إســـلام عفيفى يكتب: الحليف حين يصبح عبئًا أمريكا بين رواية إسرائيل ونفاد الذخيرة وفخ الاحتواء

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

ثلاثة تقارير أمريكية أخيرة لا تقف خطورتها أنها تكشف واقعة أمنية غريبة حول تغيير طائرة الرئيس الأمريكى، أو خسارة ربع أسطول من مسيرات «ريبر»، أو نقصًا حادًا فى صواريخ الاعتراض، هذه بالتأكيد تفاصيل مهمة، لكنها ليست جوهر القضية، فالحرب التى قُدمت للرأى العام باعتبارها استعراضًا للقوة الأمريكية والإسرائيلية انتهت إلى كشف حدود هذه القوة: استخبارات حليف لا تثق بها واشنطن بالكامل، وترسانة أمريكية تُستنزف أسرع مما تنتج، وخيار سياسى أخير اسمه الاحتواء، أى الاعتراف بأن الحسم لم يحدث.

اقرأ أيضا: د. آمال عثمان تكتب: شعب الله المختار!

فى البداية حاولت إسرائيل أن تظهر فى صورة الحليف الذى يرى ما لا تراه أمريكا، رواية التهديد الإيرانى لطائرة الرئيس الأمريكى كانت، من زاوية تل أبيب، فرصة ذهبية لتأكيد تفوقها الاستخباراتى: نحن نعرف، نحن نرصد، نحن نحمى حتى الرئيس الأمريكى من الخطر الإيرانى، لكن المفارقة أن وكالة الاستخبارات المركزية لم تتعامل مع هذه الرواية باعتبارها حقيقة مكتملة، بل صنفتها منخفضة الثقة، واعتبر بعض المسئولين الأمريكيين أن المعلومات إسرائيلية المصدر وليست ثمرة جمع أمريكى مستقل.

هذه هى المنطقة الرمادية الأخطر فى العمل الاستخبارى، لم تعد المعلومة مجرد أداة لكشف الحقيقة، بل أصبحت وسيلة لصناعة القرار أو دفعه فى اتجاه معين، فإذا كان بعض المحللين الأمريكيين قد رأى أن التحذير الإسرائيلى ربما استهدف التأثير على قرارات واشنطن، أو إفساد مسار تقارب أمريكى – تركى، فنحن لسنا أمام تعاون استخبارى برىء، بل أمام استخدام للمعلومة الأمنية كورقة ضغط، الحليف لا يقول فقط: هناك خطر، بل يقول ضمنيًا: تحركوا كما نريد، لأن الخطر الذى نراه نحن لا يجوز أن تتجاهلوه أنتم.

أما التقرير الثانى فقصة الذخائر والمسيرات، فهى تكشف أن المشكلة لم تعد فى القرار فقط، بل فى القدرة على الاستمرار، فقدان نحو 45 مسيرة MQ-9 Reaper من أصل نحو 185 ليس تفصيلًا عسكريًا هامشيًا، نحن نتحدث عن ربع أسطول تقريبًا من طائرات كانت رمزًا لعصر التفوق الأمريكى فى المراقبة والاستهداف عن بُعد، هذه الطائرات كانت تصلح فى بيئات تملك فيها أمريكا سيطرة جوية شبه كاملة، لكنها تصبح أكثر هشاشة عندما تواجه دفاعات قادرة ووكلاء يتعلمون ويتكيفون.

ثم يأتى استهلاك الصواريخ ليكشف عمق الورطة، إطلاق مئات من توماهوك، وأكثر من ألف صاروخ باتريوت وثاد خلال مرحلة قصيرة، يعنى أن أمريكا لم تكن تخوض حربًا محدودة بالمعنى الحقيقى، بل حرب استنزاف عالية الكلفة، الأخطر أن الإنتاج لا يلاحق الاستهلاك، إذا كانت مصانع الصواريخ تحتاج سنوات لتعويض ما يُستهلك فى أسابيع، فنحن أمام معادلة مقلوبة: ساحة المعركة تتحرك بسرعة، والصناعة الدفاعية تتحرك ببطء.

هنا يظهر مأزق إسرائيل بصورة أكثر حدة، إسرائيل تستطيع أن تدفع نحو التصعيد، وتستطيع أن تقدم معلومات استخبارية، وتستطيع أن تطلب من واشنطن تشديد الضربات، لكنها لا تستطيع وحدها دفع فاتورة حرب إقليمية طويلة، تحتاج إلى الذخائر الأمريكية، والدفاعات الأمريكية، والمظلة الأمريكية، والفيتو الأمريكى، والمال السياسى الأمريكى، فإذا بدأت واشنطن تشك فى بعض معلوماتها، وفى الوقت نفسه تشعر أن ترسانتها تنزف، فإن العلاقة تنتقل من مرحلة «الحليف الضرورى» إلى مرحلة «الحليف المكلف».

ثم يأتى التقرير الثالث: الاحتواء، حين تنتقل الافتتاحيات الأمريكية من الحديث عن الحسم والضربات إلى الدعوة لاحتواء طويل الأمد، فهذا ليس انتصارًا لغويًا، بل اعتراف سياسى، الاحتواء يعنى ببساطة أن الخصم لم يُهزم، وأن النظام لم يسقط، وأن السلاح لم يُنتزع، وأن الممرات لم تُحسم، وأن واشنطن مضطرة لإدارة خطر مستمر بدل إزالته.
الاحتواء قد يكون الخيار الأكثر عقلانية أحيانًا، لكنه ليس مرادفاً للنصر، هو إدارة الهزيمة الجزئية بوسائل أقل تكلفة، هو أن تقول أمريكا: لا نستطيع تحمل حرب مفتوحة، ولا نستطيع قبول صفقة مهينة، ولا نستطيع إسقاط إيران، لذلك سنطيل الحصار، ونحافظ على الردع، ونمنعها من التمدد، وننتظر تغير الظروف، هذه ليست استراتيجية منتصر، بل استراتيجية قوة عظمى اصطدمت بحدود أدواتها.

هذا هو جوهر الورطة الأمريكية، فى الظاهر واشنطن تملك كل شىء: طائرات، حاملات، صواريخ، قواعد، حلفاء، اقتصاد ضخم، شبكات استخبارات. لكن فى العمق، كل هذه الأدوات لا تجيب عن السؤال السياسى الحاسم: ما الهدف النهائى؟ إسقاط النظام؟ مستحيل بلا حرب أوسع، إنهاء البرنامج النووى؟ صعب بلا اتفاق ورقابة، كسر نفوذ إيران الإقليمى؟ يحتاج سنوات وحروبًا فرعية، تأمين هرمز؟ يتطلب وجودًا دائمًا وكلفة مستمرة، إرضاء إسرائيل؟ قد يعنى حربًا لا تريدها أمريكا.

إسرائيل أيضًا فى مأزق لا يقل عمقًا، إذا واصلت الدفع نحو التصعيد، ستظهر كمن يستنزف أمريكا لمصلحته، وإذا قبلت بالاحتواء، فهى تعترف بأن إيران باقية كتهديد طويل المدى، وإذا هاجمت أى صفقة أمريكية، فقد تصطدم بتيار داخل واشنطن يقول إن إسرائيل لم تعد تملك حق تحديد كلفة الحرب الأمريكية، وإذا بالغت فى توظيف الاستخبارات، قد تفتح باب الشك فى واحد من أهم أسلحتها: المصداقية الأمنية.

اقرأ أيضا: قاضٍ أمريكي يأمر جوجل بتسهيل تثبيت متاجر التطبيقات المنافسة على أندرويد

أما إيران، فهى ليست منتصرة بالمعنى الكامل، لكنها لم تُهزم بالمعنى الذى أراده خصومها، تلقت ضربات وخسرت معدات وقدرات، لكنها نجحت فى فرض سؤال الكلفة، وهذه نقطة كافية لتغيير حسابات الحرب، فالحرب ليست فقط من يقصف أكثر، بل من يستطيع أن يجعل استمرار المعركة غير مريح لخصمه.

هذه ليست ثلاثة مشاهد منفصلة بل نحن أمام مثلث أزمة: رواية استخبارية إسرائيلية لا تثق بها واشنطن بالكامل، وترسانة أمريكية تنزف أسرع مما تتجدد، وخيار احتواء يكشف أن الحسم السريع كان وهمًا، وبين أضلاع هذا المثلث تظهر الحقيقة التى يحاول كثيرون تجميلها: إسرائيل أرادت حربًا حاسمة ضد إيران، وأمريكا وجدت نفسها فى حرب تستنزفها، وإيران لم تسقط، والمنطقة بقيت معلقة بين صفقة محرجة واحتواء طويل وتصعيد متقطع.

أكبر فشل هنا ليس عسكريًا فقط، بل فشل فى تعريف النهاية، من يبدأ حربًا بلا نهاية واضحة سيكتشف أن كل انتصار تكتيكى قد يتحول إلى خسارة استراتيجية، ومن يثق فى معلومات حليف بلا مراجعة قد يجد قراره مرتهنًا، ومن يطلق الصواريخ بلا حساب سيجد نفسه بعد أسابيع يحصى المخازن بدل أن يحصى المكاسب.

لهذا تبدو أمريكا اليوم فى ورطة: لا تريد أن تبدو مهزومة، ولا تستطيع أن تبدو منتصرة، لا تريد أن تترك إيران، ولا تريد حربًا أوسع معها، لا تريد إغضاب إسرائيل، لكنها بدأت تدرك أن حسابات تل أبيب ليست دائمًا حسابات واشنطن.
وهذه هى النهاية القاسية لكل حرب تبدأ بثقة زائدة: تكتشف القوة العظمى أن المشكلة لم تكن فى القدرة على الضرب، بل فى القدرة على الخروج، وأن المأزق الحقيقى ليس فى صاروخ ناقص أو مسيرة ساقطة، بل فى استراتيجية لم تعرف منذ البداية كيف تنتهى.
 

اقرأ أيضا: الإسماعيلي يفاوض محمد بن خماسة لجدولة مستحقاته وإنهاء قضيته أمام الفيفا

‫0 تعليق