الريسوني يفتح مواجهة فكرية مع وزارة الأوقاف المغربية عن الكسوف الأصغر والأكبر

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

فتح المفكر الإسلامي أحمد الريسوني، في مقال
جديد بعنوان “وزارة الأوقاف بين الكسوف الأصغر والكسوف الأكبر”، نقاشًا
يتجاوز المناسبة الفلكية المرتبطة بكسوف الشمس، ليضع أداء وزارة الأوقاف والشؤون
الإسلامية المغربية أمام أسئلة أوسع تتصل بموقع المذهب المالكي، ووظيفة المؤسسة
الدينية، وتراجع القيم والأخلاق في المجتمع.

اقرأ أيضا: الأمطار الغزيرة تعطّل حركة المسافرين بمطار ناريتا الياباني

وقد بنى الريسوني مقالته على مفارقة بلاغية
واضحة: فالوزارة، في نظره، التفتت إلى “الكسوف الأصغر”، أي الظاهرة
الفلكية وما يرتبط بها من أحكام صلاة الكسوف، لكنها لم تلتفت بالقدر نفسه إلى “الكسوفات
الكبرى” التي يرى أنها تصيب المجتمع المغربي في دينه وأخلاقه وقيمه.

من الظاهرة الفلكية إلى سؤال المؤسسة
الدينية

ينطلق الريسوني من موقف وزارة الأوقاف من
صلاة الكسوف في أوقات الكراهة وفق المذهب المالكي، ليحوّل المسألة من حكم فقهي
جزئي إلى مدخل لمساءلة أوسع: ماذا يعني أن تتمسك المؤسسة الدينية بالمذهب المالكي
في تفاصيل العبادات، بينما يتراجع حضور هذا المذهب، بحسب الكاتب، في القضايا
العامة والتشريعية والاجتماعية؟

وهنا تكمن الفكرة المركزية للمقال؛
فالريسوني لا يناقش صلاة الكسوف لذاتها، وإنما يستخدمها بوصفها مرآة يرى من خلالها
علاقة المؤسسة الرسمية بالدين. فهو يعتبر أن الاهتمام بالتفاصيل الفقهية لا ينبغي
أن يحجب الأسئلة الكبرى التي تمس حياة الناس، وأن وظيفة العالم والمؤسسة الدينية
لا تكتمل بتحديد حكم النافلة في وقت الكراهة، إذا كانت قضايا الظلم والفساد
الأخلاقي والاجتماعي وتراجع القيم تفرض نفسها في الحياة اليومية.

بهذا المعنى، فإن “الكسوف” يتحول
في النص من ظاهرة طبيعية مؤقتة إلى استعارة سياسية وأخلاقية: هناك شمس تغيب في
السماء لساعات، لكن هناك، بحسب الريسوني، شمسًا أخرى تغيب عن المجتمع لفترات أطول؛
شمس القيم والمرجعية الدينية والوعي الأخلاقي.

“كسوف المذهب المالكي”.. السؤال
الأكثر حساسية

أكثر أجزاء المقال إثارة للجدل هو حديث
الريسوني عن “كسوف المذهب المالكي نفسه”. فهو يرى أن المذهب الذي ارتبط
تاريخيًا بالمغرب، وأسهم في تشكيل هويته الدينية والاجتماعية، لم يعد حاضرًا
بالصورة نفسها في الحياة السياسية والتشريعية والبرامج الحكومية، ويحمّل وزارة
الأوقاف جزءًا من مسؤولية هذا التراجع. وتتلخص حجته في مفارقة: الوزارة تستدعي
المذهب حين يتعلق الأمر بمسألة فقهية محددة، لكنها ـ وفق رؤيته ـ لا تستدعي منطقه
ومقاصده حين يتعلق الأمر بالقضايا الكبرى التي يعيشها المجتمع.

غير أن هذه الأطروحة تفتح، في المقابل،
سؤالًا فكريًا أعمق من مجرد الخلاف مع الوزارة: ما المقصود بحضور المذهب المالكي
في الدولة الحديثة؟

فهل يعني ذلك أن تكون التشريعات والقوانين
المعاصرة مطابقة بصورة مباشرة لمدونات الفقه المالكي؟ أم أن المقصود استمرار
المذهب باعتباره مرجعية دينية وأصولًا للاجتهاد والإفتاء والتعليم؟ أم أن المطلوب
هو استعادة الدور التاريخي للمذهب في المجال العام؟

هذه الأسئلة ضرورية، لأن الدولة المغربية
المعاصرة ليست نسخة من الدول التاريخية التي نشأ فيها الفقه المالكي وتطور، بل
دولة حديثة لها دستور ومؤسسات وتشريعات ومقتضيات قانونية متشابكة. ومن ثم فإن قياس
حضور مذهب فقهي في الدولة بمجرد البحث عن نصوصه الحرفية في التشريع قد يكون قياسًا
غير كافٍ.

من “فقه الجزئيات” إلى “فقه
القضايا الكبر”

القيمة الفكرية الأبرز في مقال الريسوني
تتمثل في محاولته إعادة ترتيب سلم الأولويات. فهو يريد أن يقول إن الدين لا ينبغي
أن يتحول إلى إدارة للجزئيات منفصلة عن مصائر الناس.

ولهذا يستدعي موقف الإمام مالك من سؤال
الأمير عن «دم البراغيث»، وهي الرواية التي نقلها القاضي عياض في ترتيب المدارك،
ليضعها في مواجهة سؤال أكبر عن «دماء المسلمين». كما يستحضر الرواية المنسوبة إلى
عبد الله بن عمر بشأن مقتل الحسين وسؤال أهل العراق عن دم البراغيث.

إن استدعاء هذه الروايات ليس عرضًا
تاريخيًا، وإنما هو اختيار مقصود لبناء حجة أخلاقية: الفقيه الحقيقي، في التصور
الذي يريد الريسوني إبرازه، لا يفقد البوصلة الكبرى وهو منشغل بالمسألة الصغرى.

وهنا ينتقل المقال من نقد وزارة بعينها إلى
نقد نمط من التدين يمكن أن ينشغل بـ “حكم الشيء” وينسى “مآل
الإنسان”. وهذه ربما هي أكثر نقاط المقال قابلية للنقاش بعيدًا عن التجاذب
السياسي؛ إذ يضع أمام المؤسسة الدينية سؤالًا دائمًا: هل وظيفتها أن تشرح للناس ما
يجوز وما لا يجوز فقط، أم أن عليها كذلك أن تواجه أسباب الانحراف الأخلاقي
والاجتماعي الذي يهدد المجتمع؟

“كسوف الأخلاق”.. من نقد المؤسسة
إلى نقد المجتمع

لا يتوقف الريسوني عند المذهب، بل ينتقل إلى
ما يسميه «كسوف الأخلاق والقيم الإسلامية». ويضع في قائمة القيم التي يرى أنها
تتراجع: الأمانة، والعفة، والنزاهة، والتكافل، والحياء، مقابل الجشع والأنانية
والخيانة والتملق والتسلق وغيرها.

وبذلك تصبح وزارة الأوقاف، في بنية المقال،
مسؤولة ليس فقط عن الخطاب الديني، وإنما عن سؤال أوسع يتعلق بالتحولات الأخلاقية
التي يعيشها المجتمع.

وهذه النقلة هي في الوقت نفسه قوة المقال
ومصدر إشكاله. فقوة النص أنه يرفض اختزال
الدين في الطقوس والفتاوى الجزئية، ويطالب المؤسسة الدينية بأن تنظر إلى الواقع
الاجتماعي بوصفه جزءًا من مسؤوليتها. لكن الإشكال أن تحميل وزارة واحدة مسؤولية
ظواهر أخلاقية واجتماعية واسعة يحتاج إلى تفكيك أكثر تعقيدًا؛ فالأخلاق العامة لا
تصنعها المؤسسة الدينية وحدها، وإنما تتداخل في تشكيلها المدرسة والأسرة والإعلام
والسوق والسياسات العمومية والثقافة الشعبية والمنصات الرقمية والاقتصاد والتحولات
الاجتماعية.

وبالتالي فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط:
ماذا فعلت وزارة الأوقاف؟ بل أيضًا: ما حدود قدرة وزارة الأوقاف أصلًا على صناعة
الأخلاق العامة؟

بلاغة “الكسوف”.. حين تصبح
الاستعارة موقفًا سياسيًا

اختيار الريسوني لمفردة “الكسوف”
ليس تفصيلًا لغويًا. فالمقال كله يقوم على ثنائية: كسوف أصغر/كسوف أكبر، جزئي/كلي،
مؤقت/ممتد، ظاهرة طبيعية/أزمة اجتماعية.

وهذه الثنائية تمنح النص قوة بلاغية واضحة،
لأنها تجعل القارئ ينتقل من مشهد مألوف ـ الشمس المحجوبة ـ إلى مشهد رمزي أوسع ـ
القيم المحجوبة.

لكن الاستعارة نفسها تحمل خطرًا نقديًا؛ إذ
يمكن أن تجعل العلاقة بين المسألة الفقهية والسياسات العامة تبدو أكثر مباشرة مما
تسمح به الوقائع. وهذا ما ذهب إليه ناقدون للمقال، رأوا أن الانتقال من موقف فقهي
محدد بشأن صلاة الكسوف إلى الحكم على أداء وزارة الأوقاف برمته يحتاج إلى أدلة
أكثر تفصيلًا، وأن الالتزام بحكم فقهي مالكي لا يعني بالضرورة أن الوزارة تعتبر
هذه المسألة أهم من القضايا الاجتماعية.

ومن هنا فإن المقال يمكن قراءته على
مستويين: مقال احتجاجي قوي من حيث البلاغة والرسالة، لكنه يطرح في بعض مواضعه
دعاوى مؤسساتية وسياسية تحتاج إلى توثيق تفصيلي حتى تتحول من خطاب نقدي إلى حجة
بحثية مكتملة.

السؤال الغائب: أين تنتهي وظيفة العالم
وتبدأ وظيفة الدولة؟

تحت هذا السجال سؤال دستوري وفكري أكثر
عمقًا: ما حدود وظيفة المؤسسة الدينية الرسمية في الدولة الحديثة؟

فالريسوني يطالب، بصورة مباشرة أو ضمنية،
بمؤسسة دينية أكثر حضورًا في القضايا الكبرى، وأكثر قدرة على مساءلة الواقع. لكن
هذا يفتح سؤالًا مقابلًا: هل المطلوب من المؤسسة الدينية الرسمية أن تكون سلطة
أخلاقية مستقلة، أم جهازًا من أجهزة الدولة الدينية؟

اقرأ أيضا: 49 ساعة غبارية في الإقليم.. و6 ساعات تسجلها المملكة

المفارقة أن المطالبة بمزيد من حضور الدين
في المجال العام قد تقود، إذا لم تُضبط مفاهيميًا، إلى سؤال آخر حول استقلال
العلماء والمؤسسات الدينية عن السلطة السياسية.

ومن هنا يصبح النقاش الحقيقي أوسع من وزارة
الأوقاف: إنه نقاش حول الدين الرسمي، وحدود الوصاية الدينية، واستقلال العالم،
وعلاقة الفقه بالدولة، ومكانة المذهب في التشريع، ودور المنبر في الحياة العامة.

“الإسلام السمح” بين الاعتدال
والتمييع

ينتقد الريسوني أيضًا ما يسميه إطار “الإسلام
السمح”، ويربطه بما يعتبره سياسات للتمييع والتتفيه والبهرجة. وهذه نقطة
شديدة الحساسية؛ لأنها تضع مفهوم الاعتدال الديني نفسه موضع مساءلة.

فالمشكلة، وفق قراءة الريسوني، ليست في أن
يكون الإسلام سمحًا ومعتدلًا، وإنما في أن يتحول مفهوم السماحة إلى خطاب منزوع من
قدرته على النقد الأخلاقي والاجتماعي.

وهنا يطرح المقال إشكالية تستحق نقاشًا
أوسع: هل يمكن للمؤسسة الدينية أن تجمع بين الاعتدال الديني والقدرة على تسمية
الظواهر السلبية بأسمائها؟ وهل يعني خطاب الوسطية تجنب الصدام مع الواقع، أم أن
الوسطية الحقيقية قد تتطلب أحيانًا موقفًا نقديًا صريحًا تجاه السلطة والمجتمع
معًا؟

ما الذي يضيفه مقال الريسوني إلى النقاش؟

بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع
أطروحات الريسوني، فإن مقاله يضع يده على مفارقة حقيقية في الخطاب الديني المعاصر:
كيف يمكن التوفيق بين المحافظة على الموروث الفقهي وبين القدرة على التعامل مع
الأسئلة الجديدة؟ وكيف يمكن للمذهب أن يبقى حيًا من دون أن يتحول إلى مجرد أحكام
جزئية؟ وكيف يمكن للمؤسسة الرسمية أن تحافظ على المرجعية الدينية من دون أن تفقد
قدرتها على النقد؟

وإذا كان الريسوني يرى أن هناك «كسوفًا»
للمذهب والأخلاق، فإن الرد الفكري الأكثر جدوى لا يكون بمجرد الدفاع عن الوزارة أو
مهاجمة الكاتب، وإنما بتقديم إجابات محددة عن الأسئلة التي يطرحها المقال.

فإذا كان المذهب المالكي حاضرًا، فأين يتجلى
هذا الحضور؟ وإذا كان متراجعًا، فما أسباب التراجع؟ وإذا كانت الأخلاق في أزمة،
فما مسؤولية المؤسسة الدينية عنها؟ وإذا كان الخطاب الديني الرسمي يلتزم بضوابط
معينة، فما حدود تلك الضوابط؟ وإذا كان المطلوب تجديد الخطاب الديني، فهل التجديد
يعني الخروج من المذهب أم إعادة تفعيله من داخله؟

من “صلاة الكسوف” إلى
أزمة المرجعية

في نهاية المطاف، لا تكمن أهمية مقال أحمد
الريسوني في موقفه من صلاة الكسوف بحد ذاته، وإنما في الأسئلة التي حاول أن يفتحها
من خلال هذه المناسبة. فقد نقل النقاش من السماء إلى الأرض، ومن الظاهرة الفلكية
إلى ظاهرة اجتماعية، ومن الحكم الفقهي الجزئي إلى سؤال المرجعية الدينية والأخلاق
العامة.

ومع أن بعض تعميماته تحتاج إلى توثيق أدق،
ولا سيما ما يتعلق بادعاءات المنع والتراجع الشامل لحضور المذهب المالكي، فإن
المقال ينجح في بناء صورة نقدية لافتة: مؤسسة دينية تستطيع أن ترى الكسوف حين يقع
في السماء، لكنها ـ بحسب الريسوني ـ مطالبة بأن تكون أكثر قدرة على رؤية الكسوف
حين يقع في المجتمع.

وهنا تحديدًا يتحول “الكسوف الأكبر”
إلى سؤال يتجاوز أحمد الريسوني ووزارة الأوقاف معًا: ماذا نريد من الدين في المجال
العام؟ وهل تكون قوة المرجعية الدينية في كثرة الأحكام التي تقدمها، أم في قدرتها
على حماية الإنسان والقيم والعدل والكرامة من التحول إلى مجرد شعارات؟

وذلك هو، في جوهره، الرهان الفكري الذي
يتركه المقال مفتوحًا أمام النقاش المغربي والعربي.

اقرأ أيضا: بسبب ألفاريز.. ريال مدريد يشعل حربًا جديدة مع برشلونة

‫0 تعليق