عرفته «ممنوعاً من العرض»، لكنه في آخر مكالمة هاتفية بيننا كان لا يزال متشبثاً بحلمه القديم.. يبدع ليثبت لنفسه أنه على قيد الحياة.
اقرأ أيضا: «رهانات» سقطت للأبد – الوطن
العملاق «نور الشريف»، في ندوة قبل نحو 30 عاماً، يناقش أزمة منع فيلم «ناجي العلي» من العرض، لأن به اتهامات ضمنية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
كان قوياً، مبتسماً رغم محنة المنع، مدافعاً شرساً عن القضية الفلسطينية، وفي لحظة تأمل تذكرت أنه كان الأقرب لصورة «فتى أحلامي» في الصبا.
لم أخجل وأنا أرى الصورة تتجسد في فارس حقيقي، مثقف مستنير، دون ادعاء أو تعالٍ، عاشق لفنه.. كل من عرفه وقتها كان يعرف جلسته الصباحية للقراءة في أحد فنادق وسط البلد.
ذهبت لأُجري حواري الصحفي الأول، (إنه أول من حاورته في الصحافة)، اقتحمت خلوته وهو جالس وسط كتبه، تماماً كما «ابن رشد» في فيلم «المصير».. وقرر «نور» أن يمنح صحفية في أولى خطواتها أجرأ حواراته لمجلة «الكواكب».. أن يُسقط حاجز الخجل والتردد ويفتح لي أبواب الثقافة والمعرفة، نقلني إلى خانة الانبهار بغزارة معلوماته، ومنحني قبساً من نوره.. ورحلت أحمل أجمل صفاته: تعلَّم أن تكون نفسك.. أن تكون عجوزاً على الشاشة رغم صباك (مثل «كمال» بطل رائعة نجيب محفوظ في «قصر الشوق»).. وشاباً تعاند الزمن حتى لا يكسر عنفوان عطائك مهما تقدّم بك العمر.. تماماً كما قدّم لنا «بتوقيت القاهرة» برئة لا تفيه حقه في التنفس!.
بالنسبة لجيلي يبقى النجم «نور الشريف» هو أهم وأنضج تجربة سينمائية متكاملة، وبالنسبة لمهنتي هو الأكثر ثقافة ووداً، صاحب المواقف الجادة من التغييرات السياسية والاجتماعية، وصاحب الملامح التي تتطابق مع وجوه المصريين في «السيدة زينب» وتصافحها بود وتعانقها بـ«جدعنة».
حاول نور الشريف التعبير عن آرائه السياسية ووقوفه وراء الحريات في أفلامه طويلاً، فقدَّم الكثير من الأفلام السياسية التي وقفت في وجه الاستبداد، كما عرض أيضاً معاناة الشعب، وأهم القضايا الإنسانية، مثل قضية نضال الكثير من شهدائنا في حرب الاستنزاف في فيلم «أبناء الصمت»، الذي تم عرضه عام 1974، في العام نفسه قدّم نور دوراً مثيراً للجدل، وهو دور الملحد الذي لا يؤمن بوجود الله، ويطرح قضايا فكرية وتساؤلات فلسفية عديدة حول الإيمان ووجود الله، وذلك من خلال فيلم «الإخوة الأعداء».. إنها بداية المشوار الحافل بالأسئلة الشائكة وفتح الملفات المسكوت عنها.
«نور» حالة فنية استثنائية.. يلتحم فيها الإبداع بالإيمان بقضايا مصيرية، «ماستر سين» يتمزق فيه الإنسان بين شياطين «زمن حاتم زهران» وملائكة «آخر الرجال المحترمين»!.
اقرأ أيضا: سيارة BMW 118 هاتشباك.. سعر ومواصفات أرخص طرازات العلامة الألمانية – الأسبوع
في ذكرى وفاة الفنان الكبير نور الشريف، كتبت «سارة» على الفيس بوك: («بابي حبيبي، وحشتني.. عندي مشكلة إنك عايش معايا بس أنت مش موجود، بكلمك وباحكيلك حاجات كتير، وأتخض لما ألاقي نفسي بقول أنا عايزة أحكي لبابي الحكاية دي وأفتكر إنك مش هنا».
وتابعت سارة نور الشريف رسالتها قائلة: «من ساعة ما مشيت لحد النهارده عدى 4015 يوم، مفيش يوم فيهم ماكنتش معانا ووجودك حاضر في قلوبنا قبل لسانا».. هكذا يشعر كل محبي «نور».. لأن عمر الإبداع أطول من حيواتنا القصيرة: نحن نكتب.. نغني.. نؤدي أدواراً تغير شكل الحياة.. ونسجل أفكارنا في شريط ديجيتال.. ثم نرحل ويبقى الأثر وكأنه عمر جديد يهب البعض الخلود (الإبداع أطول عمراً منا)، وكأنه حياة موازية تستكمل أدوارنا بعد أن نرحل فعلياً ليظل دور الفنان يُسعد الجماهير ويغير نظرتهم للحياة ويحكي لنا «التاريخ الاجتماعي» للبلد ويُذكرنا بعزتنا وقوتنا، ونور الشريف يبقى «ماستر سين» لتلك الرواية الوطنية المحفورة في وجداننا.
حين قابلت «نور» أثناء تمثيل «عمر بن عبدالعزيز» كان يرتدي خاتماً منحوتاً عليه نفس تفاصيل خاتم الإمام «عمر» ولم يخلعه من إصبعه بعدها.. ربما لهذا تمنى إذاعة مشهد وفاة الإمام «عمر» يوم وفاته، لأن به «لحظة تنوير رباني» بحسب تعبيره.
لقد كنت الأجرأ.. والأصدق.. والأكثر إبداعاً.. نفتقدك يا صديقي.. ونفتقد معك رمز المحاربة بسيف الحلم، والمقاومة بعشق الحياة.
