كيف تحولت الحرب مع إيران إلى مستنقع جديد للولايات المتحدة بعد العراق؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

يُعرب خبراء السياسة الخارجية الأمريكية عن مخاوفهم إزاء تداعيات الحرب مع إيران، مستشهدين بأصداء تجربة بلادهم خلال غزوها العراق؛ فوسط حالة من الإحباط، تجد الولايات المتحدة نفسها في مواجهة خصم لدود في الشرق الأوسط.

اقرأ أيضا: 60 ألف كندي يطالبون بطرد السفير الأمريكي بسبب حديث “الولاية 51”

بهذا الشأن، نشرت مجلة “بوليتيكو” مقالاً للصحفية نحال طوسي، قالت فيه إن لا أحد، على ما يبدو، يملك استراتيجية راسخة لكسب الحرب في إيران.

ويعيد هذا الوضع إلى الأذهان أحلك أيام حرب العراق في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حين بدت الولايات المتحدة عاجزة عن انتشال ذلك البلد من براثن التمرد والحرب الأهلية.

اظهار أخبار متعلقة


ومع أن معدل الوفيات في الصراع مع إيران كان أقل حتى الآن، إلا أن المخاطر المترتبة عليه أكبر بكثير، وذلك حسبما أفاد مسؤولون أمريكيون حاليون وسابقون.

تقول الكاتبة إن “الصراع مع إيران يخلّف تداعيات عالمية تفوق في أثرها حمام الدم الهائل الذي شهدته حرب العراق؛ ويكفي النظر إلى المعاناة الاقتصادية الناجمة عن سيطرة النظام الإسلامي في طهران على مضيق هرمز”.

ففي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كانت التحديات التي تواجه النفوذ العالمي للولايات المتحدة أقل حدة، وكان بوسعها تحمل تبعات فشل ذريع. أما الآن، فإن مصداقية أمريكا تتراجع جراء تعثر خطواتها في الشرق الأوسط، في حين يتصاعد نجم الصين.

ويقول مراقبون من كلا الحزبين إن الرئيس دونالد ترامب يلحق مزيداً من الضرر بسمعة أمريكا من خلال تردده المستمر بشأن كيفية التعامل مع إيران، وعبر تقويض التحالفات الأمريكية مع دول كان من الممكن أن تقدم المساعدة.

يقول إليوت أبرامز، وهو من الصقور المخضرمين في ملف الشرق الأوسط وعمل مع ترامب خلال ولايته الأولى: “إننا نمر بلحظة بالغة الخطورة، وتُظهر إدارة ترامب حالة من عدم اليقين وانعدام الكفاءة”.

وأيده في ذلك دان شابيرو، الذي شغل منصب مسؤول رفيع في البنتاغون خلال إدارة بايدن، قائلاً: “من الشائع أن نواجه خيارات صعبة تنطوي على مقايضات، لكن من النادر أن نجد أنفسنا في طريق مسدود صنعناه بأيدينا، حيث لا نملك حرفياً سوى خيارات سيئة”.

ولدى سؤال مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين عما يجب فعله لتحقيق النصر، كان الرد الأولي الأكثر شيوعاً أشبه بصرخة ألم غريزية مفادها: “ما كان ينبغي لنا أبداً أن نبدأ هذه الحرب”. وتلا ذلك تساؤل: “ماذا تقصدين بكلمة ’نصر‘؟”

إنه سؤال وجيه، وهو سؤال عجز البيت الأبيض عن الإجابة عنه في ظل استمراره في تغيير أهدافه. لقد بدأ ترامب هذه المواجهة وهو عازم على إنهاء البرنامج النووي الإيراني، وتدمير العديد من القدرات العسكرية الإيرانية، ملمحاً إلى تغيير النظام؛ أما الآن، فيبدو أنه يركز جل اهتمامه على تحرير المضيق من قبضة إيران.

ويسود شعور باليأس بين بعض الموظفين في المستويات الأدنى من الإدارة الأمريكية، قال مسؤول أمريكي مطلع على استراتيجية الإدارة تجاه الشرق الأوسط: “لا أرى مخرجاً من هذا الوضع”.

وأوضح المسؤول أن فريق ترامب “يسيء فهم” حكام إيران بشكل جوهري؛ فترامب ومساعدوه “لطالما اعتقدوا أن بإمكانهم الاستمرار في ممارسة الضغوط المؤلمة لدرجة تجعل إيران تنهار، لكن النظام لن ينهار”.

واشترط هذا المسؤول -وغيره- عدم الكشف عن هويتهم ليتسنى لهم الحديث بصراحة عن قضايا حساسة، ولدى طلب التعليق من مكتب المتحدث باسم البيت الأبيض، صدر البيان التالي: “في حين ظل [الرئيس] ثابتاً على موقفه المفضل للحل الدبلوماسي، فإنه يحتفظ بجميع الخيارات مطروحة إذا ما واصلت إيران ممارسة الإرهاب ورفضت إبرام اتفاق”.

في العراق، وخلال منتصف العقد الأول من الألفية، ومع تزايد أعداد القتلى، واجهت واشنطن صعوبة أيضاً في رسم مسار للمضي قدماً. وتراوحت الأفكار المطروحة بين سحب القوات الأمريكية من المراكز السكانية المكتظة وتقسيم البلاد إلى ثلاثة أقاليم (وكان من بين المؤيدين للفكرة الأخيرة السيناتور آنذاك جو بايدن).

وفي نهاية المطاف، ساهمت زيادة أعداد القوات الأمريكية -مقترنة بإجراءات أخرى، مثل إقناع زعماء القبائل السنية بالتحالف مع القوات الأمريكية ضد تنظيم القاعدة- في تغيير مسار الأحداث.

أما إيران، فهي تمثل تحدياً مختلفاً؛ فهي دولة أكبر مساحة، ولا توجد قوات برية أمريكية على أراضيها، كما أن نظامها لا يزال ممسكاً بزمام السلطة، فضلاً عن أن ردود فعلها تطال حلفاء أمريكا في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

وهناك، تقريباً، ثلاثة تيارات فكرية حول ما ينبغي للولايات المتحدة فعله، ويبدو أن جميعها تستند إلى الأمل أكثر من استنادها إلى الواقع:

يضم التيار الأول “الصقور” الذين يرغبون في تكثيف الضغوط العسكرية وغيرها على طهران. وتشمل مقترحات هذه المجموعة قيام الولايات المتحدة بالسيطرة على جزيرة “خارك” الإيرانية -التي تُعد مركزاً حيوياً لإنتاج النفط-، وإعطاء الضوء الأخضر لعمليات إسرائيلية تستهدف تصفية قادة إيرانيين، وحث دولة الإمارات العربية المتحدة على الاستيلاء على ثلاث جزر متنازع عليها مع إيران؛ وتسليح الجماعات العرقية في أنحاء إيران. ويرى البعض أن أربعة عشر يوماً إضافية من القصف الأمريكي قد تكون كافية.

ويخشى هؤلاء “الصقور” أن يسارع النظام -لا سيما بعد نجاته من هجوم أمريكي-إسرائيلي- إلى بناء سلاح نووي وتصدير المزيد من الإرهاب. ويلمح البعض -وإن كانوا نادراً ما يصرحون بذلك مباشرة- إلى أن ترك إيران لتصبح دولة فاشلة، حتى لو انزلقت إلى حرب أهلية، يُعد خياراً أفضل من بقاء النظام في السلطة.

وقال أحد هؤلاء الصقور -وهو مسؤول أمريكي سابق- رداً على السؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة ستتحمل مسؤولية إصلاح إيران في حال تحولها إلى دولة فاشلة (على غرار ما حاولت فعله في العراق): “لا أؤمن بمبدأ أنك إذا حطمتَ شيئاً ما، فإنك بالضرورة تصبح مسؤولاً عن امتلاكه وإدارته”.

لو وضعنا جانباً الجانب الأخلاقي المتعلق بدفع بلد ما نحو الفوضى، فإنه لا يوجد ضمان بأن المزيد من الإجراءات العسكرية سيؤدي إلى سقوط الجمهورية الإسلامية. فالنظام متجذر في أنحاء إيران بطريقة لم تكن موجودة لدى نظام صدام حسين الديكتاتوري الفردي في العراق. علاوة على ذلك، قد تتغلب النزعة القومية لدى الإيرانيين على محاولات تقسيمهم على أسس عرقية.

وهناك معسكر آخر يضم دعاة “ضبط النفس” — وهم الذين يسعون لخفض التصعيد بغض النظر عما قد تضطر الولايات المتحدة للتنازل عنه لتحقيق ذلك. ويبدو أن هذا التيار يكتسب زخماً متزايداً في أوساط اليسار واليمين على حد سواء، حتى أن بعض مسؤولي إدارة بايدن بدأوا يميلون إلى تلك الأفكار.

يرى دعاة ضبط النفس أن على الولايات المتحدة إبرام اتفاق مع إيران، حتى لو تطلب ذلك تقديم تنازلات مثل تخفيف العقوبات؛ إذ يمكن لاتفاق مماثل لمذكرة التفاهم التي تفاوضت عليها واشنطن سابقاً مع طهران أن يفي بالغرض.

ويجادل هذا الفريق بأنه في حال تعذر التوصل إلى اتفاق، ينبغي للولايات المتحدة الانسحاب تماماً وترك المنطقة لتتعامل مع التداعيات؛ فقدرات إيران العسكرية قد تراجعت، وبالتالي لن يكون الأمر خسارة فادحة لواشنطن. فلماذا المخاطرة بالمزيد من الأرواح والموارد الأمريكية الحيوية، في وقت تعاني فيه الولايات المتحدة بالفعل من نقص في الذخائر؟.

تقول جينيفر كافانا، من مؤسسة “أولويات الدفاع” البحثية التي تتبنى نهج ضبط النفس: “علينا التوقف الآن، والحد من خسائرنا، وإعادة النظر في استراتيجيتنا الدفاعية”.

وتكمن الخطورة في أن هذا المسار قد يؤدي إلى ظهور إيران أكثر جرأة – وهو السيناريو الذي يخشاه “الصقور” – حيث تصبح أكثر ميلاً للشراكة مع الصين وروسيا، ونشر الرعب الذي قد يصل في نهاية المطاف إلى الأراضي الأمريكية.

اقرأ أيضا: “محاولات انتحار بالقفز منها” .. تقارير مُقلقة عن أوضاع حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” الأمريكية | عرب وعالم

وتتابع طوسي، إن مخاطر الانسحاب من دولة فاشلة – أو منطقة فاشلة في هذه الحالة – تشكل درساً كان ينبغي للولايات المتحدة أن تتعلمه من تجربة أفغانستان وهجمات 11 أيلول/ سبتمبر. كما أنه ليس من الواضح ما إذا كان المشهد السياسي الأمريكي المنقسم حالياً يمتلك الانضباط الكافي للتوحد حول استراتيجية دفاعية جديدة.

وهناك أيضاً معسكر ثالث؛ يقع في منطقة وسطى بين “الصقور” ودعاة ضبط النفس، ويحتاج إلى تسمية مناسبة.

يريد هذا الفريق من الولايات المتحدة الإبقاء على حصارها لحركة الملاحة البحرية الإيرانية. ويأملون أن تؤدي خطوة كهذه – إلى جانب العقوبات القائمة والجديدة – إلى استنزاف الاقتصاد الإيراني وإنهاكه، حتى يرضخ النظام للمطالب الأمريكية أو تتم الإطاحة به على يد مواطنيه.

من الأصوات البارزة في هذا السياق “مياد مالكي”، وهو مسؤول سابق في وزارة الخزانة الأمريكية يعمل حالياً لدى “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات”.

ويرفض مالكي الاعتراضات القائلة بأن مثل هذا الحصار لا يلحق الضرر إلا بالإيرانيين العاديين، قائلاً: “النظام هو من يُجَوِّع الشعب الإيراني. ينبغي للولايات المتحدة الإبقاء على الحصار البحري مع الاستعداد للوقوف إلى جانب الإيرانيين حين يطالبون مجدداً بمستقبل خالٍ من القمع”.

غير أن تحديد نقطة الانهيار في إيران قد يكون أصعب مما تعتقده هذه المجموعة؛ إذ أشار مسؤول أمريكي مطلع على استراتيجية الإدارة في الشرق الأوسط -بشيء من الإحباط- إلى أن “الحكومة الأمريكية دأبت، منذ عقود، على تقدير أن الاقتصاد الإيراني يقف على حافة الانهيار”.

علاوة على ذلك، من المرجح أن تواصل إيران فرض حصارها الخاص على حركة الشحن العالمي عبر مضيق هرمز إذا استمرت الولايات المتحدة في حصار السفن الإيرانية. وهذا يعني أن الاقتصاد العالمي -بما في ذلك أسعار الوقود وإمدادات الغذاء- سيعاني جنباً إلى جنب مع إيران.

ومن الناحية السياسية، ينطوي هذا الأمر على مخاطر بالنسبة للرئيس ترامب، الذي يواجه حزبه الجمهوري انتخابات التجديد النصفي في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر.

وتزيد أصداء تجربة العراق من حالة الإحباط التي يشعر بها خبراء السياسة الخارجية إزاء الوضع في إيران.
فمرة أخرى، تجد الولايات المتحدة نفسها في مواجهة خصم لدود في الشرق الأوسط، وفي ظل مخاوف بشأن أسلحة الدمار الشامل، ورئيس أمريكي مستعد للمخاطرة بشكل مذهل، وإدارة لم تدرس العواقب بعيدة المدى بشكل كافٍ.
 
وتقول سوزان مالوني، الخبيرة في الشأن الإيراني بمعهد “بروكينغز” في واشنطن: “على غرار ما حدث في العراق، نحن أمام مأزق من صنع أيدينا؛ مأزق كان ينبغي توقعه، وكان من الممكن تخفيف حدته لو اعتمدنا تخطيطاً أكثر استنارة ومعرفة”.

فبعد تحملها تداعيات الغزو الأمريكي عام 2003، كان على العراق لاحقاً أن ينجو من الحرب ضد تنظيم الدولة. لكنه اليوم -وبالنظر إلى تاريخه- يشهد وضعاً جيداً نسبياً، إذ أجرى انتخابات متعددة.

اظهار أخبار متعلقة


وبالنسبة للإيرانيين المتعطشين لحياة أكثر حرية، فمن المحبط للغاية التفكير في أن النظام في طهران قد يخرج من الحرب الراهنة وهو أكثر قمعاً للإيرانيين العاديين وأكثر خطورة على العالم بأسره.

وقد يتطلب الأمر رئيساً أمريكياً جديداً حتى تتمكن واشنطن من التوصل إلى تفاهم مع طهران.
فبحسب محللين متخصصين في الشأن الإيراني -وبعضهم على تواصل مع مسؤولين في النظام- فإن طهران تعتقد على ما يبدو أن ترامب ليس مهتماً بإبرام اتفاق سلام جاد، وأنه لا يمكن الوثوق بالتزامه بأي اتفاق كهذا على أية حال.

وعليه، فإن من سيخلف ترامب سيجد نفسه أمام فوضى عارمة، ولكنه سيحظى أيضاً بفرصة استثنائية لإظهار قدرة على القيادة العالمية، وفي غضون ذلك، لا بد أن تظهر أفكار جديدة؛ فهل يعرف أحدٌ كيف يصنع حصاناً خشبياً ضخماً؟.

اقرأ أيضا: مطار هيثرو في لندن  يفقد 2 مليون راكب من الشرق الأوسط.. وإسطنبول يخطفهم

‫0 تعليق