فلسفة الرأي العام والدعاية في العصر الرقمي

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

أهداني الدكتور محمد شومان، أستاذ الإعلام في جامعة عين شمس، والذي عمل مؤسساً لكلية الإعلام بالجامعة البريطانية والمعهد الدولي العالي للإعلام بأكاديمية الشروق كتابه «فلسفة الرأي العام والدعاية في العصر الرقمي»، وقد صدر له من قبل هذا الكتاب 32 كتاباً في الإعلام الرقمي والرأي العام والتحليل النقدي للخطاب واتصالات الأزمة وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي.

اقرأ أيضا: سردية الوطن في مواجهة تزييف التاريخ

هذا الكتاب يقع في حوالي 290 صفحة من القطع الكبير. ويسعى هذا الكتاب عبر رحلة فلسفية ممتدة من الحضارات القديمة إلى العصر الرقمي، ويحاول أن يكشف عن التوترات الأساسية التي طبعت مفهوم الرأي العام منذ نشأته. وإذا كانت النقاشات الكلاسيكية بين أفلاطون وأرسطو، ثم بين ليبمان وديوي قد أرست الأسس الفلسفية لمفهوم الرأي العام ودوره في الحكم والديمقراطية، فإن العصر الرقمي يطرح تحديات جديدة تستوجب إعادة النظر في هذه الأسس الفلسفية ذاتها؛ حيث تتأسس فلسفة الرأي العام في العصر الرقمي على ثلاثة أبعاد محورية:

البُعد الوجودي المتعلق بحقيقة وجود الرأي العام من عدمه، والبُعد المعرفي الخاص بكيفية تشكيل المعرفة والآراء في الفضاء الرقمي، والبُعد الأخلاقي السياسي المرتبط بحرية هذا الرأي وشرعيته ودوره في العملية الديمقراطية.

على المستوى الوجودي يواجهنا سؤال محوري: هل ما زال الرأي العام موجوداً بالمعنى التقليدي الذي عرفناه به؟ أم أننا أمام ظاهرة مختلفة جذرياً؟ ففي الفضاء الرقمي لم تعد هناك ساحة عامة واحدة موحدة، كما كان الوضع من قبل، بل إن الموجود الآن آلاف الفضاءات الفرعية المنعزلة، كل منها يشكل غرفة صدى تعزز المعتقدات الموجودة مسبقاً.

ويطرح هذا التشظي تساؤلات وجودية عميقة: إذا لم يعد هناك مجال عام مشترك فهل يمكن الحديث عن رأي عام واحد؟ أم أننا أمام تعددية لا متناهية من الآراء العامة المتناقضة والمتصارعة؟ كل منها محصور في فقاعات رقمية.

إن المؤلف يطرح السؤال ثم يحاول الإجابة عنه فيكتب: من الناحية المعرفية تطرح قضايا الذكاء الاصطناعي إشكاليات فلسفية معقدة حول طبيعة المعرفة وتشكل الآراء. إن هذه الفلسفات لا تحاول تشويه الواقع كما قد يتصور البعض، بل إنها تقدم الواقع في مرحلة ما بعد الحقيقة، بعد أن تم تقويض الأساس المشترك الذي كان ضرورياً لتشكيل رأي عام حقيقي.

اقرأ أيضا: أرتيتا يتحدى مانشستر سيتي: أرسنال يستهدف لقب الدرع الخيرية – الأسبوع

أما البُعد الأخلاقي السياسي فيعيدنا إلى جوهر الجدل الذي كان قائماً من قبل، لكن بصورة أكثر تعقيداً. فإن كان البعض قد شكك في عقلانية الرأي العام وأهليته للمشاركة في الحُكم، فإن العصر الرقمي يعيد بُعداً جديداً لهذا الشك: ليست المشكلة فقط في عدم عقلانية الجمهور، بل في التلاعب المنهجي بهذا الجمهور، عبر أدوات غير مرئية وغير مفهومة بالكامل حتى لمن يستخدمونها؛ حيث لا تكتفي الخوارزميات برصد الرأي العام، بل تشكله وتوجهه وتتلاعب به بطرق تتجاوز قدرة الفرد على الإدراك أو المقاومة.

إن العصر الرقمي يمثل تحولاً فلسفياً عميقاً في مفهوم الرأي العام، حيث ينتقل من كونه إرادة عامة، كما وصفها جان جاك روسو في العِقد الاجتماعي عام 1762، إلى كونه بنية رقمية متشابكة تدار بواسطة منصات رقمية، ومن الناحية الفلسفية يرتكز هذا التحول على أربعة نماذج إرشادية رئيسية، هي التفاعلية الرمزية والنموذج المعرفي والنموذج النقدي وتأثيره والنموذج الوظيفي في تحليل التفتيت الاجتماعي في العصر الرقمي.

أصل المشكلة هو افتراض أن لكل فرد رأياً جاهزاً أو مستقراً حول قضية، وهو افتراض يتجاهل حقيقة أن أغلب الناس أو على الأقل قطاعاً كبيراً ومؤثراً منهم لا يمتلكون رأياً. الإشكالية الثانية تتعلق بالتمثيل، هل يمكن لعينة محددة أن تمثل حقاً رأي الأمة أو رأي الشعب؟ وما معنى هذا التمثيل في مجتمعات شديدة التنوع والتعقيد؟

إنه كتاب مهم عن الرأي العام الذي نعيشه كل يوم ولا ندري ونحن نعيشه، إنه يمثل مجموعة من القضايا المتداخلة والمتشابكة التي يتوه العقل الإنساني أمامها.

اقرأ أيضا: إنجاز طبي جديد.. استئصال ورم ضخم لسيدة مسنة بمستشفى منوف العام

‫0 تعليق