فيروز سمير: معرضي ملاذ بصري يعزل المتلقى عن صخب الحياة المعاصرة| حوار

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

عبر معرضها «الذائب في الأزرق»، لا تقدم الفنانة التشكيلية فيروز سمير، الأستاذة بكلية الفنون الجميلة، مجرد لوحات تُرى بالعين، بل تفتح نوافذ واسعة على فضاءات من الانصهار الوجداني والتأمل الهادئ. عبر معرض يعيد صياغة علاقتنا بالطبيعة المصرية بمياه النيل، والطيور، وزهور اللوتس، محولاً إياها إلى بيئة احتواء أثيرية تعزل المتلقي عن وتيرة الحياة المعاصرة الضاغطة.

اقرأ أيضا: عمل بني سويف: ندوة بلغة الإشارة لعاملين من ذوي الإعاقة السمعية بالقطاع الخاص| صور

موضوعات مقترحة

في هذا الحوار، تفتح لنا الفنانة أبواب الذاكرة، تحكي عن جذور شغفها الممتدة من إبداع والدها الكاتب والشاعر سمير عبد الباقي ووالدتها مصممة العرائس نجلاء رأفت، وتأخذنا عبر محطات مسيرتها التقنية المتنوعة وصولاً إلى هذا الاستقرار البصري الناضج، حيث يتسق الرمز والجسد واللون ليصنعوا معاً حالة من الدهشة الفطرية والهدوء الذاتي الخالص.

– الفلسفة البصرية لعنوان المعرض

يحمل عنوان المعرض “الذائب في الأزرق” إيحاءاتً شاعرية وعميقة تلامس عناصر الطبيعة والذوبان الوجداني؛ فما هي القصة الكامنة خلف هذا العنوان، وكيف ينعكس على الفلسفة البصرية للوحات المعرض؟

 القصة الكامنة خلف العنوان هي فكرة الانصهار الوجداني في المطلق، فالذوبان هنا ليس تلاشيًا سلبياً للذات، بل هو  عبور واكتشاف العلاقة بين إنسانية المشاعر  في الطبيعة وتجسيد روحاني للحظة  و تجاوز حدود الواقع المادي المباشر ليذوب في رحابة السكينة، والعمق، واللانهاية التي يمثلها فضاء اللون الأزرق. وينعكس هذا المعنى المفاهيمي على الفلسفة البصرية للوحات المعرض من خلال تلاشي الحدود والتحام العناصر، فتختفي الفواصل الحادة بين أجساد الطيور و ماء النيل  وزهور اللوتس و تناثر أوراقها.

وتُظهر اللوحات كيف تحتوي الفضاءات النيلية حواف الأشكال بمرونة، لتبدو الكائنات وكأنها غارقةً فيه. اما التقنية وطبقات اللون تشكل بناء السطح التصويري بأسلوب يجمع بين ليونة الألوان الزيتية والانسيابية المائية، مع الحفاظ على ملمس التهشير الحاد واللين في نفس الوقت هذا التضاد التقني يعكس حالة من التوازن بين العناصر والأسلوب التقني.

جانب من المعرض

– الطبيعة كملهم

 يستلهم المعرض عناصر الطبيعة وتداخلات المياه، النباتات، والضوء؛ إلى أي مدى تعمدتِ خلق حالة من التأمل الهادئ والهروب من صخب الواقع للمتلقي من خلال هذه التكوينات؟

 لم أطرح عناصر الطبيعة كمحاكاة بصرية للواقع، بل صُممت تكوينات خاصة بي لتشكل ملاذًا بصريًا ونفسيًا يعزل المتلقي عن وتيرة الحياة المعاصرة الضاغطة. وتعمد بناء فضاء هاديء ممتليء بإيقاع السكون وتعليق الزمن وتعليق الحركة داخل اللوحة، فالوقوف الصامت للمالك الحزين أو البلشون أمام التوزيعات الدائرية لأوراق اللوتس العائمة فوق سطح الماء، تخلق إيقاعاً متحركا في  هدوء  يفرض على عين الزائر التمهل وتخفيض سرعة التلقي لاحتواء عناصر اللوحة.

كما ان الضوء المنتشر بشكل متساو مع توظيف الانعكاسات  المائية الذائبة،جعل العناصر تبدو وكأنها تُرى من خلال عمق مائي أو في ضوء الفجر قبل الإشراق  لإظهار الطبيعة علي حقيقتها بدون تناقضات او خداع بصري. 

– دلالات الأزرق

اللون الأزرق دلالات نفسية وفلسفية واسعة؛ كيف وظّفتِ درجات هذا اللون خصيصا في هذا المعرض مقارنة بمعارضك السابقة مثل “البر والبحر” أو “غاب الريح”؟

 يُشكل اللون الأزرق المحور  الرئيسي في مفهوم المعرض الراهن، حيث تحول من مجرد عنصر لوني أو تمثيل للطبيعة إلى فضاء نفسي ومائي و سماءي موحد 

واللون الأزرق له تواجد داءم في لوحاتي لكن بدلالات وأبعاد مختلفة ففي معرض “البر والبحر”: كان الأزرق هناك يعبر عن عنصر طبيعي وحسي مادي من خلال البحر المتحرك الصاخب يتكسر امام  ثبات اليابسة الخشنة والبارزة  حيث اعتمدت الصياغة على التضاد الصريح والواضح بين الدرجات الرملية الساخنة والدرجات المائية الباردة  لإبراز الجدلية بين العنصرين.

لكن في معرض “غاب الريح” جاء الأزرق يمثل سكون  الفراغ أمام حركة الغاب المتعددة بفعل تقلبات الرياح وحركة الهواء، من خلال درجات زرقاء سماوية رمادية  تتسم بالهدوء والثبات ضد التغيير

 اما الظهور الخاص للأزرق في “الذائب في الأزرق”: فقد تحول هنا إلى بيئة احتواء أثيرية وشاملة، حيث تم بناء السطح التصويري بتداخلات متعددة الطبقات تجمع بين الأزرق النيلي العميق، واللازوردي، والأزرق المائي الشفاف. حيث لم يعد اللون مجرد خلفية للمشهد، بل أصبح سائلًا وسيطًا يغمر العناصر ويحتوي حوافها، وينظم مستويات الضوء والعتمة داخل اللوحة ليحقق حالة السكون الهاديء 

جانب من المعرض

  يرى البعض أن أعمالك الأخيرة امتدادًا لشغف دائم بالطبيعة والرموز الإنسانية.. ما هي اللوحة الأقرب لك في معرض “الذائب في الأزرق”، والتي تشعرين أنها تختزل روح المعرض بأكمله؟

 لا توجد لوحة واحدة تختزل روح المعرض لانهم يمثلون حوارات وانطباعات مختلفة. فالمشاعر التي يمثلها المالك الحزين أو البلشون برغم من ثباته الحركي واللوني في كل لوحة مختلفة في ظل التكوينات والتدرجات اللونية المتحركة هو المنكسر والقوي والثابت والمتأهب والمتسائل والمترفع  تجاوبا مع انطباعاته الخاصة مع الطبيعة لتجسيد ثنائية السكون والحركة برغم من حالة الاندماج والذوبان. وكذلك لوحات الهداهد الصاخبة الصامتة أو المتسائلة او المكتفية فكل لوحة عبرت عن حالة مغايرة.
 
– التطور الفني والتقني

 تنوعت معارضك الفردية بين تقنيات وتسميات مختلفة مثل “أنكوستيك”، “رؤى هجينة”، و”جنة واصف”.. كيف تقييمين تطور خطك الفني والتقني وصولاً إلى محطة “الذائب في الأزرق”؟

يمثل معرض “الذائب في الأزرق” محطة استقرار في  أسلوبي وتطوري تجتمع فيها خبرات التجارب الفردية السابقة، حيث تحول التجريب التقني والمفاهيمي من البحث في مادية الخامة إلى التمكن الأدوات والوسائط البصرية.

فمرحلة “أنكوستيك” كان دافعها اكتشاف خامة وتقنية صعبة الاستخدام لها جذور ضاربة في حضارتنا المصرية منذ وجوه الفيوم  وتحدي تطويعها بشكل معاصر باستخدام نفس الخامات مثل شمع العسل والوسائط  العضوية والاكاسيد الطبيعية و الراتنجات باستخدام أدوات معاصرة كمسدس الحرارة و النار في طبقات سميكة بارزة تشبه النحت البارز. 

أما رؤى هجينة كانت مرحلة البحث  في ملمس الخامة والتقنية مع  التركيز على استكشاف أشكال هجينة تجمع بين الزخارف المجردة والواقعية والرمزية  والتواجد السيريالي للعناصر 

 ومرحلة “جنة واصف”: شكلت تحولاً مفاهيميًا نحو بناء العوالم الفردوسية واستلهام عناصر الطبيعة المصرية من خلال معلقات ويصا واصف النسجية التي أبدعت من خلال استلهام الطبيعة المصرية المحيطة بعيدا عن تدخلات الحداثة او المعاصرة بأبعادها الرمزية  وجعلتها تحتوي   العنصر النسائي كجزء لا يتجزأ من عناصرها المعلقة فيما جاء الذائب في الأزرق نتاج لكل الخبرات التقنية السابقة؛ إذ تحولت الصلابة المادية السابقة إلى ليونة وانسيابية، مع الحفاظ على عمق السطح  لتصبح التقنية منصهرة مع مفهوم العمل.

اقرأ أيضا: باحث في الشؤون الإيرانية: أمريكا تفضل الضغط الاقتصادي على المواجهة العسكرية مع طهران

جانب من المعرض

– رموز وشفرات العمل الفني

 تتميز أعمالك بلغة بصرية تمزج بين الواقع والرمز والجسد الإنساني؛ كيف تتوازن الفنانة بداخلك بين دقة التكوين الحرية التعبيرية للون؟

 أفكر في الأشياء والعناصر من خلال امكانية تواجدها معا بغض النظر عن استحالة الحدوث في الواقع فوجود الطائر والقط معا في لوحة واحدة قد يصعب في الواقع ولكن لا يوجد ما يمنع في خيال الفنان ومن هنا تتحول العناصر لرموز خاصة شفرتها مع العنصر النسائي المتواجد في أعمالي وهي ترمز لروح ايزيس الكامنة في كل مرآة مصرية فهي صانعة المستحيل. أما التكوين واللون فهم مهارة كامنة كالقدرة علي القيادة  تأني بدون استدعاء كامل للعقل والتنفيذ الصارم للقواعد الاكاديمية التي درستها، فكسر القاعدة احيانا يكون الحل . فبالنسبة لي ليست صراعاً بين قيد وحرية، بل هي تكامل بين الابداع  والروح.

بمجرد أن  تكتمل الخطوط الأولية في التكوين امامي، أمنح الفرشاة واللون حرية كاملة للتعبير دون الالتزام بالمحاكاة الحرفية للواقع. فالتكوين يمنح اللوحة ثباتها ووجودها، بينما يمنحها اللون الروح والقدرة علي التاثير. وتكون التقنية هي الشريان الرابط بين كل مكونات اللوحة. 

 
– الإنسان ابن بيئته

خضتِ تجارب في رسوم وأغلفة كتب الأطفال.. هل لعالم الطفولة والبراءة تأثير خفي على بساطة وعمق الرموز في أعمالك التشكيلية الموجهة للكبار؟

يرجع الفضل لوالدي سمير عبد الباقي الكاتب والشاعر والروائي، ولوالدتي مخرجة ومصممة العرائس نجلاء رافت. البداية كانت في كتاب لوالدي اسمه “رسالة الي الشمس”. وكان يحكي لي كل يوم قصة قصيرة منه ويتركني ارسم ما أتخيله في عمر خمس سنوات. وطبع هذا الكتاب الذي اعتبره الخطوة الاولي لي وأول جايزة احصل عليها من وزارة الثقافة. 

 وهذا اثر علي طريقة  تفكيري  في موضوع اللوحة حيث أتناوله بشكل  سردي يحكي حكاية ويعبر عن أبطالها كقصص الاطفال . 

اما والدتي كانت مبدعة في تجسيد الخيال حيث تخرج لنا من غرفتها حاملة عروسة جديدة من تصميمها وتنفيذها من خامات بسيطة كالإسفنج والقماش والفوم  وقد استدعيت روحها الحاضرة الغائبة وانا انفذ العمل المركب المصاحب للمعرض وكيف كانت تطوع الخامات بشكل مبهر وببساطة و إبهار.  فالفنان نتاج كل مراحل حياته فهو يحتوي كل الأحداث والمؤثرات وبدون قصد تظهر علي سطح أعماله . 

  كيف تتمنين أن يغادر الزائر المعرض بعد جولته بين اللوحات؟

اتمني أن يغادر وهو يحمل في داخله حالة من الصمت والهدوء الذاتي  وياخذ هدنة من حركة الحياة المتسارعة و يشعر بان  إيقاع أفكاره الذهنية قد تباطأ، وأن توتر الحياة اليومية وصخبها قد ذابا وتلاشيا تدريجياً وسط فضاءات الأزرق والسكينة المائية.

يهمني جداً ألا تكون الجولة مجرد مشاهدة بصرية عابرة للوحات، بل تجربة عبور حسية وروحية؛ أن يخرج الزائر وفي عينيه انطباع بصري وشعوري جديد، يجعله عندما يتأمل الطبيعة المصرية من حوله—سواء كانت مياهاً، أو طيوراً، أو نباتات—يراها بنظرة أكثر عمقاً ورقة وشاعرية وجمالا وكأنه استعاد جزءاً من دهشته الفطرية الأولى بالوجود.

أتمنى أن يترك المعرض في نفس كل زائر أثراً يشبه الاستراحة التأملية، فيشعر بأنه لم يكتفِ بلمس عالمي الخاص، بل لمس شيئاً أثيراً وعميقاً في جوهر ذاته هو.

جانب من المعرض

اقرأ أيضا: رئيس جامعة الأزهر: استقرار حالة مفتي الجمهورية عقب خضوعه لقسطرة في القلب

‫0 تعليق