وقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أمس الخميس، في صالةٍ متواضعة داخل مصنعٍ لتصنيع الأسماك على جزيرة إيتوروب، إحدى جزر الكوريل التي يزورها لأول مرة، يتأمّل سمكتَي تونة وسمك هلبوت مبسوطتين على طاولة، بينما يشرح له مسؤولان سلوك هجرة الأسماك.
اقرأ أيضا: صعود المؤشرات اليابانية بدعم قطاع الرقائق الإلكترونية
المشهد، لولا موقعه، لكانت زيارةً رئاسية عادية إلى مرفقٍ إنتاجي في أقاصي الشرق. غير أنّ هذه الزيارة أخرجت من اليابان احتجاجاً رسمياً لم يحتج سوى بضع ساعات، وهي التي تطالب منذ واحد وثمانين عاماً بالسيادة على الأرخبيل الذي تسميه «الأقاليم الشمالية».
جاءت الزيارة بعد ساعاتٍ من إشراف بوتين على المرحلة الأخيرة من مناورات أسطول المحيط الهادئ على متن الطرّاد «فاريـاغ». وكانت طوكيو قد احتجّت قبل أسبوع على مناوراتٍ روسية ضخمة في بحر اليابان وبحر أوخوتسك وشمال غرب المحيط الهادئ، شاركت فيها ستون سفينة حربية وثلاثون طائرة وأكثر من ثلاثة عشر ألف عسكري، مع تدريباتٍ بالذخيرة الحيّة حول جزيرتين من الأربع، ومناطق حظرٍ بحري حول الجزيرتين الأخريين تمتدّ حتى التاسع والعشرين من أغسطس الجاري، وفق ما أوردت صحيفة «سانكي شيمبون».
حدود متحركة
يتمدد أرخبيل الكوريل بين جزيرة هوكايدو اليابانية في الجنوب وشبه جزيرة كامتشاتكا الروسية في الشمال، فاصلةً بحر أوخوتسك عن المحيط الهادئ. والنزاع لا يخصّ السلسلة كلها، إنّما أربع تشكيلات في طرفها الجنوبي: إيتوروب، وكوناشير، وشيكوتان، ومجموعة هابوماي. وعلى إيتوروب، أكبرها، يعيش اليوم نحو سبعة آلاف نسمة.
تاريخ هذه الحدود تاريخُ تبديل. ففي فبراير 1855 وقّعت روسيا واليابان معاهدة «شيمودا»، فآلت الجزر الأربع إلى اليابان وبقي شمال السلسلة لروسيا، وتُرك وضع سخالين معلّقاً بوصفه ملكية مشتركة. وحين أثمر هذا الغموض احتكاكاتٍ بين التجّار والبحّارة، جاءت معاهدة «سان بطرسبورغ» عام 1875 بمقايضةٍ صريحة؛ كل الكوريل لليابان مقابل كل سخالين لروسيا. ثم قلبت الحرب الروسية–اليابانية الطاولة، فمنحت معاهدة «بورتسموث» عام 1905 جنوب سخالين لطوكيو.
أربع معاهدات في خمسين عاماً، وكل واحدة تُبطل ما قبلها. وهذه، وحدها، مقدّمة كافية لفهم لماذا يتعذّر على الطرفين اليوم الاتفاق على أيّ وثيقةٍ هي «الأصل».
تعريف الكوريل
في الحادي عشر من فبراير 1945، وفي يالطا، وقّع قادة الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفيتي اتفاقاً يقضي بدخول موسكو الحرب ضد اليابان بعد شهرين أو ثلاثة من انتهاء الحرب في أوروبا، مقابل شروطٍ من بينها بندٌ من سطرٍ واحد؛ «تُسلَّم جزر الكوريل إلى الاتحاد السوفيتي».
سطرٌ واحد. ولم يعرّف أحدٌ ما الذي تعنيه عبارة «جزر الكوريل».
هذا الإغفال لم يكن اكتشافاً لاحقاً من محامي طوكيو. فوثائق وزارة الخارجية الأمريكية المنشورة ضمن سلسلة «العلاقات الخارجية للولايات المتحدة» تكشف أنّ دبلوماسيي واشنطن أنفسهم رصدوا الثغرة مبكراً. ففي مذكّرةٍ سرّية تعود إلى عام 1949، خلص المستشار القانوني المساعد للشؤون السياسية إلى أنّ السؤال القانوني الوحيد في المسألة كلها هو تعريف كلمتَي «جزر الكوريل» كما وردتا في اتفاق يالطا. وفي وثيقةٍ أخرى من العام نفسه، سجّلت البعثة الأمريكية في طوكيو أنّ هابوماي وشيكوتان جرى التعامل معهما تقليدياً بوصفهما مجموعةً متمايزة عن أرخبيل الكوريل، وأنّهما كانتا تُداران بوصفهما تقسيماً فرعياً تابعاً لهوكايدو، وخلصت إلى غياب أساسٍ صالح في اتفاق يالطا يبرّر السيادة عليهما.
وحين انعقد مؤتمر السلام في سان فرانسيسكو عام 1951، تخلّت اليابان في نصّ المعاهدة عن «جزر تشيشيما» دون أن تسمّى ما تخلت عنه. ثم جاءت المفارقة الختامية برفض الاتحاد السوفييتي التوقيع على تلك المعاهدة أصلاً. فصار لدينا نصٌّ غامض تخلّت فيه اليابان عن جزرٍ بلا اسم، لصالح دولةٍ لم تضع اسمها عليه.
من هذه العقدة يخرج الموقفان القانونيان القائمان حتى اليوم؛ طوكيو تقول إنّ الجزر الأربع خارج سلسلة الكوريل تعريفاً، وإنّ موسكو لا تستطيع الاحتجاج بمعاهدةٍ لم توقّعها. وموسكو تقول إنّ ما استقرّ بعد الحرب العالمية الثانية حقائق مثبتة في وثائق دولية، وإنّ التنازل عن هذه الجزر مسٌّ بدماء الجنود السوفييت.
في عام 1956 فُتح البابُ فعلاً. إذ أعلن الاتحاد السوفييتي استعداده لتسليم شيكوتان ومجموعة هابوماي (الجزيرتان الصغيرتان) مقابل تخلّي اليابان عن مطالبتها بإيتوروب وكوناشير، الأكبر مساحةً وسكاناً. رفضت طوكيو الصفقة، متمسّكةً بالجزر الأربع كاملة.
رهان آبي
آخر محاولةٍ جدّية لكسر الجمود حملت اسم شينزو آبي، حيث راهن رئيس الوزراء الياباني الراحل على منطقٍ يبدو معقولاً على الورق؛ فبدلاً من مواجهة مسألة السيادة رأساً، تُبنى أولاً مشاريع اقتصادية مشتركة على الجزر، فتتراكم الثقة والمصالح، وتنضج ثمرة السيادة في آخر الطريق. وأنفق آبي على هذا الرهان سنواتٍ ولقاءاتٍ متكرّرة مع بوتين، وأبدى استعداداً للقبول بجزءٍ صغير من المساحة المتنازع عليها.
ووصف الأكاديمي جيمس براون، المتخصّص في العلاقات الروسية–اليابانية، تلك الجهود بأنّها بلغت أقصى ما يمكن أن يبذله رئيس وزراء ياباني.
اقرأ أيضا: صعود الأسهم الأوروبية مع انخفاض أسعار النفط
انتهى الرهان إلى صفر، وبطريقةٍ مُهينة. ففي يوليو 2020 أقرّت روسيا تعديلاتٍ دستورية تضمّنت في المادة السابعة والستين حظراً صريحاً على أيّ إجراءٍ يستهدف اقتطاع جزءٍ من أراضي الاتحاد الروسي، بل وعلى الدعوة إلى ذلك. فأُغلق الباب دستورياً، وصار التفاوض على إعادة الجزر — من وجهة النظر الروسية — فعلاً غير قانوني بحدّ ذاته.
نافذة إنسانية
ما جرى بعد 2022 أشدّ قسوة. فحين انضمّت اليابان إلى العقوبات الغربية على خلفية الحرب في أوكرانيا، أعلنت موسكو في مارس من ذلك العام انسحابها من مفاوضات معاهدة السلام، وتجميد المشاريع الاقتصادية المشتركة المتعلّقة بالجزر، وتعليق ترتيبات الزيارات بلا تأشيرة. وفي سبتمبر ألغت رسمياً اتفاقيتي تبادل الزيارات المعفاة من التأشيرة المعقودة عام 1991، وإطار الزيارات الميسّرة لعام 1999.
خلف هذه العبارات الإدارية الباردة تختبئ القصة الإنسانية كلها. فتلك الاتفاقيات كانت تتيح لليابانيين الذين وُلدوا على الجزر قبل تهجيرهم، ولأبنائهم، أن يعبروا البحر لزيارة قبور آبائهم. ووفق أرقام مجلس الوزراء الياباني، شارك في برنامج التبادل منذ انطلاقه 24488 شخصاً، بينهم 14356 من اليابان، و10132 من الروس المقيمين على الجزر. وشارك في برنامج الزيارات الميسّرة 5231.
حصن
تبقى المسألة الأصعب، وهي التي تفسّر لماذا يقف بوتين اليوم في مصنع أسماك على جزيرةٍ نائية.
بحر أوخوتسك مساحةٌ شبه مغلقة تناهز 1.6 مليون كيلومتر مربّع، تحدّها كامتشاتكا شرقاً، وسلسلة الكوريل جنوباً شرقياً، وهوكايدو جنوباً، وسخالين غرباً، والساحل السيبيري شمالاً. وهذا البحر هو ما تسمّيه العقيدة العسكرية الروسية «الحصن» (bastion)؛ وهي منطقة بحرية محميّة تتمركز فيها الغوّاصات النووية الحاملة للصواريخ الباليستية، فتُطلق صواريخها دون أن تضطرّ إلى عبور مياهٍ متنازع عليها إلى المحيط المفتوح.
وقد عزّزت موسكو هذا المنطق ميدانياً بنشر منظومتَي الصواريخ الساحلية «بال» و«باستيون» على الجزر، ثم بدفع كتيبةٍ صاروخية ساحلية إلى جزيرة ماتوا في وسط السلسلة لتمديد مظلّة الصواريخ المضادّة للسفن جنوباً.
معادن نادرة
على إيتوروب نفسها يقوم بركان «كودريافي»، الذي رصد فيه باحثون عام 1994 ونشروا في دورية «نيتشر» أول ظهورٍ معروف لمعدنٍ نقيّ من “الرينيوم”، يتكثّف من نفثاتٍ غازية تبلغ حرارتها تسعمئة وعشر درجات مئوية. وتصف الأدبيات الجيولوجية هذا الموقع بأنّه التجمّع الوحيد في العالم لمعدنة الرينيوم الكبريتية ذات التصعيد شبه المستقرّ.
والرينيوم من أندر العناصر في القشرة الأرضية، ويُستخرج تجارياً في العادة منتَجاً ثانوياً لمناجم النحاس والموليبدينوم. وأهمّيته تكمن في مقاومته للحرارة؛ منه تُصنع السبائك الفائقة التي تُبنى بها ريش توربينات محرّكات الطائرات.
اقرأ أيضا: المياه: التحول الرقمي يرسخ الاستخدام الأمثل للموارد المائية ال…
