
في الذكرى
الثالثة عشرة لمذبحة رابعة، لا تبدو القضية مجرد استعادة لمشهد دموي من تاريخ مصر
الحديث، ولا مجرد أرقام لضحايا سقطوا في فض اعتصام. القضية الأهم هي السؤال الذي
ظل حاضراً طوال السنوات الماضية: هل كانت كل تلك الدماء ضرورة لفض الاعتصام؟
اقرأ أيضا: 14 عرضا من 13 دولة فى المسابقة الرسمية لمهرجان المسرح التجريبى
الإجابة،
بكل وضوح: لا. فحتى مع الاختلاف السياسي
الحاد مع جماعة الإخوان المسلمين وأنصار الرئيس محمد مرسي، وحتى مع رفض الاعتصام
ومطالبة الانقلاب بإنهائه، لم يكن الوصول إلى هذه الكارثة الإنسانية قدراً محتوماً.
كانت هناك، نظرياً وعملياً، بدائل سياسية وأمنية أقل كلفة وأكثر احتراماً لحياة
المصريين.
ولهذا فإن
السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بكيفية فض الاعتصام، وإنما بلماذا اختيرت الطريقة
التي انتهت بكل هذا العدد من آلاف من الشهداء والجرحى؟
رابعة لم
تكن مجرد عملية أمنية فاشلة أو مواجهة خرجت عن السيطرة؛ بل تحولت إلى رسالة سياسية
هائلة التأثير، تجاوزت حدود الميدان نفسه. كانت الرسالة التي وصلت إلى المصريين تقول إن الدولة الجديدة لن تتردد
أمام الدم، وإن الاعتراض على السلطة قد يصبح ثمنه باهظاً، وإن الخطوط الحمراء التي
يفترض أن تحمي حياة المواطنين يمكن أن تختفي عندما يتعلق الأمر بتثبيت الحكم. وهنا تكمن خطورة رابعة الحقيقية.
المذبحة لم تُنهِ اعتصاماً فحسب؛ بل ساهمت في إعادة تشكيل المجال السياسي المصري كله. بعد رابعة، لم يعد الخوف مجرد شعور فردي لدى المعارضين، وإنما أصبح عنصراً أساسياً في الحياة العامة
فالمذبحة
لم تُنهِ اعتصاماً فحسب؛ بل ساهمت في إعادة تشكيل المجال السياسي المصري كله. بعد
رابعة، لم يعد الخوف مجرد شعور فردي لدى المعارضين، وإنما أصبح عنصراً أساسياً في
الحياة العامة. صار كثيرون يفكرون قبل أن يتحدثوا، ويحسبون تكلفة الاحتجاج قبل أن
يرفعوا صوتهم، ويتساءلون: هل يمكن أن يحدث معنا ما حدث في رابعة؟ وهكذا تحولت
الدماء إلى أداة ردع سياسية.
قد يختلف
البعض حول تقييم مرحلة حكم الرئيس محمد مرسي، وقد يختلفون حول جماعة الإخوان
المسلمين، لكن لا ينبغي أن يكون الاختلاف السياسي مبرراً لإهدار قيمة الحياة
الإنسانية. فالعدالة لا تعني أن نحب
الضحايا أو نتفق معهم سياسياً؛ العدالة تعني أن نؤمن بأن حياة المصري لا تصبح أقل
قيمة لأنه ينتمي إلى معسكر سياسي نرفضه.
ورابعة،
بعد ثلاثة عشر عاماً، تفرض سؤالاً أكبر من تفاصيل يوم الفض نفسه: ماذا حدث لمفهوم الدولة التي تحمي مواطنيها
عندما أصبح قتل المعارضين أو سحق احتجاجهم جزءاً من معادلة تثبيت السلطة؟
إن أخطر
ما في المذابح السياسية ليس عدد الضحايا فقط، وإنما الرسالة التي تتركها وراءها. وحين يشعر الحاكم أن الدم يمكن أن يكون وسيلة
لحسم السياسة، يصبح كل معارض مشروع ضحية، وكل احتجاج تهديداً يستحق القمع، وكل
مساحة عامة قابلة للتحول إلى ساحة خوف.
لهذا، لا
ينبغي النظر إلى رابعة باعتبارها حادثة انتهت بانتهاء يوم الفض. رابعة كانت علامة فارقة في تأسيس مرحلة جديدة؛
مرحلة أرادت السلطة فيها أن تقول بوضوح إن الأولوية ليست للسياسة ولا للتوافق ولا
لحماية المختلف، وإنما لبقاء الحكم وترسيخ هيبته.
تذكر رابعة ليس دفاعاً عن جماعة أو حزب، ولا محاولة لإعادة إنتاج صراع الماضي، وإنما دفاع عن مبدأ أبسط من كل الخلافات السياسية: أن دم المصري لا يجوز أن يكون ثمناً لبقاء أي حاكم
اقرأ أيضا: رئيس البرلمان العربي يدين بشدة الاستهداف الإيراني لناقلتين إماراتيتين في مضيق هرمز
وفي ذكرى
مرور ثلاثة عشر عاماً، يبقى السؤال الأكثر إيلاماً: هل كان يمكن لمصر أن تتجنب كل هذه الدماء؟ نعم، كان يمكن.
ولهذا،
فإن تذكر رابعة ليس دفاعاً عن جماعة أو حزب، ولا محاولة لإعادة إنتاج صراع الماضي،
وإنما دفاع عن مبدأ أبسط من كل الخلافات السياسية: أن دم المصري لا يجوز أن يكون ثمناً لبقاء أي حاكم، وأن السلطة التي لا
تستطيع حماية حياة خصومها السياسيين تفقد أحد أهم معاني الدولة.
ثلاثة عشر
عاماً مرت، لكن السؤال لم يمت: من أعطى الأمر؟ ولماذا كان هذا القدر من الدم مطلوباً؟
وهل كانت المذبحة ضرورة فعلاً، أم أنها كانت رسالة مقصودة إلى كل من يفكر في
معارضة الحاكم الجديد؟
التاريخ
قد يختلف في تفسير الأحداث، لكنه لا يستطيع أن يمحو الدماء. ورابعة ستبقى في ذاكرة مصر، لا باعتبارها مجرد اعتصام فُض، وإنما
باعتبارها واحدة من أكثر اللحظات التي أعادت تعريف العلاقة بين السلطة والمعارضة
والدم في مصر الحديثة.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
اقرأ أيضا: برايتون يمدد عقد الباراغوياني غوميز
