علي الحجار.. الحنجرة نبض الوطن

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

كنت أجلس فى مطروح، فى ليالى شتاء 1989، بينما صوت البحر من بعيد يداعب أذنى، وصوت هواء الشتاء يقطع السكون، والمطر يهطل بغزارة فوق المنازل فى إيقاع منتظم، كأنه لحن المطر.

اقرأ أيضا: «مائة عام من العزلة»: هذا هو الأدب.. وهكذا تكون المسلسلات!

وفجأة، جاء صوت المذيعة جابى لطيف عبر راديو مونت كارلو، قاطعاً المقدمة الموسيقية للأغنية، وقالت بصوتها المميز: «لما الشتا يدق البيبان».. ثم بدأ صوت على الحجار:

«لما الشتا يدق البيبان.. لما تنادينى الذكريات

لما المطر يغسل شوارعنا القديمة والحارات»..

وفى اللحظة نفسها اكتمل المشهد الذى أعيشه.

كان المطر يدق البيبان والشبابيك بالفعل، وكانت الذكريات تنادى، وكانت شوارع مطروح القديمة حاضرة. قبلها كان على الحجار موجوداً بأعمال كثيرة، لكن هذه الأغنية تحديداً كانت بالنسبة لى أشبه بالمسحراتى الذى يوقظك فى لحظة معينة لتكتشف قيمة صوت كنت تسمعه من قبل، لكنك لم تمنحه حقه كاملاً.

اكتشفت عبقرية الكلمات التى كتبها إبراهيم عبدالفتاح، وموهبة الملحن أحمد الحجار، وفخامة التوزيع الموسيقى لياسر عبدالرحمن. ثلاثة أسماء صنعت حالة كاملة. والسؤال الذى قفز إلى ذهنى وقتها: هل ما زالت مصر قادرة على صناعة هذه الخلطة؟ خاصة أن «لما الشتا» جاءت فى نهاية الثمانينات، فى زمن كانت الأغنية تتجه إلى الأغنية الخفيفة والإيقاعات السريعة، فى وقت نجاح «لولاكى» لعلى حميدة صيف 1988، ثم «ميال» لعمرو دياب فى آخر ليلة من ليالى نفس السنة.

فقلت: مَن المجنون الذى يصنع فى ذلك الزمن أغنية مثل هذه؟

لكن يبدو أن «الجنون» كان عين الصواب.

فالأغنية التى لا تشبه زمنها تعيش أكثر من الأغنية التى تشبهه.

أتذكر أننى ذهبت بعدها إلى «عم كيلانى»، أشهر بائع كاسيت فى مطروح، واقتنيت منه شرائط لعلى الحجار. اكتشفت أنه ليس مجرد صوت، وإنما صاحب حنجرة لا تخطئ المقام.

صاحب الحنجرة الذهبية، كما أطلق عليه بلاسيدو دومينجو، عندما شاركه الغناء فى الإمارات. اكتشفت أن صوته لا يستهلكه الزمن، وإنما صوت يتسع مع الزمن. عادةً ما يفقد المطرب شيئاً من مساحته ومرونته مع مرور السنوات، لكن «الحجار» يبدو مختلفاً. إنه أشبه ببناية تأسست منذ البداية على قواعد مقاوِمة للزلازل.

قد تتغير التفاصيل، لكن الأساس لا يهتز.

بل إن الزمن أضاف إلى صوته خبرة وعمقاً وإحساساً، من دون أن ينتزع منه شبابه.

وهذا أحد أسرار «الحجار»

هذه الأيام يقدم على الحجار ثلاثة أعمال جديدة. أولها «مش فارق لى». وهذه ليست أغنية عادية. إنها حكاية وفاء منه لعمار الشريعى، الذى وضع اللحن عام 1979، واستعان بأيمن بهجت قمر الذى كتب كلمات جديدة على اللحن، بينما جاء التوزيع الموسيقى لتامر غنيم.

هنا لا نتحدث عن مجرد أغنية جديدة. إنها رسالة من فنان إلى صديق عمره الذى رحل.

والمدهش أن اللحن الذى ولد قبل ما يقرب من نصف قرن جاء وكأنه ابن اليوم.

وهنا تظهر عبقرية عمار الشريعى الذى كان يسبق زمنه، كما يظهر ذكاء «الحجار» فى اختياره للحظة المناسبة. أما كلمات أيمن بهجت قمر، فجاءت لتكمل الحكاية بريقاً.

بينما تعامل تامر غنيم مع اللحن باعتباره قيمة يجب الحفاظ عليها، لا مادة يجب استعراض مهارات التوزيع من خلالها.

والأهم أن صوت «الحجار» يُشعرك أنك أمام صوت شاب، لكن بخبرة رجل عاش أكثر من سبعة عقود.. وهذه معادلة نادرة.

أما العمل الثانى «أول معاد».. تشعر أيضاً أن «الحجار» يفتح نافذة جديدة، لتمثل مساحة أخرى فى تجربته. الكلمات لمايكل عادل، واللحن والتوزيع لشادى مؤنس، وهو ملحن يعرف كيف يتعامل مع الأصوات الكبيرة دون أن يذوب داخلها.

وفى «أول معاد» تبدو الموسيقى ناعمة، بسيطة، بلا استعراض أو تعقيد، وكأنها تقول إن البساطة أم الجمال.

أما «الحجار»، فيتعامل معها كأنه مغنٍ أوبرالى -أنا شعرت كذلك- يعرف تماماً كيف يختم الجملة الموسيقية، وكيف يستعرض إمكانات صوته دون أن يقع فى فخ استعراض الصوت.

هو لا يغنى ليقول لك: «انظروا ماذا أستطيع أن أفعل بصوتى». بل يغنى ليجعلك تسمع الأغنية.. وأتصور أن «مش فارق لى» و«أول معاد» مرشحتان لأن تكونا من علامات موسم الخريف والشتاء، بعيداً عن صخب الأغنية الصيفية السريعة.

على الحجار لا يستطيع أن يمر عام دون أن يقول شيئاً للوطن. وتأتى الأغنية الثالثة «قالوا عربى» لتؤكد ذلك، كلمات سالم الشهبانى، ولحن وتوزيع أحمد حمدى رؤوف.

الأغنية لها حكاية يرويها «الحجار» بقوله:

فى مؤتمر قمة مع زعماء الدول العربية سنة 2015، اقترح الرئيس السيسى أن يكون هناك جيش عربى موحد، ومع عدد الكوارث التى تحدث بسبب الحرب ما بين إيران وأمريكا والكيان الإسرائيلى، أصبحنا فى حاجة إلى ذلك، إلى لمّ الشمل العربى.

وطُرحت الأغنية لهذا الغرض، ومن قلب فكرة الرئيس السيسى، وهذا ليس جديداً على الحجار.

فالأغنية الوطنية ليست ضيفاً عابراً فى مشواره، وإنما واحدة من علامات شخصيته الفنية.

فى 1991 قدّم «لمّ الشمل» مع الشاعر الكبير جمال بخيت، فى سياق حرب الخليج الأولى، وكان الألبوم من ألحان فاروق الشرنوبى.

وهنا نفهم شيئاً مهماً فى شخصية «الحجار»:

هو لا يرى المطرب مجرد صاحب حنجرة، وإنما صاحب موقف، لذلك عندما يشعر بأن هناك قضية تستحق الغناء، يغنى.

سر «الحجار».. أنه لا ينتمى إلى مدرسة واحدة، ربما يكون هذا هو السر الأهم فى تجربة على الحجار.

لو أردت أن تضعه داخل مدرسة موسيقية واحدة فلن تستطيع.

بدأ مع بليغ حمدى. ثم كان أحمد الحجار. ثم عمار الشريعى، وياسر عبدالرحمن، وفاروق الشرنوبى، ومودى الإمام، وعمر خيرت، ورياض الهمشرى، ومحمد الموجى، وغيرهم. وعلى مستوى الشعراء، تعاون مع أسماء بحجم عبدالرحمن الأبنودى، وسيد حجاب، وجمال بخيت، وصلاح جاهين، وأحمد فؤاد نجم، ومحمد عسيرى، وغيرهم.

هذا التنوع لم يكن تشتيتاً. كان اختباراً مستمراً للصوت. كل ملحن كان يكتشف منطقة مختلفة فى الحجار، والحجار بدوره كان يمنح كل ملحن مساحة لأن يقول ما يريد.

وهذا لا ينجح إلا مع صوت كبير الإمكانات.

لذلك يمكن القول إن صوت «الحجار» هو المساحة المشتركة بين مدارس وأزمنة موسيقية مختلفة.

عندما أنهى على الحجار الثانوية العامة، التحق بكلية التجارة استجابة لرغبة والده، لكنه لم يستطع الاستمرار، فالتحق بكلية الفنون الجميلة وتخرج عام 1979.

والطريف أن الرسم لم يكن بعيداً عنه.

فى سنوات صعبة من طفولته وشبابه، مارس رسم البورتريه بالفحم مقابل مبالغ بسيطة.

أثناء دراسته، انضم على الحجار وأخوه «أحمد» إلى فرقة التخت العربى لإحياء التراث.

ثم جاء اللقاء الذى غيّر مسار حياته.

شاهده بليغ حمدى فى برنامج «الموسيقى العربية» الذى كانت تقدمه الدكتورة رتيبة الحفنى. فطلبه، وظل معه نحو عامين.

اختار له من كلمات عبدالرحيم منصور «على قد ما حبينا» عام 1977.

ومن هنا بدأت الرحلة.

رحلة لم يكن عنوانها: «كيف يصبح على الحجار نجماً؟». وإنما كان سؤالها الأهم: «كيف يصبح الغناء حياة؟». من العلامات المهمة فى مشوار الحجار ألبوم «فى قلب الليل» عام 1986.

اقرأ أيضا: رسميًا.. الأهلي ستعاقد مع محمود صلاح من غزل المحلة لمدة 5 مواسم – الأسبوع

لم يكن مجرد ألبوم جديد، وإنما محاولة واعية للتعامل مع التحولات التى بدأت تصيب الأغنية.

كان «الحجار» يريد أن يستفيد من التقنيات الحديثة دون أن يتنازل عن قيمة الكلمة واللحن. وهذه نقطة تستحق التوقف.

لم يكن ضد التجديد.. على العكس

لكنه كان ضد أن يصبح التجديد مرادفاً للتنازل عن القيمة. ولهذا ظل قادراً على الانتقال من الأغنية العاطفية إلى الوطنية، ومن التراث إلى الأغنية الحديثة، ومن التتر الدرامى إلى المسرح الغنائى، دون أن يفقد هويته. تشير المصادر إلى أن رصيده يتجاوز ألف أغنية، ولا أرى أن الرقم هو القضية الأساسية. القضية أن «الحجار» ظل حاضراً فى كل هذه العقود.

إنها مسيرة شاهد على تحولات الأغنية المصرية نفسها.

لم يحارب الزمن.. بل صالحه

وهنا أصل إلى أهم ما فى حكاية على الحجار.

هو لم يدخل معركة ضد الزمن.

لم يقل: أنا مطرب الزمن الجميل، وانتهى الأمر. ولم يقرر أن يعيش فى الماضى. وفى الوقت نفسه لم يهرب إلى الحاضر متخلياً عن هويته.

فعل شيئاً أصعب: صالح بين الزمنين.

غنى التراث بروح معاصرة

والده إبراهيم الحجار، المدرسة الأولى، لم يمنح ابنه صوتاً فقط. منحه المعرفة. منحه احترام التراث. علّمه الأدوار والموشحات. لذلك فإن «الحجار» هو نتاج ثلاث مدارس:

أب علّمه الأصول، وملحنون كبار فتحوا أمامه الأبواب، وتجربة حياة جعلته يعرف قيمة ما يملك.

من أكثر الأشياء التى تفسر شخصية الحجار الفنية أنه اختار فى مراحل من مشواره أن ينتج لنفسه.

لم يكن يبحث عن الربح

كان يبحث عن الحرية، يختار الكلمة التى يريدها، واللحن الذى يؤمن به. وهذا هو الفرق بين مطرب يغنى لأن هناك منتجاً طلب منه ذلك، ومطرب يرى أن الغناء جزء من مسئوليته. عندما تنظر إلى عناوين ألبومات على الحجار، ستكتشف أنك أمام خريطة كاملة للأغنية المصرية:

«على قد ما حبينا»، «رباعيات»، «ولد وبنت»، «الأيام»، «اعذرينى»، «ماتصدقيش»، «فى قلب الليل»، «أنا كنت عيدك»، «لمّ الشمل»، «تيجى نعيش».

قيمة هذه القائمة ليست فى عدد الألبومات. قيمتها أن كل مرحلة منها كانت تحمل سؤالاً جديداً:

كيف نغنى؟ ماذا نغنى؟ لمن نغنى؟

ويبقى السؤال الأهم: لماذا لا يسقط «الحجار»؟

لأن «الحجار» لم يراهن على الموضة.. اعتمد على شىء أصعب: صوته.

والصوت الحقيقى إذا امتلك صاحبه الوعى، يصبح وطناً لا يحتاج إلى جواز سفر.

على الحجار.. الحكاية التى تصلح للدراما: طفل يولد فى بيت فنى، أب يفقد عمله لأنه رفض التخلى عن اسم عائلته، أسرة تواجه ظروفاً صعبة.

ابن يرسم بالفحم ليكسب بعض المال. أب يخشى على ابنه من الفن. طوال الوقت يحاول أن يفعل شيئاً واحداً: أن يظل محترماً وهو يغنى. ربما تكون الجملة الأهم فى حكايته كلها: إنه مطرب لا يخون الأغنية، اختار أن يكون جزءاً من ذاكرة الناس والوطن.

ودائماً أجد فيه مطرباً لا يزال يبحث عن منطقة جديدة فى صوته.

اقرأ أيضا: جوجل تكشف وحشها الجديد.. المواصفات الكاملة لهاتف Pixel 11

‫0 تعليق