سبتة ومليلية تعودان إلى الواجهة.. لماذا تحدث وهبي لإسبانيا بدل بوريطة؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

أعادت تصريحات وزير العدل المغربي عبد
اللطيف وهبي بشأن سبتة ومليلية المحتلتين ملف السيادة إلى قلب النقاش المغربي
الإسباني، في توقيت شديد الحساسية أعقب أزمة العبور الجماعي إلى سبتة في نهاية
يوليو/تموز.

اقرأ أيضا: الغارديان: من أوكرانيا إلى إيران وغزة ولبنان .. حروب اليوم لا تدمر فقط بل تمحو التاريخ الإنساني | عرب وعالم

لكن المفارقة التي تستحق التوقف عندها ليست
في مضمون التصريحات وحده، بل في هوية المسؤول الذي اختار المغرب أن يخرج بهذا
الموقف إلى العلن: وزير العدل، وليس وزير الخارجية ناصر بوريطة، الذي يمثل عادة
الواجهة الطبيعية للملفات السيادية والدبلوماسية مع مدريد.

وهبي أكد أن قضية المدينتين “ما زالت
مطروحة”، وأن المغرب يواصل المطالبة بهما، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن
الحل ينبغي أن يتم عبر الحوار و”النفس الطويل”.

وجاء الرد الإسباني سريعًا وحادًا؛ إذ قالت
وزيرة الدفاع مارغريتا روبلس، خلال زيارة إلى سبتة، إن المدينتين إسبانيتان ولا
يمكن المساس بهما، معتبرة أن أي اعتداء عليهما هو اعتداء على إسبانيا بأكملها.

وهبي يقول ما لا يقوله بوريطة

في السياسة الخارجية، لا تكون هوية المتحدث
تفصيلًا بروتوكوليًا. فالرسالة التي يوجهها وزير الخارجية تُقرأ عادة باعتبارها
موقفًا دبلوماسيًا مباشرًا للدولة، بينما يمكن لتصريح وزير آخر أن يحمل الرسالة
السياسية نفسها، لكن بدرجة مختلفة من الإلزام الدبلوماسي.

ومن هنا تكتسب تصريحات وهبي أهميتها.
فالمغرب لم يتخل عن موقفه التاريخي من سبتة ومليلية، لكن إعادة طرحه عبر وزير
العدل تتيح مساحة أوسع للمناورة السياسية: تأكيد أن قضية السيادة لم تُسحب من
الأجندة المغربية، من دون أن تتحول الرسالة تلقائيًا إلى إعلان عن فتح مفاوضات
رسمية أو تغيير في العقيدة الدبلوماسية التي يديرها بوريطة.

وهذه القراءة تظل، بطبيعة الحال، تحليلًا
سياسيًا لا إعلانًا رسميًا عن توزيع أدوار داخل الحكومة المغربية؛ فلا توجد، في
المعطيات العلنية المتاحة، إشارة رسمية تقول إن وهبي كُلّف تحديدًا بحمل “رسالة
سيادية” بدل وزير الخارجية.

لكن اختيار التوقيت والمتحدث يظل ذا دلالة
سياسية. لماذا الآن؟ السؤال الأكثر أهمية هو: لماذا عاد الملف
إلى الواجهة الآن؟ فالتصريحات
جاءت بعد أيام قليلة من أزمة عبور جماعي نحو سبتة، وهي أزمة جعلت الحدود المغربية
الإسبانية، والهجرة، والأمن، والسيادة، تتقاطع في مشهد واحد.

وهبي لم يطرح قضية المدينتين باعتبارها
ملفًا تاريخيًا مغلقًا، بل قال إن المغرب يثيرها في لقاءاته مع الإسبان، وإنه يريد
حلها بالحوار. وبذلك أعاد التأكيد على أن الهدوء الذي طبع العلاقات المغربية
الإسبانية خلال السنوات الأخيرة لم يعنِ، بالنسبة إلى الرباط، التخلي عن المطالبة
بالمدينتين.

وهنا تحديدًا تكمن حساسية الرسالة: المغرب
يستطيع أن يدير شراكة استراتيجية مع إسبانيا، من دون أن يعني ذلك إسقاط مطالبه
السيادية التاريخية.

صفحة 2022 لا تلغي ملف السيادة

منذ أبريل/نيسان 2022 دخلت العلاقات
المغربية الإسبانية مرحلة جديدة، عقب رسالة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز
إلى الملك محمد السادس، والإعلان عن “صفحة جديدة” في العلاقات. وأكد
البلدان آنذاك مبادئ الشفافية والحوار الدائم والاحترام المتبادل، وأعادَا بناء
التعاون في ملفات الهجرة والأمن والاقتصاد والحدود.

ولم تكن تلك الصفحة مجرد مصالحة ظرفية. ففي
ديسمبر/كانون الأول 2025 عقد المغرب وإسبانيا اجتماعهما رفيع المستوى الثالث عشر
في مدريد، وأكدا مواصلة الحوار السياسي وتعزيز التعاون الثنائي، فيما وصفت
الخارجية الإسبانية العلاقات بأنها تمر بـ “لحظة تاريخية”، مع التشديد
على مواصلة المسار الذي أطلقته خريطة طريق 2022.

لكن هذه الدينامية لم تُلغِ، في المقابل،
قضية سبتة ومليلية. وهنا تظهر
المعادلة التي تحاول الرباط الحفاظ عليها: شراكة استراتيجية مع مدريد من جهة، وعدم
التنازل عن الموقف السيادي من المدينتين من جهة أخرى.

بوريطة.. رجل إدارة العلاقة لا رجل التصعيد

خلال السنوات الماضية، أصبح ناصر بوريطة أحد
أبرز وجوه إدارة العلاقة المغربية الإسبانية، خصوصًا في مرحلة إعادة بناء الثقة
بعد الأزمة التي سبقت 2022.

وبوريطة ليس مجرد وزير خارجية يدير
الاتصالات التقليدية، وإنما أصبح جزءًا أساسيًا من هندسة الملفات الأكثر حساسية
بين البلدين: الهجرة، التعاون الأمني، الحدود، العلاقات الاقتصادية، والقضايا
السياسية التي تحتاج إلى قدر كبير من الاتصالات الهادئة.

وفي ديسمبر 2025، التقى بوريطة نظيره
الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، وأكدا مواصلة تعميق المسار الذي انطلق في 2022، في
وقت كانت فيه مدريد والرباط تقدمان علاقاتهما باعتبارها في أفضل مراحلها.

لذلك، فإن غياب بوريطة عن واجهة النقاش
الأخير بشأن سبتة ومليلية قد يكون مفيدًا للخارجية المغربية نفسها. فبوريطة يستطيع مواصلة إدارة العلاقة اليومية
والاستراتيجية مع مدريد، بينما يتولى وزير آخر التعبير عن الموقف السيادي الذي لا
تريد الرباط أن يبدو وكأنه تراجع عنه.

بعبارة أخرى: قد يكون الفصل بين المتحدث عن
السيادة ومدير العلاقة الدبلوماسية جزءًا من إدارة الرسالة، لا تناقضًا داخلها.

وزير العدل يدخل من بوابة القانون والسيادة

هناك أيضًا بعد آخر لا ينبغي إغفاله. فوهبي، بحكم موقعه وزيرًا للعدل، يستطيع أن يتناول
القضية من زاوية مختلفة عن تلك التي يتحرك منها وزير الخارجية. فهو ليس مفاوضًا
دبلوماسيًا في هذا الملف، وإنما مسؤول حكومي يمكن أن يقدم القضية باعتبارها مسألة
حقوق وسيادة وتاريخ. وهذا يمنح
الرسالة طبيعة مختلفة: سياسية وقانونية أكثر منها دبلوماسية تفاوضية.

وعندما يقول وهبي إن المغرب يريد معالجة
القضية بالحوار، فهو في الوقت نفسه يرفع سقف الخطاب السيادي ويخفض سقف التصعيد.
وهذه الثنائية تبدو جوهرية في فهم التصريح: لا تنازل عن المطلب، ولا دعوة إلى
مواجهة.

مدريد التقطت الرسالة فورًا

لكن مدريد لم تتعامل مع كلام وهبي بوصفه
حديثًا عابرًا. وزيرة الدفاع
الإسبانية مارغريتا روبلس اختارت، خلال وجودها في سبتة، أن ترد من المدينة نفسها،
مؤكدة أن سبتة ومليلية “إسبانيتان جدًا” ولا يمكن المساس بهما، وأن أي
استهداف للمدينتين سيكون اعتداءً على إسبانيا بأكملها. كما ربطت تصريحاتها بأزمة
العبور الأخيرة، مؤكدة أن ما حدث لا يمكن أن يتكرر. وهنا تحولت المسألة من تصريح مغربي محسوب السقف إلى سجال
سيادي علني.

لكن الفارق مهم: المغرب تحدث عن الحوار،
بينما تحدثت إسبانيا عن عدم قابلية السيادة للنقاش. أي أن الطرفين لم يدخلا، حتى الآن، في مفاوضة حول الوضع
القانوني للمدينتين؛ وإنما أعادا تثبيت موقفيهما المتعارضين.

أزمة العبور.. العامل الذي غيّر توقيت الملف

يصعب فصل تصريحات وهبي عن أزمة العبور
الجماعي التي شهدتها سبتة في نهاية يوليو. فالأزمة أعادت الحدود إلى صدارة المشهد، وأظهرت مرة أخرى
مدى حساسية المنطقة التي تتقاطع فيها ثلاثة ملفات: الهجرة، والأمن، والسيادة.

وتشير تقارير حديثة إلى أن أعدادًا ضخمة
حاولت العبور، وسط انتشار دعوات وشائعات على وسائل التواصل الاجتماعي، بينما تحركت
السلطات المغربية لاحتواء التدفق وملاحقة من يشتبه في تورطهم في التحريض أو
المساعدة على الهجرة غير النظامية. وتحدثت تقارير عن نحو 72 ألف شخص في محاولات
العبور، وعن عشرات الوفيات.

غير أن ربط أزمة الهجرة بقضية السيادة يحتاج
إلى قدر كبير من الحذر. لا توجد، في
المعطيات العلنية المتاحة، أدلة حاسمة تثبت أن موجة العبور كانت عملية رسمية
مغربية مدبرة لأهداف سيادية. وفي المقابل، فإن توقيت إعادة طرح ملف سبتة ومليلية
يجعل البعدين مترابطين سياسيًا في نظر المراقبين، حتى لو لم يكن هناك رابط تنظيمي
مثبت بينهما. وهذه نقطة
جوهرية: التزامن ليس دليلًا على التنسيق.

هل كانت رسالة وهبي اختبارًا لمدريد؟

أحد التفسيرات السياسية الممكنة لتوقيت
التصريح أن الرباط أرادت، من خلال شخصية حكومية غير وزير الخارجية، اختبار رد
الفعل الإسباني.

فطرح القضية عبر بوريطة كان سيمنحها وزنًا
دبلوماسيًا أكبر، وربما كان سيجعل مدريد تتعامل معها بوصفها خطوة رسمية باتجاه
إعادة فتح الملف.

أما خروج وهبي، فيسمح برسالة مختلفة: نحن لا
ننسى القضية، لكنها ليست بالضرورة على طاولة مفاوضات جديدة الآن.

وبهذه الطريقة تستطيع الرباط مراقبة مستوى
الحساسية الإسبانية من دون أن تحرق قنوات الاتصال التي تحتاج إليها في ملفات أخرى.

وقد جاءت الإجابة الإسبانية شديدة الوضوح:
مدريد لا تريد حتى إعطاء انطباع بوجود قابلية للتفاوض حول السيادة.

شبح جزيرة ليلى حاضر.. لكن الظروف مختلفة

ولا يمكن الحديث عن سبتة ومليلية من دون
استحضار أزمة جزيرة ليلى في يوليو/تموز 2002، التي تحولت آنذاك إلى مواجهة حادة
بين المغرب وإسبانيا بسبب خلاف حول السيادة على الجزيرة الصغيرة الواقعة قرب
الساحل المغربي.

لكن استدعاء تلك الأزمة يجب ألا يتحول إلى
قراءة آلية للحاضر. فالظروف
الحالية مختلفة بصورة كبيرة. العلاقات المغربية الإسبانية اليوم تقوم على شبكة
واسعة من المصالح المتبادلة، تشمل التجارة والهجرة والأمن والاستثمار ومشاريع
مشتركة مرتبطة بكأس العالم 2030. وقد أكدت الحكومتان في اجتماع 2025 استمرار
التعاون وتعميقه، فيما وقعتا 14 اتفاقًا للتعاون في مجالات مختلفة.

لذلك، لا يبدو أن تصريحات وهبي تعني عودة
إلى مناخ 2002، ولا توجد مؤشرات علنية على انتقال الخلاف إلى مستوى ميداني أو
عسكري. المواجهة
الحالية دبلوماسية وسياسية وإعلامية بالدرجة الأولى.

ما الذي يريده المغرب من سبتة ومليلية؟

المشكلة أن قضية المدينتين تحمل في العلاقات
المغربية الإسبانية أكثر من معنى. بالنسبة إلى
المغرب، ترتبط القضية بمفهوم استكمال الوحدة الترابية وإنهاء ما يعتبره بقايا وجود
استعماري على أراضيه.

أما بالنسبة إلى إسبانيا، فسبتة ومليلية جزء
من أراضيها، وبالتالي فإن أي نقاش حول السيادة يُقرأ باعتباره مساسًا بوحدة أراضي
الدولة.

اقرأ أيضا: “باركن” تسجل قفزة بأرباحها بنسبة 12% إلى 166.2 مليون درهم في الربع الثاني

وهذا يجعل التسوية شديدة التعقيد؛ لأنها لا
تتعلق فقط بإدارة حدود أو ترتيب اقتصادي، وإنما بالتعارض بين سرديتين سياديتين.

ولهذا قد يكون “النفس الطويل”
الذي تحدث عنه وهبي هو التعبير الأكثر دقة عن طبيعة المعركة السياسية التي يتحدث
عنها المغرب: ملف لا يُنتظر حسمه في جولة تفاوضية واحدة، ولا يبدو أن الرباط تريد
تحويله في الوقت الراهن إلى أزمة مفتوحة مع مدريد.

الشراكة الاستراتيجية أمام اختبار السيادة

المعضلة الأساسية أمام البلدين هي أن
العلاقة بينهما أصبحت أعمق من أن تُختزل في قضية سبتة ومليلية، لكن القضية نفسها
حساسة إلى درجة تجعلها قادرة على التأثير في هذه العلاقة.

فإسبانيا تحتاج إلى المغرب في ملفات الهجرة
والأمن والاستقرار الإقليمي، والمغرب يحتاج إلى إسبانيا بوصفها شريكًا اقتصاديًا
وسياسيًا مهمًا وبوابة أوروبية رئيسية.

وفي 2025 أكدت مدريد أن المغرب هو أكبر شريك
تجاري لها، بينما شدد البلدان على تطوير التعاون في مجالات الاقتصاد والاستثمار
والبنية التحتية والطاقة وغيرها. ومن ثم فإن
إدارة الخلاف أصبحت أهم من محاولة إنكاره.

فالمغرب لا يستطيع، سياسيًا، التخلي عن ملف
تعتبره قطاعات واسعة من الرأي العام قضية سيادة، وإسبانيا لا تستطيع، سياسيًا، فتح
باب تفاوض حول مدينتين تعتبرهما جزءًا من أراضيها.

والحل العملي، في هذه المرحلة، هو إبقاء
الخلاف تحت سقف يسمح باستمرار التعاون في الملفات الأخرى.

هل غيّر وهبي شيئًا؟

حتى الآن، لا توجد معطيات كافية للقول إن
تصريحات وهبي تعني تغييرًا رسميًا في السياسة المغربية تجاه سبتة ومليلية. لكنها غيّرت شيئًا آخر: أعادت القضية إلى الواجهة
السياسية والإعلامية بعد فترة من الهدوء النسبي. وهذا وحده له دلالة.

فالموقف المغربي التقليدي من المدينتين لم
يكن سرًا، لكن السنوات الأخيرة شهدت تركيزًا أكبر على بناء العلاقة مع مدريد
وإدارة المصالح المشتركة. أما تصريح وهبي فقد ذكّر بأن الانفتاح المغربي على
إسبانيا لا يعني أن الملفات السيادية اختفت من الأجندة.

والأهم أن اختيار وزير العدل للحديث عنها،
بدل وزير الخارجية، يجعل الرسالة قابلة لقراءتين في آن واحد: تشديد على الثابت
السيادي، مع تجنب تحويله إلى أزمة دبلوماسية رسمية.

رسالة سيادة بلا قطيعة

في المحصلة، تبدو تصريحات عبد اللطيف وهبي
أقرب إلى إعادة ضبط للرسالة المغربية منها إلى إعلان عن مرحلة جديدة من التصعيد.

فالرباط تقول إن سبتة ومليلية لم تخرجا من
حساباتها، وإن المطالبة بهما مستمرة، لكنها تضيف أن الطريق هو الحوار والنفس
الطويل. ومدريد ترد بأن السيادة ليست موضوعًا للتفاوض، لتعيد بدورها تثبيت خط أحمر
واضح.

وبين الموقفين، يبقى ناصر بوريطة في موقع
إدارة العلاقة الأوسع مع إسبانيا، بينما أتاح ظهور وهبي في هذا الملف مساحة لإيصال
رسالة أكثر صراحة بشأن السيادة من دون تحميلها بالضرورة كلفة إعلان دبلوماسي رسمي.

ولذلك فإن السؤال “لماذا وهبي بدل بوريطة؟” قد تكون إجابته الأرجح أن الرباط أرادت أن تقول لمدريد شيئًا دقيقًا: الشراكة
مستمرة، والحوار مستمر، لكن ملف السيادة لم يُدفن.

والأيام المقبلة ستكشف ما إذا كان تصريح
وهبي سيبقى في حدود إعادة التذكير بالموقف المغربي، أم سيتحول إلى مقدمة لإعادة
إدراج سبتة ومليلية بصورة أكثر وضوحًا في جدول أعمال العلاقات المغربية الإسبانية.

اظهار أخبار متعلقة

اقرأ أيضا: وزارة الشؤون الدينية تكشف برنامجا وطنيا لإحياء شهر ربيع الأنوار احتفالا بالمولد النبوي

‫0 تعليق