بين تباين الخصوم ورسائل الردع.. كيف تتجاوز “اتفاقية مكة” امتحان الميدان؟ | سياسة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

وسط تطورات عسكرية وأمنية عاصفة تشهدها المنطقة إثر الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، جاء توقيع السعودية وتركيا وباكستان في مكة المكرمة اتفاقية للدفاع المشترك ليشكل منعطفا في بيئة الإقليم الأمنية.

اقرأ أيضا: بلدية مادبا والاتحاد الاردني للدراجات يبحثان تنظيم سباق للدراجات الهوائية

 

وينص البند الرئيسي لـ”اتفاقية مكة” على مبدأ الردع والدفاع الجماعي، حيث يُعد أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هجوما عليها جميعا، مع الالتزام بتطوير كافة أوجه التعاون الدفاعي والتكنولوجي.

وتطرح هذه الخطوة تساؤلات جوهرية حول طبيعة الاتفاقية ومستقبلها، فهل تمهد لميلاد حلف عسكري دائم، أم تظل أداة تنسيق مرحلي لضبط التوازنات؟ فضلا عن التحديات التي تواجه هذا التحالف؟

وفي هذا الإطار، يرى مدير وحدة الدراسات السياسية بالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مروان قبلان أن الاتفاقية تمثل تحالفا سياسيا أمنيا تتقاطع أطرافه في المصالح، ولكنه لا يرتقي إلى مرحلة “المحور العسكري المكتمل”، نظرا لاختلاف تحديد مصدر التهديد الرئيسي لدى كل دولة (السعودية تجاه إيران والحوثيين، باكستان تجاه الهند، وتركيا تجاه اليونان وإسرائيل).

وأكد قبلان -خلال حديثه لبرنامج “سيناريوهات”- أن الاتفاقية تعمل تحت المظلة الأمريكية لتخفيف الأعباء الأمنية، واعتبر أن العدوان الإسرائيلي على قطر في سبتمبر/أيلول 2025 عجّل بهذه التفاهمات، وأبعد الرياض عن مسار الاتفاقات الإبراهيمية.

توقيع اتفاقية الدفاع بين باكستان وتركيا والسعودية في مكة من شاشة الجزيرة
وُقعت الاتفاقية في مكة المكرمة يوم 7 أغسطس/آب 2026 (الجزيرة)

وبدوره، ركز مدير مركز القرن العربي للدراسات سعد بن عمر على البُعد الشامل للاتفاقية باعتبارها تحالفا اقتصاديا وتكنولوجياً وإستراتيجياً بنقل التقنيات والتصنيع العسكري وتبادل الأسواق.

وأكد بن عمر أن الرياض خرجت من عباءة الحليف الواحد، مشيرا إلى أن التحالف يوفر ردعا مبكرا لإيران قبل الإقدام على أي خطوة ضد الخليج، كما أوضح أن استبعاد مصر يعود لالتزاماتها بكامب ديفيد وسياستها الاقتصادية.

ومن أنقرة، شدد خبير الشؤون الأمنية والسياسات الدفاعية العقيد المتقاعد يوسف ألاباردا على أن تركيا وضعت نفسها في قلب معادلات الأمن الإقليمي، موضحا أن الاتفاقية تشبه حلف شمال الأطلسي (الناتو) من حيث مأسسة العمل وأمانتها العامة المرتقبة، ولن تتضارب مع الالتزامات الأطلسية. وأبرز أهمية التكامل التكنولوجي والمسيّرات والأنظمة الدفاعية التركية، مع إمكانية إنشاء قواعد عسكرية مشتركة مستقبلا.

ومن جانبه، أوضح عبد الباسط محمد -وهو المتحدث السابق باسم وزارة الخارجية الباكستانية- أن إسلام آباد استثمرت ثقلها العسكري والنووي لتحويله إلى نفوذ سياسي.

واعتبر محمد أن “الغموض المتعمد” في بنود الاتفاقية يمنحها مصداقية وقوة رادعة، مؤكدا أن تفعيل الاتفاق يتطلب وقتا ومأسسة عبر قمم دورية واجتماعات عسكرية متواصلة.

ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يتوسط الرئيس التركي أردوغان (يسار) ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف
ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يتوسط الرئيس التركي أردوغان (يسار) ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (الجزيرة)

لمن يُوجَّه الاتفاق ورسائل الردع؟

يُجمع محللو برنامج “سيناريوهات” على أن الاتفاق ذو طابع دفاعي صريح يهدف لمنع الحرب لا لخوضها، عبر التلويح بتكامل 3 قدرات:

  • الثقل المالي ومركزية الطاقة (السعودية).
  • الصناعات الدفاعية والجيش التاسع عالميا (تركيا).
  • القوة العسكرية النووية (باكستان).

كما يحقق الاتفاق ردعا متعدد الاتجاهات:

  • رادع لإيران ووكلائها عن استهداف دول الخليج وإمدادات الطاقة.
  • رادع لإسرائيل للحد من التجاوزات الإقليمية.
  • رادع للهند في حساباتها المباشرة مع باكستان.
ANKARA, TURKEY - JULY 08: Recep Tayyip Erdogan, President of Turkey holds a press conference at Beştepe Presidential Compound during the NATO Summit on July 8, 2026 in Ankara, Turkey. Leaders from NATO's 32 countries, plus NATO allies like Ukraine, gathered in the Turkish capital to discuss a range of issues involving spending targets, defense industrial production, and support for Ukraine, among other topics. (Photo by Serdar Ozsoy/Getty Images)
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قال إن الاتفاقية لا تستهدف أي دولة (غيتي)

التحدي الرئيسي

وتواجه اتفاقية مكة 4 تحديات جوهرية حددها محللو “سيناريوهات”:

اختبار المصداقية والردع العملي: يظل التحدي الأكبر في كيفية ترجمة الاتفاق ميدانيا في حال تعرضت إحدى الدول لهجوم مباشر، واختبار مدى قدرتها على الاستجابة العسكرية وتحديد طبيعة الاعتداء الذي يستوجب التحرك الجماعي، كما يقول عبد الباسط محمد.

اقرأ أيضا: «عمل الأعيان» تقر « تنظيم العمل المهني»

التوافق العملياتي والهيكلي: تحدي التنسيق بين 3 قوات مسلحة مختلفة في العقائد والتسليح والتدريب والقيادة والسيطرة عبر مسافات جغرافية متباعدة، حسب يوسف ألاباردا.

المأسسة وتجاوز الثقافة الفردية: في هذا السياق، أشار مروان قبلان إلى أن المنطقة تفتقر تاريخيا إلى ثقافة “الأمن الجماعي”، ويبقى الامتحان في بناء أمانة عامة ولجان مشتركة تحوّل النص الورقي للاتفاقية إلى مؤسسة دائمة.

المواجهة التشويشية والمحاور المضادة: كشف المحللون أن إسرائيل وأطرافا مضادة قد تسعى لإرباك الاتفاق وزرع الخلافات بين أطرافه عبر تحريك ملفات خلافية (مثل الهند ضد باكستان أو اليونان وقبرص والأكراد ضد تركيا)، أو محاولة بناء تحالفات مقابلة.

سيناريوهات التوسع والمستقبل

وخلص المحللون إلى أن الاتفاق سيتجه في المدى المنظور نحو التثبيت الداخلي للمؤسسات والترتيبات اللوجستية بين الدول الثلاث بدلا من التوسع السريع.

ورغم أن باب الانضمام مفتوح -حسب تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ووزير خارجيته هاكان فيدان– وترشيح دول مثل قطر مستقبلا، فإن استيعاب أعضاء جدد على غرار مصر أو إيران غير وارد في المرحلة الحالية، لضمان تناسق آلية العمل وتجنب تفكيك الروح الأمنية للتحالف.

اقرأ أيضا: «الإدارية النيابية» تقر مشروع قانون الإدارة المحلية

‫0 تعليق