«مائة عام من العزلة»: هذا هو الأدب.. وهكذا تكون المسلسلات!

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

منذ أيام، بدأت منصة نتفليكس في عرض الجزء الثاني والأخير من مسلسل «مائة عام من العزلة»، المقتبس عن رواية الأديب الكولومبي الشهير جابريل جارثيا ماركيز.

اقرأ أيضا: رسميًا.. الأهلي ستعاقد مع محمود صلاح من غزل المحلة لمدة 5 مواسم – الأسبوع

كان الجزء الأول من العمل قد عُرض العام الماضي في ثماني حلقات، ويضم الجزء المتمّم ثماني حلقات أخري، عُرض منها سبع، وفي انتظار الحلقة الأخيرة في نهاية أغسطس.. يعني المسلسل كله يتكون من ست عشرة حلقة، ولكن كل حلقة منها تساوي عشرة مسلسلات من أعمال المنصة الأخري، وربما تساوي مائة مسلسل من أعمال منصات وفضائيات أخري.

دروس في التذوق

أعلم أنه لا توجد دعاية كافية للعمل، وأن كثيراً من المشاهدين غير الملمين بأعمال ماركيز، أو الذين وجدوا صعوبة في قراءة الرواية الأصلية، بسبب كثرة وتداخل شخصياتها وأحداثها ولغتها التي تقع على حدود الواقع والخيال، قد يجدون صعوبة مماثلة في مشاهدة المسلسل، ولكن، إذا جاز لي أن أقدم نصيحة لأحد، فعلى أي قارئ يجد المسلسل صعباً أن يتلقي دروساً حقيقية في تذوق الأدب والسينما ثم يعود إلى مشاهدته مرة أخري! في زمن الغثاء والهراء التليفزيوني واليوتيوبي والتيكتوكي الذي غرق فيه الكوكب، ليس هناك أفضل من رواية ماركيز ولا المسلسل المقتبس عنها، لتذكيرنا بالانحدار الذي وصلنا إلىه، ولتحذيرنا من اللعنة التي تصيب من ينسي ومن يجهل ومن يميت قلبه في سبيل الشهوة أو ملاحقة وهم السلطة أو الثروة أو الانتقام.

ليس هناك سبيل إلى تلخيص حكاية أو معني «مائة عام من العزلة». هذه رواية تُعاش لا تقرأ، ولا تفسر، ومن هنا صعوبة، وربما استحالة، أي اقتباس عنها إلى وسيط آخر، وربما أيضاً تفقد الرواية كثيراً من سحرها حين تترجم إلى لغة أخري، وقد قرأت كلاً من ترجمتي الرواية إلى العربية، الأولي قام بها سليمان العطار، عن الهيئة العامة للكتاب، والثانية قام بها صالح علماني المتخصّص في ماركيز وأدب أمريكا اللاتينية، وقد استمتعت بالترجمة الأولي أكثر، رغم دقة الثانية وحرفيتها، وجدير بالذكر أيضاً أن للرواية ترجمة ثالثة مضحكة بعنوان «لعنة الغواية» صدرت عن سلسلة «روايات الهلال» عبارة عن اختصار مُخل للعمل، ولكن هذا التباين في الترجمات الثلاثة يكشف -إن كشف- عن أن الأصل شيء رابع مختلف، يحتاج إلى تعلم الإسبانية بطلاقة، حتى يمكن الوصول إلىه! وأذكر أنني قرأت شيئاً مماثلاً عن الترجمة إلى الإنجليزية رغم إعجاب ماركيز الشديد بها، إلا أن المدققين وجدوا أخطاءً عدة، بجانب عدم كفاية بعض الفقرات التي يتجلي فيها أسلوب «الواقعية السحرية»، المذهب الأدبي المميز للرواية وللأدب اللاتيني عامة (في عصره الذهبي الذي بدأ في أواخر ثلاثينات القرن العشرين).

المهمة المستحيلة

لكن صعوبة الرواية ليست حجة للبليد الكسول، كما أن صعوبة تحويلها إلى وسيط آخر، والتي دفعت ماركيز إلى رفض كل العروض التي قدمت إلىه لتحويلها إلى فيلم، وقوله، في حوار له 1980 إن «الرواية، على عكس الفيلم، تترك للقراء مساحة للإبداع، تسمح لهم بتخيّل الشخصيات، والأماكن، والمواقف التي يرونها»، بالإضافة إلى تصريحات مماثلة كثيرة، أقول إن صعوبة تحويل الرواية إلى الوسيط البصري لم تمنع صناع المسلسل من خوض التحدي الصعب، وبذل الغالي والنفيس من مواهبهم وجهدهم ووقتهم، لكي يخرج العمل جديراً بالرواية، ويمكنني القول، بلا تردد، إنه من بين كل الأفلام والمسلسلات المقتبسة من أعمال أدبية، مع الحرص على الإخلاص للأصل الأدبي (وليس الأعمال التي تعيد تشكيل النص الأصلي وتفسيره، وهو حق لا مراء فيه بالطبع، ولكنه ليس موضوعنا هنا)، أقول إنه من بين كل الأعمال التي شاهدتها عن نصوص أدبية، فمسلسل «مائة عام من العزلة» واحد من أفضلها على الإطلاق.

في الجزء الثاني يواصل العمل هذه المهمة «المستحيلة» بنجاح أكبر، إذ تكتسب الشخصيات الرئيسية، خاصة الكولونيل أورليانو بوينيدا (كلوديو كاتانو) وأمه أورسولا (مارليدا سوتو)، مزيداً من الحياة والتجارب والتحولات التي تجعل المشاهد أكثر تعاطفاً وانجذاباً معها. وقد تذكرت حكاية ماركيز عن اليوم الذي بكي فيه بكاءً شديداً عندما كتب السطور الأخيرة في حياة أورليانو. وفي الحقيقة هناك الكثير من الشخصيات القديمة والجديدة التي يمكن للمشاهد أن يتعايش ويتماهي معها، ويبكي لمصائرها ورحيلها. ولكن الشعور الأقوي والذي ينجح المسلسل في توصيله، ربما أكثر حتى من الرواية، هو الحزن على مصير البشرية التعس، خاصة بعض الشعوب والبلاد التي يبدو وكأنها محكومة باللعنة الأبدية للتخلف. ولعل ما يحدث في كثير من دول أمريكا اللاتينية حالياً يؤكد أن اللعنة مستمرة، وأن الخروج منها حلم بعيد المنال، على الأقل في المستقبل القريب.

هل تحتاج إلى الحزن؟

العمل يحمل حزناً ثقيلاً على مصائر شخصياته أيضاً، ليس فقط أورليانو الذي تحول من صبي حالم فنان، يهوي صناعة الأسماك الذهبية الصغيرة، إلى ثوري ومحارب ثم ديكتاتور، ونسخة من الذين بغض حالهم وثار بسبب ظلمهم، ولكن الحزن يمتد عبر سلسال العائلة كله، من الأب المؤسس خوسيه أركاديو، إلى الأبناء والأحفاد الذين تبني سلوكياتهم وإخفاقاتهم، واحداً وراء الآخر، المسيرة الطويلة المحتومة نحو الانهيار!

اقرأ أيضا: جوجل تكشف وحشها الجديد.. المواصفات الكاملة لهاتف Pixel 11

ومع ذلك، لا ينبغي أن يثنيك هذا الحديث -عن الحزن- عن مشاهدة المسلسل، وقراءة الرواية إذا لم تكن قد قرأتها بعد (ولعلمك، في أي استطلاع للرأي عن أفضل الأعمال الأدبية على مر التاريخ فسوف تجد «مائة عام من العزلة»، وفي استطلاع حديث لموقع Collider لأفضل عشرة أعمال في القرن العشرين جاءت في المركز الثاني بعد «أوليسيس» لجيمس جويس.. وهي رواية أخري صعبة تحتاج إلى قارئ مجتهد).

لا ينبغي أن يثنيك حزن المسلسل عن مشاهدته، بداية بالجزء الأول، (بالطبع إذا لم تكن قد شاهدته بعد)، ذلك أن حزن ويأس وغضب الفن شيء نبيل وجميل، يطهر الروح ويجعلك أكثر وعياً وسمواً ورغبة في إصلاح نفسك والجنس البشري من أمراضه المزمنة. أما إذا كنت من النوع الملول الباحث دوماً عن الخفة، فعلىك بقراءة «فن التفاهة» أو الاستماع إلى ألبوم عمرو دياب الجديد.

وبعيداً عن هذا كله، فسوف يسحرك المسلسل بعناصره البديعة من تصوير وتمثيل وتجسيد لأسلوب «الواقعية السحرية» بأفضل شكل ظهر به على الشاشة حتى الآن.. خصوصاً أن الكثيرين يرون استحالة هذا الأمر، بما أن الصورة، مهما كانت خيالية، فهي شيء «واقعي» يفرض شكله على خيال القارئ وعلى المعاني المفتوحة للغة الأدب والشعر.

سيسحرك المسلسل، إذا كان لديك الاستعداد بالطبع، بعناصره الفنية المكتملة والمتكاملة، ولكن في النهاية ينبغي أن أحذرك أيضاً: هذا العمل ليس لأصحاب العقول الكسولة، ولا ينبغي أن تشاهده وأنت تتحدث وتلعب على الموبايل طوال الوقت، كما أنه ليس لأصحاب النفوس الضعيفة من الذين يُصدمون من مشهد عنف أو جنس أو علاقة آثمة.. فالحياة كلها، بشتي روعتها وروعها، هنا.

وفي كل حال يحتاج العمل إلى مشاهدة ثانية وكتابة ثانية بعد عرض الحلقة الأخيرة منه قريباً.

اقرأ أيضا: خالد الجندي: بيت النبي جمع بين المثالية والواقعية.. وهو النموذج الأسمى لكل أسرة

‫0 تعليق