
هناك لحظات في التاريخ لا يجوز أن نكتب عنها بمنطق المنتصر
والمهزوم، وهناك أيام لا ينبغي أن نسأل فيها أولاً: إلى أي جماعة كان ينتمي القتيل؟ بل ينبغي أن نسأل: هل كان يستحق أن يموت؟ ورابعة واحدة من تلك اللحظات.
اقرأ أيضا: ماذا يعني أن تكون حياتك مرهونة ببوابة عسكرية؟ | سياسة
لم يكن الذين تجمعوا في رابعة في الرابع عشر من آب/أغسطس 2013
جميعاً أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين، ولم يكن كل من وقف في الميدان مسلحاً، ولم
يكن الاعتصام كله كتلة واحدة من العنف. كان بينهم رجال ونساء وأطفال وشباب، ومواطنون
ذهبوا إلى هناك احتجاجاً على حدث سياسي محدد: إزاحة رئيس الجمهورية الذي وصل إلى
منصبه عبر انتخابات رئاسية تنافسية. وهذه الحقيقة لا يمكن حذفها من التاريخ مهما
كان موقفنا من محمد مرسي أو من جماعة الإخوان المسلمين.
أول الحقيقة: كان هناك رئيس منتخب
قد لا يحب البعض مرسي، وقد يرفض البعض الإخوان، وقد يرى البعض
أن تجربة حكمه كانت أو مرتبكة أو مستقرة؛ كل ذلك مشروع للنقاش السياسي، لكن السؤال
الدستوري مختلف: محمد مرسي لم يصل إلى قصر الاتحادية بانقلاب، وصل عبر صندوق انتخابي
وقد أعلنت النتائج حصوله على 51.73 في المئة من أصوات الجولة الثانية، مقابل 48.27
في المئة لأحمد شفيق. (The Carter Center)
وهذا يعني شيئاً بسيطاً جداً: كان مرسي رئيساً منتخباً، ومن ثم فإن الخلاف حول أدائه لا يمنح أي طرف أيا كان تلقائياً الحق في إلغاء النتيجة
الانتخابية بالقوة؛ كان يمكن عزله سياسياً عبر انتخابات، وكان يمكن الضغط عليه بالاحتجاج
السلمي، وكان يمكن محاسبته دستورياً وقضائياً، وكان يمكن إجراء انتخابات مبكرة بتوافق
سياسي، وكان يمكن بناء جبهة سياسية ضده ثم هزيمته في صندوق الانتخابات، أما أن يصبح
الجيش هو الذي يحدد انتهاء ولاية الرئيس المنتخب، فهذه مسألة أخرى تماماً.
هنا تبدأ عقدة 30 يونيو
لا أحد يستطيع إنكار أن اعدادا من المصريين
خرجوا في احتجاجات ضد حكم مرسي في حزيران/يونيو 2013 وهذا حقهم، وكما كان لمعارضي مرسي
حق التظاهر ضده كان لمؤيديه الحق نفسه في التظاهر دفاعاً عنه.. لكن الديمقراطية
لا تعطي الشارع الذي خرج ضد الرئيس حقاً أكبر من الشارع الذي خرج معه، وإذا كان
الحشد الشعبي معياراً كافياً لإسقاط رئيس منتخب، فما الذي يمنع غداً حشداً آخر من إسقاط
الرئيس الجديد؟ فالديمقراطية
ليست مسابقة في عدد المتظاهرين ولكن الديمقراطية هي قواعد مؤسسية لتداول السلطة.
رابعة لم تكن انقلاباً مضاداً
هنا يجب أن نكون دقيقين؛ كان من حق المصريين أن يختلفوا حول
مرسي وكان من حقهم أن يخرجوا ضده، وكان من حق مؤيديه أن يرفضوا عزله وكان من حقهم أن
يعتصموا للمطالبة بعودته، لكن لا يجوز أن ننقل مسؤولية الانقلاب أو الصراع السياسي
من السلطة إلى المعتصم الذي جاء ليحتج عليه.
الاعتصام احتجاج وليس انقلاباً
الانقلاب يحتاج إلى قوة تملك أدوات الإكراه والسيطرة على مؤسسات
الدولة، أما المواطن الذي يجلس في ميدان، ويرفع لافتة، ويهتف، ويطالب بعودة رئيسه المنتخب،
فهو يمارس -في الأصل- حقاً سياسياً في التعبير والاحتجاج، حتى لو كان احتجاجه مرفوضاً
سياسياً، وحتى لو كان مزعجاً، وحتى لو كان مستفزاً، وحتى لو طال أمده.. لكن هذه الحقيقة
لا تجيب عن السؤال الأهم: هل كان كل من في رابعة مسلحاً؟ بالطبع لا، وهل كان
كل من قُتل في رابعة مقاتلاً؟ لا. وهل يجوز قتل تجمع كامل لأن بعض أفراده ارتكبوا عنفاً؟
بالطبع لا. هذه هي النقطة التي ينبغي ألا نسمح للسياسة بأن تبتلعها.
الدولة تعرف الفرق بين المسلح والمتظاهر
حين تستخدم الدولة القوة، تكون مسؤوليتها أكبر من مسؤولية
الفرد؛ لأن الدولة تملك الشرطة والجيش والأسلحة والآليات والمعلومات والقدرة على التخطيط،
ولهذا لا تستطيع الدولة أن تقول: “كان هناك مسلحون، إذن كان قتل الجميع مباحاً”.
هذه ليست دولة قانون، إنها قاعدة انتقام، والقاعدة القانونية
والأخلاقية أبسط من ذلك: “المسلح يُواجه بقدر ما يقتضيه الخطر، أما غير المسلح
فلا يتحول إلى هدف لمجرد وجوده في المكان نفسه”، وهذا بالضبط ما يجعل مأساة
رابعة قضية إنسانية قبل أن تكون قضية إخوانية.
ماذا قالت المنظمات الحقوقية؟
هنا لا نتحدث عن رواية جماعة الإخوان وحده.. هيومن رايتس ووتش
أجرت تحقيقاً ميدانياً استمر عاماً، قابلت خلاله أكثر من 200 شاهد وطبيب وصحفي ومقيم،
وراجعت تسجيلات وأدلة مادية وتصريحات مسؤولين، وخلصت إلى أن قوات الأمن قتلت في رابعة 817 شخصاً على الأقل، وربما تجاوز العدد ألفاً، وأن معظم المحتجين كانوا سلميين،(Human Rights Watch)
أما منظمة العفو الدولية، فقالت بعد أيام من الفض إن قوات
الأمن استخدمت قوة قاتلة غير مبررة، وإن ردها كان غير متناسب ولم يميز بما يكفي بين
المحتجين العنيفين وغير العنيفين. (Amnesty International).
هذه ليست بيانات صادرة عن جماعة الإخوان، إنها تقارير منظمات
حقوقية دولية مستقلة، ومن ثم فإن محاولة اختزال رابعة كلها في عبارة “فض اعتصام
مسلح” لا تصمد أمام التحقيقات الحقوقية التي درست الوقائع على الأرض.
حتى وجود مسلحين لا يبرر المذبحة
هذه النقطة تستحق أن تُكتب بأحرف كبيرة: وجود مسلحين بين
المعتصمين لا يمنح الدولة رخصة لقتل المعتصمين السلميين. وهذا ليس موقفاً سياسياً،
إنه مبدأ من مبادئ استخدام القوة. هيومن رايتس ووتش نفسها أقرت بأنه وإن هناك كان بعض
المحتجين أطلقوا النار، لكنها خلصت إلى أن ذلك لا يبرر الهجوم واسع النطاق على جمهور
كان في غالبيته غير مسلح. (Human Rights Watch)
إذن المسألة ليست هل كان هناك سلاح؟ فعلى فرض نعم، تكون المسألة
هي: هل كان الرد متناسباً؟ وهل جرى التفريق بين من يطلق النار ومن لا يطلق النار؟
وهل أُعطي الناس طريق آمن للخروج؟ وهل جرى استخدام القوة المميتة فقط حيث كانت ضرورية
لحماية حياة الآخرين؟ هذه هي الأسئلة التي يجب أن تكون في قلب أي تقييم نزيه لرابعة.
المعتصم السلمي ليس مسؤولاً عن قرار الجماعة
وهذه من أكثر النقاط ظلماً في الذاكرة السياسية؛ قد تكون لديك
خصومة مع قيادات الإخوان، قد تتهمها بسوء الإدارة، قد ترفض مشروعها السياسي، قد ترى
أنها أخطأت في الحكم، لكن الرجل الذي جاء إلى رابعة لأنه يريد عودة الرئيس الذي انتخبه ليس بالضرورة مسؤولاً عن كل قرار اتخذته قيادة الجماعة، والمرأة التي جاءت تحمل
صورة زوجها أو ابنها ليست بالضرورة عضوة في التنظيم، والشاب الذي جلس في الميدان احتجاجاً
على عزل مرسي لا يصبح هدفاً مشروعاً لأن شخصاً آخر في المكان نفسه حمل سلاحاً، فالمسؤولية
فردية وهذا مبدأ لا يجوز أن يسقط عندما يتعلق الأمر بخصم سياسي.
رابعة لم تكن فقط معركة على مرسي
كانت أيضاً معركة على معنى الديمقراطية نفسها؛ لأن السؤال
الذي حمله المعتصمون كان: إذا كان الرئيس المنتخب يمكن أن يُعزل بالقوة، فما قيمة
الانتخابات؟ وهذا السؤال لا يخص الإخوان بل يخص كل مصري؛ اليوم قد تكون أنت مع
الرئيس وغداً قد تكون ضده اليوم، قد تكون الأغلبية معك وغداً قد تجد نفسك أقلية، وإذا
قبلت أن تُسقط إرادة صندوق الانتخابات بالقوة عندما تكون النتيجة ضدك، فقد فتحت الباب
لمن يفعل الشيء نفسه عندما تكون النتيجة ضدك في المستقبل.
الديمقراطية ليست ضمانة أن تفوز دائماً
الديمقراطية هي ضمانة أن تخسر دون أن تُقتل، وأن تعارض
دون أن تُسحق، وأن تعود إلى الانتخابات بدلاً من العودة إلى السلاح. ولذلك فإن رابعة ليست “دفاعاً عن الإخوان”، هذه مغالطة مريحة.. فيمكن للمرء أن يكون ضد
الإخوان تماماً، ومع ذلك يكون ضد قتل المتظاهرين، يمكن أن يرفض مشروعهم السياسي، ومع
ذلك يدافع عن حق أنصارهم في الاعتصام، يمكن أن يرى أن مرسي أخطأ، ومع ذلك يرفض عزله
بالقوة يمكن أن يختلف مع رابعة سياسياً، ولكنه يرفض تحويل الميدان إلى مقبرة.
حقوق الإنسان لا تُمنح للأصدقاء فقط
وإذا أصبحت الحرية حقاً لمن أتفق معهم فقط، فهي ليست حرية
وإذا أصبح الدم حراماً عندما يسيل من معسكري، وحلالاً عندما يسيل من معسكر خصمي، فهذه
ليست أخلاقاً.
اقرأ أيضا: الإمارات.. انخفاض في درجات الحرارة على المناطق الساحلية غداً
أكبر ظلم لرابعة هو تحويل ضحاياها إلى أرقام
كان لكل واحد منهم اسم كان له أب وأم وزوجة وأبناء وحلم وعمل
وحياة، وقد يكون أخطأ سياسيا وقد يكون اختار التنظيم الخطأ، وقد يكون صرخ في الهتاف
الخطأ، وقد يكون وقف في الميدان الخطأ من وجهة نظر خصومه، لكن لا أحد من ذلك يسلبه
حقه في الحياة، وحين تسقط جثة إنسان، لا يصبح السؤال الأول: هل كان إخوانياً؟ بل: من قتله؟ ولماذا؟ وهل كان يمكن تجنب قتله؟
الإنصاف لا يعني تبرئة كل شيء
الإنصاف الحقيقي لرابعة لا يحتاج إلى تزوير.. لا نقول إن كل
من كان في رابعة كان بريئاً من كل شيء، ولا نقول إن قيادة الاعتصام لم ترتكب أخطاء،
ولا نقول إن الاعتصام لم يشهد تجاوزات، ولا نقول إن الدولة لم تكن تواجه مخاطر أمنية
حقيقية، بل نقول شيئاً أكثر صلابة: كل هذه الحقائق لا تجعل قتل المعتصم السلمي مشروعاً. وهذه هي المسافة بين النقد السياسي والقتل السياسي.
رابعة امتحان أخلاقي
لقد كان من السهل جداً أن تكون إنساناً مع من تحب، لكن الاختبار
الحقيقي كان أن ترى الإنسان في خصمك أن تقول: “أنا أكره الإخوان، لكنني لا أقبل
قتلهم”، وأن تقول “أنا ضد مرسي، لكنني لا أقبل أن يُقتل من يطالب بعودته”،
وأن تقول “أنا مع الدولة، لكنني لا أقبل أن تكون الدولة فوق القانون”، وأن
تقول “أنا ضد الاعتصام، لكنني لا أقبل أن يصبح فضه عملية قتل جماعي”. هذه
هي الدولة التي نريدها وهذه هي الأخلاق التي نحتاجها.
رابعة.. جرح الديمقراطية قبل أن تكون جرح جماعة
سيبقى الخلاف قائماً حول مرسي وغير مرسي، وسيبقى الخلاف قائماً
حول الإخوان وغير الإخوان، وسيبقى الخلاف قائماً حول 30 يونيو، لكن هناك شيئاً لا ينبغي
أن يختلف عليه الأحرار: لا يجوز أن يكون الاحتجاج على الانقلاب جريمة تستحق الموت، ولا يجوز أن يصبح الدفاع عن نتيجة صندوق الانتخابات فعلاً إرهابياً في ذاته، ولا
يجوز أن يصبح الاعتصام السلمي مبرراً لإطلاق النار على الناس، ولا يجوز أن تُقاس قيمة
الإنسان بانتمائه السياسي. لقد كان من الممكن إنهاء رابعة سياسياً، وكان من الممكن
التفاوض، وكان من الممكن فتح ممرات آمنة حقيقية، وكان من الممكن استخدام وسائل غير
قاتلة، وكان من الممكن البحث عن تسوية تاريخية تنقذ مصر من الدم، لكن التاريخ اختار
الطريق الأكثر قسوة وفي 14 آب/أغسطس 2013؛ لم يسقط أشخاص فقط، سقط شيء من روح السياسة
المصرية.
ولهذا أقول اليوم..
لا نطلب من أحد أن يحب الإخوان، ولا نطلب من أحد أن يؤيد مرسي،
ولا نطلب من أحد أن يوافق على كل ما قيل في رابعة؛ نطلب فقط شيئاً أصغر من ذلك بكثير،
وأعظم منه في الوقت نفسه: أن يكون الإنسان إنساناً قبل أن يكون خصماً، أن نعترف
بأن بين الذين قتلوا في رابعة أناساً لم يحملوا سلاحاً، وأن الاحتجاج السياسي ليس جريمة،
وأن الرئيس المنتخب لا يُعزل بالرصاص، وأن الدولة لا تُثبت قوتها بزيادة عدد القبور،
وأن أي أخطاء سياسية لا تُحوّل أتباعها إلى أهداف مشروعة، وأن العدالة لا تبدأ من السؤال
“مع من كنت؟”، بل تبدأ من السؤال “ماذا حدث لك؟”. وسيظل
هذا هو جوهر رابعة.
لم تكن القضية أن يكون المرء إخوانياً أو ضد الإخوان كانت
القضية، في أبسط صورها وأكثرها إنسانية، أن يقول مواطن أنا أرفض أن تُنتزع إرادتي
السياسية بالقوة وأن يكون الرد على هذا الاعتراض: رصاصة.
وهنا تحديداً يصبح الأمر أكبر من أي جماعة، وأكبر من أي رئيس، وأكبر من ميدان، إنه سؤال
مصر عن نفسها: هل يكون صندوق الاقتراع أقوى من البندقية؟ إذا كانت الإجابة نعم،
فلابد أن ننصف رابعة.. وإذا كانت الإجابة لا، فعلينا أن نعترف بأن ما حدث لم يكن مجرد
فض اعتصام.
كان جرحاً عميقاً في التجربة الديمقراطية المصرية، وجرحاً
أعمق في الضمير الإنساني.
رحم الله كل من قُتل ظلماً، وحفظ مصر من أن تعود يوماً إلى
زمنٍ يصبح فيه الاختلاف السياسي سبباً للموت. فالذين جلسوا في رابعة دفاعاً عن حقهم
السياسي لم يكونوا جميعاً ملائكة، لكنهم أيضا لا يجوز أن يكونوا أهدافاً مشروعة لرصاص
العسكر. وهذه الجملة وحدها تكفي كي نبدأ كتابة تاريخ أكثر عدلاً.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
اقرأ أيضا: المنتخب الوطني النسوي ت17 ينهي تحضيراته لمواجهة سنغافورة ودياً
