
عبارة كانت كافية لأن يقفز د. وسيم السيسى، طبيب المسالك البولية، من التاريخ إلى الدين، ومن الجينات إلى منطقة لا تكفى فيها الجرأة وحدها لإصدار الأحكام! فالرجل لم يكتفِ بالحديث عن حضارة من أعظم حضارات العالم، وإنما قرر أن يمنح المصريين لقبًا دينيًا شديد الحساسية، هو «شعب الله المختار» وأن يقدم ادعاءً جينيًا يقول إن 86.6% من المصريين يحملون جينات مرتبطة بالملك توت عنخ آمون.
اقرأ أيضا: قاضٍ أمريكي يأمر جوجل بتسهيل تثبيت متاجر التطبيقات المنافسة على أندرويد
وهكذا وجدنا أنفسنا أمام وصفة عجيبة تجمع التاريخ والدين والجينات، مع لمسة من «الاختيار الإلهى»! وكأن علم المصريات أصبح عيادة متعددة التخصصات، يستطيع فيها الطبيب أن يكتب روشتة للتاريخ، ويشخّص الجينات، ثم يوزع ألقابًا دينية على الشعوب! المشكلة ليست فى الفخر بمصر، ولا فى الإعجاب بحضارتها؛ فذلك حق مشروع بل واجب، وإنما المشكلة فى أن يتحول الفخر إلى فتوى، والفتوى إلى حقيقة علمية لا نعرف مصدرها أو أدلتها.
إن الحضارة المصرية أكبر من أن تحتاج إلى لقب مستعار من سجالات دينية، وأعظم من أن تثبت عظمتها بنسبة جينية لم تُعرض دراستها العلمية المحكمة على العلماء.
والأغرب أن هذه ليست المرة الأولى التى يقتحم فيها الدكتور وسيم مساحات علمية شديدة التخصص بآراء وادعاءات بلغت حد الحديث عن الأطباق الطائرة والكائنات الفضائية، والقول بأن الأهرامات كانت محطات لتوليد الطاقة. وهى أطروحات أثارت اعتراض علماء المصريات، هنا يصبح السؤال: هل نحن أمام باحث يطرح فرضيات، أم أمام «موسوعة متنقلة» قررت أن تفتى فى التاريخ والدين والجينات؟!
اقرأ أيضا: الإسماعيلي يفاوض محمد بن خماسة لجدولة مستحقاته وإنهاء قضيته أمام الفيفا
علم المصريات يا سادة ليس حواديت تُروى، ولا خليطًا من الحكى والخرافة، ولا ساحة مفتوحة للنظريات العجيبة التى تُلقى بلا سند، وتُقدم للجمهور باعتبارها حقائق، إنه علم له أدواته ومناهجه وقواعده، يستند إلى الأثر والنص والوثيقة والدليل، ويخضع للبحث والتحليل؛ لذا فإنَّ إطلاق ادعاءات كبرى عن الهوية والجينات والحضارة، من دون أدلة موثقة أو بحث علمى محكَّم، لا يضيف شيئًا إلى حضارتنا، بل يُضعفها. وإذا سمحنا للخرافة بأن تزاحم الحقيقة، فقَدَ علم المصريات قيمته وهيبته، وفقَدت هذه الحضارة قدسيتها التى أذهلت العالم.
نحن لا نحتاج إلى اختراع معجزات جديدة للحضارة المصرية؛ فالمعجزة موجودة بالفعل، وعلينا أن نُحسن قراءتها، ونترك للعلم شرف الدفاع عنها.
