
وقد جاءت النتائج محبطة بعض الشيء، حيث أظهرت أن أساليب التقييم الحالية قاصرة تمامًا وتتجاهل “المعرفة الضمنية” التي تظل مختبئة في أعماق الشبكات العصبية للنموذج، مما دفع الفريق لاقتراح آليات معقدة تعتمد على “التشويش اللفظي” وهي تقنية تعتمد على إحداث فوضى مقصودة في الكلمات ( أو الرموز Tokens) المتعلقة بالمعلومات الحساسة لفك ارتباطها في ذاكرة النموذج، كمسكن مؤقت لمحاولة محو البيانات الحساسة بأقل خسائر ممكنة في جودة أداء النموذج.
النماذج المخصصة وعقبة النسيان
بمجرد قيام المهاجم بتكرار الأسئلة بذكاء، تقفز نسبة استخراج بياناتنا الشخصية بمقدار 5 أضعاف، كما أن النماذج “المخصصة” التي يتم تعديلها لتناسب شركات أو مهام محددة أثبتت أنها الأضعف والأكثر تسريباً للبيانات مقارنة بالنماذج العادية، وهذا ما أكدته دراسة أجراها مركز أبحاث هواوي في ميونخ بألمانيا عام 2024، حملت عنوان “نطاق البيانات الشخصية: دراسة شاملة لهجمات استخراج معلومات الهوية الشخصية”.
دراسات وأبحاث تكشف الثغرات في نماذج الذكاء الاصطناعي
كشفت ورقة بحثية نشرت في في 28 من نوفمبر لعام 2023، بعنوان: “الاستخراج واسع النطاق لبيانات التدريب من نماذج اللغة الإنتاجية”، جاءت كثمرة تعاون بحثي رفيع المستوى بين باحثين من شركة “جوجل ديب مايند” (Google DeepMind)، ونخبة من المؤسسات الأكاديمية العالمية شملت جامعة واشنطن، وجامعة كورنيل، وجامعة كارنيجي ميلون، وجامعة كاليفورنيا بيركلي، إضافة إلى المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، نتائج صادمة عن تسريب البيانات، حيث أن أثبت الباحثون قدرتهم على استخراج كميات هائلة، تُقدر بالجيجابايتات، من بيانات التدريب الأصلية، ولتحقيق ذلك، ابتكر الفريق تقنية أطلقوا عليها “هجوم الانحراف”، وهي حيلة ذكية تجبر الذكاء الاصطناعي على التخلي عن واجهة المساعد الآلي اللبق، ليبدأ في سكب البيانات التي تدرب عليها بمعدل يفوق الحالات الطبيعية بـ150 ضعفاً، ورغم ذلك فلا تؤكد الدراسة أو تثبت أن محادثة مستخدم معين دخلت دورة تدريب محددة.
ورقة بحثية “الاستخراج واسع النطاق لبيانات التدريب من نماذج اللغة الإنتاجية”
وبينًّت دراسة آخري أعدها الباحث “نيلس لوكاس” وفريقه، في فبراير 2023 تحت عنوان “تحليل تسرب معلومات الهوية الشخصية في نماذج اللغة”، أن نماذج اللغة قادرة على تسريب معلومات الهوية الشخصية المخفية في بيانات تدريبها، موضحة أن محاولات حجب هذه البيانات هي مجرد حلول غير مكتملة، تضع الشركات في مأزق دائم بين الحفاظ على جودة أداء النموذج وبين حماية خصوصية المستخدم.
دراسة تحليل تسرب معلومات الهوية الشخصية في نماذج اللغة
الأسوأ من ذلك أن القراصنة لم يعودوا يعتمدون على العشوائية؛ وهذا ما أكدته دراسة “المحقق السري: استخراج معلومات الهوية الشخصية من نماذج اللغة الكبيرة باستخدام الأوامر المحسنة”، والصادرة عن المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا (KAIST) وجامعة ولاية أوريجون الأمريكية. أوضحت الدراسة أن المهاجمين صمموا “أوامر سحرية” تعمل كمفاتيح لاستخلاص تفاصيل دقيقة كرسائل البريد الإلكتروني وأرقام الهواتف، وتحديداً من النماذج التي تتغذى على بيانات المستخدمين الخاصة.
دراسة “المحقق السري”
هل جدران الحماية كافية؟
كان هناك اعتقاد آخر يفيد بأن جعل إجابات الذكاء الاصطناعي تتسم بـ “العشوائية” سيمنعه من البوح بالأسرار بشكل حرفي، لكن دراسة بعنوان “الفشل غير المنطقي لتقنية أخذ عينات النواة في التخفيف من حفظ النصوص”، الصادرة عن جامعة بوتسدام الألمانية والمركز الألماني لأبحاث الذكاء الاصطناعي في عام 2024، كشفت قدرة الذكاء الاصطناعي على ممارسة ما يُعرف بـ “الحفظ المرن”، مما يعني أنه ذكي بما يكفي ليفهم أسرارك، ويعيد صياغتها، ويسربها بكلمات مختلفة، حتى لو لم ينطق بالنص الأصلي حرفياً.
المركز الألماني لأبحاث الذكاء الاصطناعي
أفضل توصيف لهذا المشهد المقلق جاء في دراسة “استخراج بيانات التدريب من نماذج اللغة مسبقة التدريب: مسح شامل”، التي أصدرتها مؤسسة “نيكاي” اليابانية عام 2024، فبعد مراجعة وتقييم أكثر من 100 ورقة بحثية، أكدت أن تقنيات الحماية والأمن لا تزال “تحبو” في مهدها، بينما تتطور أساليب الاختراق واستخراج البيانات بسرعة الصاروخ.
اقرأ أيضا: مخاوف من موجة نزوح جماعي غدا السبت وتعزيز قوات الأمن بين إسبانيا والمغرب | عرب وعالم
إعدادات الأمان
إذا كنت تريد استخدام هذه الأزرار كخط دفاع أولي لمحاولة منع استغلال محادثاتك القادمة في تدريب وتغذية وحوش الذكاء الاصطناعي، فإليك الخطوات الرسمية لكل من منصتي ChatGPT و Gemini في الإنفوجراف التالي:

دليل إرشادي – مولد بـ Chatgpt
6 قواعد للتعامل مع الذكاء الاصطناعي
وضعت الدكتورة نيفين مكرم لبيب أستاذة الذكاء الاصطناعى ومقررة لجنة الثقافة العلمية والتحكيم الابتكاري والذكاء الاصطناعي بالمجلس الأعلى للثقافة، عدة قواعد إرشادية للتعامل مع نماذج الذكاء الاصطناعي، معتبرة إن زر الخصوصية مصمم ليمنحك شعورًا بالأمان، لا أمانًا حقيقًا، وهذه هي الحقيقة التي يجب أن يبني عليها كل مستخدم قراراته، لا العكس، ونصحت بـ6 قواعد للمستخدمين ليمارسوها كعادات عملية يومية.

الدكتورة نيفين مكرم لبيب
القاعدة الأولى، تعامل مع كل رسالة تكتبها للذكاء الاصطناعي وكأنها بطاقة بريدية مفتوحة، لا رسالة مغلقة، فحتى لو ضغطت “إيقاف المشاركة”، فإن هذا القرار يحكم المستقبل فقط، لا الماضي، فالقاعدة العملية، لا تكتب شيئاً لا تريد أن يقرأه شخص غريب يوماً ما، بغض النظر عمّا تقوله إعدادات الخصوصية.
القاعدة الثانية، افصل حساباتك قبل أن تفتح نافذة الدردشة، فالدخول إلى فيسبوك أو جوجل في المتصفح نفسه الذي تستخدم فيه ChatGPT، سيؤدى إلى التقاط أدوات التتبع عنوان محادثتك وتربطها بحسابك الشخصي خلال ثوانٍ، لذا استخدم متصفحًا منفصلاً أو نافذة تصفح خاص لأي محادثة حساسة، وسجّل الخروج من حساباتك الاجتماعية أولاً، وكن حذراً من أي ميزة تطلب مزامنة جهات اتصالك، فهي غالبًا وسيلة لبناء بيانات عنك وعن أشخاص لم يوافقوا أصلاً.
القاعدة الثالثة، افترض أن الحذف شكلي لا فعلي، بمجرد أن تدخل معلومة حساسة مرحلة تدريب النموذج، يصبح “نسيانها” شبه مستحيل تقنيًا، مهما وعدتك الشركة بالحذف، لهذا فإن الحماية الوحيدة المضمونة هي ما لم تكتبه أصلاً، لا تُدخل اسمك الكامل، رقم هاتفك، تفاصيل حسابك البنكي، أو تشخيصك الطبي الدقيق، اسأل بصيغة عامة (“ما أعراض كذا؟”) بدل أن تروي حالتك الشخصية بتفاصيلها.
القاعدة الرابعة، لا تجعل الذكاء الاصطناعي بديلاً عن مختص حقيقي، خصوصًا في القرارات الصحية، فاستخدم الإجابة كنقطة انطلاق للنقاش مع طبيبك، لا كتشخيص نهائي.
القاعدة الخامسة،راجع إعدادات الخصوصية بشكل دوري، لا مرة واحدة وتنسى، فالشركات تُعدّل سياساتها بهدوء فمثلاً تحديث OpenAI في فبراير 2026 أدخل ميزات مثل “البحث عن أصدقاء” وإعلانات مبنية على تحليل محادثتك لحظياً، دون أن ينتبه كثيرون،لذا اجعل مراجعة هذه الإعدادات عادة شهرية، تمامًا كتفقد كشف حسابك البنكي.
القاعدة السادسة، إذا كان الاستخدام حساساً فعلاً، فكّر في باقة مدفوعة أو حساب عمل بدلاً من الحساب المجاني. النسخ المجانية هي غالباً التي تُستخدم بياناتها للتدريب والإعلانات، بينما تحمل بعض الباقات المدفوعة أو حسابات الشركات ضمانات تعاقدية أوضح بشأن البيانات.

انفوجراف – مولد بـ Chatgpt
نصائح من خبير أمن المعلومات
قال المهندس عمرو صبحي، خبير أمن المعلومات والتحول الرقمي، في تصريحات خاصة لـ”اليوم السابع”، أنه في ظل التسارع الجنوني لتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، تحولت نماذج الذكاء الاصطناعي من أدوات مساعدة إلى أدوات تجسس غير مقصودة.

المهندس عمرو صبحي، خبير أمن المعلومات
“العشوائية” وظاهرة “الحفظ المرن”
وحذر المهندس صبحي، من أن الشركات الكبرى قامت بسد ثغرة تسريب البيانات من خلال برمجة النماذج لتوليد إجابات تحمل طابعاً من “العشوائية” حتى لا تنسخ النصوص حرفيًا، لكن الأبحاث كشفت، عن ظاهرة “الحفظ المرن” (Flexible Memorization)، حيث يدرك النموذج السر ويعيد صياغته بكلمات أخرى، مما يطرح سؤالاً جوهرياً ومقلقاً: هل بتنا أمام آلة تتلصص علينا وتفهم كيف تفشي أسرارنا بذكاء دون أن تترك دليلاً مباشراً؟ مع العلم أننا نضع كافة أسرارنا داخل هذا الصندوق الذكي بمحض اردتنا
كلما زادت الخصوصية.. زاد الخطر
ويقول المهندس عمرو صبحي، إننا نشهد اليوم اندفاعًا كبيرًا من المؤسسات والبنوك لتدريب نماذج ذكاء اصطناعي “مخصصة” على بياناتها الداخلية وتفاصيل عملائها، والمثير أن الاختبارات أثبتت أن هذه النماذج تحديدًا تُعد أهدافًا مكشوفة وأكثر عرضة لتسريب البيانات الشخصية بخمسة أضعاف مقارنة بالنماذج العامة، وهو ما يفسره بأن عملية “التجهيز الزائد” (Overfitting) تجعل النموذج يفقد الحماية الموجودة في البيانات الضخمة، فيتحول إلى أداة استرجاع دقيقة للأسرار، مما يحتم على الشركات حماية أسرارها في ظل هذه الهشاشة عبر تبني تقنيات مثل “التوليد المعزز بالاسترجاع” (RAG) بدلاً من التدريب المباشر على البيانات الحساسة.
جدران الحماية البدائية و”الخط الأحمر”
وأوضح صبحي، أن المراجعات الأكاديمية الشاملة لأمن الذكاء الاصطناعي تؤكد، وفقًا لتحليلات مؤسسات دولية مثل ” الاتحاد الأوروبي ووكالة الأمن السيبراني الأوروبية (ENISA) “، أن جدران الحماية لا تزال بدائية جداً ولا تواكب سرعة تطور النماذج التوليدية، لأنها مصممة للبحث عن أنماط معروفة (مثل أرقام البطاقات) ولا تفهم “السياق الدلالي” الذي قد يُسرب فيه سر تجاري بصياغة أدبية أو مشفرة.
و”الخط الأحمر” الذي ينصح به المهندس صبحي، هو أنه لكل مستخدم وموظف بألا يتجاوزه أبداً عند كتابة أي نص في هذه المنصات، فهو قاعدة حاسمة وبسيطة: افترض دائماً أن ما تكتبه في خانة الدردشة سيُقرأ من قبل الجميع غداً، لذا لا تكتب أبداً بيانات تعريفية شخصية، أو أكواد برمجية تحتوي على مفاتيح وصول، أو استراتيجيات عمل داخلية، لأن الخصوصية الحقيقية تبدأ من وعي المستخدم قبل أن تنتهي ببرمجيات الحماية.
اقرأ أيضا: روسيا تستهدف محطة قطارات أوكرانية وترفض وقف إطلاق النار بالبحر الأسود | أخبار
