إربيل/واشنطن — على مدى أكثر من أربعة عقود، سعت تركيا إلى القضاء على حزب العمال الكردستاني (PKK) من خلال حملات عسكرية واعتقالات واسعة وسجن قادته، في ظل أجواء من انعدام الثقة المتجذر بين الحكومة والأكراد وهم أكبر أقلية عرقية في البلاد.
اقرأ أيضا: الذهب يحافظ على رأس المال بنسبة 95% ويجذب المستثمرين رغم تقلبات الأسواق
لكن قانونا أقره البرلمان التركي في 10 أغسطس خلق آمالا بإمكانية وضع حد أخيرا لواحد من أطول حركات التمرد في الشرق الأوسط، رغم أنه قوبل حتى الآن بانتقادات من حزب العمال الكردستاني أكثر مما حظي بتأييد صريح منه.
ويضع التشريع إطارا للعفو المشروط وتسريح وإعادة دمج آلاف من أعضاء حزب العمال الكردستاني، الذي تصنفه تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي منظمة إرهابية. وقد أودى التمرد الذي يخوضه الحزب منذ عام 1984 بحياة أكثر من 40 ألف شخص.
وانتقد حزب العمال الكردستاني التشريع الجديد، قائلا إنه يتضمن “أخطاء وعيوبا خطيرة”، في وقت بدأت تظهر بالفعل مؤشرات على تسريح عناصر من الحزب في شمال العراق. وقال الحزب إن تطبيق القانون التركي يجب أن تتبعه إجراءات أوسع لمعالجة مظالم الأكراد.
وفي المقابل، يرى خبراء ودبلوماسيون عموما أن القانون قد يحدث تحولا كبيرا، معتبرين أنه يمكن أن يعيد تشكيل القضية الكردية ليس في تركيا فحسب، بل أيضا في سوريا والعراق وإيران المجاورة، حيث يشكل ما يصل إلى 40 مليون كردي أكبر مجموعة عرقية في العالم لا تملك دولة خاصة بها.
وقالت أسلي أيدينتاشباش، الخبيرة في شؤون تركيا والسياسة الخارجية في معهد بروكينغز بواشنطن: “هذه لحظة تاريخية، وهذا أهم تشريع أقرته تركيا خلال العقود القليلة الماضية”.
وأضافت: “من شأن هذا التشريع أن يتيح إنهاء التمرد المسلح لحزب العمال الكردستاني بشكل كامل ورسمي”.

نواب أكراد يلتقطون صورة جماعية في البرلمان التركي بعد إقرار مشروع قانون يضع إطارا قانونيا لحل حزب العمال الكردستاني، 10 أغسطس 2026 / رويترز.
وأُقر “مشروع قانون تعزيز التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي” بأغلبية 468 صوتا مقابل 88، وهو يفتح مسارا قانونيا لإعادة دمج آلاف من أعضاء حزب العمال الكردستاني الموجودين في العراق ومناطق أخرى، بشروط. كما ينص على أحكام مع وقف التنفيذ وضمانات قانونية أخرى للأشخاص المسجونين لمجرد عضويتهم في الحزب، ممن لم تتم إدانتهم بجرائم إرهابية خطيرة.
ويمثل القانون أكبر محطة في عملية السلام بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني منذ استئناف المحادثات عام 2024. وشهدت القضية اختراقا مهما في فبراير 2025 عندما دعا عبد الله أوجلان، مؤسس الحزب المسجون، التنظيم إلى حل نفسه، قائلا إن الكفاح المسلح “استنفد أغراضه”.
وفي مايو 2025، أعلن حزب العمال الكردستاني رسميا إنهاء حملته المسلحة. وبعد شهرين، أحرق نحو 30 من مقاتلي الحزب أسلحتهم قرب السليمانية في شمال العراق، في خطوة رمزية تأييدا لدعوة أوجلان.
قوة مهيمنة إقليميا
قالت أيدينتاشباش إن القانون يمثل مكسبا جيوسياسيا كبيرا للرئيس رجب طيب أردوغان، لأنه يمهد لتحول الأكراد من خصوم له إلى حلفاء.
وقالت: “يمكنه الآن منح الأكراد دورا أكبر في السياسة الداخلية مقابل هذه المصالحة”. وأضافت: “هذا التطور يعني أن تركيا لن تضطر إلى القلق بشأن تفكك سوريا أو العراق”.
ويشكل الأكراد نحو 20 في المئة من سكان تركيا البالغ عددهم 86 مليون نسمة. ويعيش أكثر من خمسة ملايين كردي آخر في إقليم كردستان العراق المتمتع بالحكم الذاتي، ونحو تسعة ملايين في إيران، فيما كان يعيش نحو 2.5 مليون في سوريا قبل الحرب الأهلية.
وعلى مدى أربعة عقود، أنفقت أنقرة مبالغ طائلة لهزيمة تمرد حزب العمال الكردستاني. وقُتل أكثر من 40 ألف شخص في هجمات الحزب وعمليات مكافحة التمرد التركية، وكان معظم الضحايا من الأكراد. كما دمر القتال مناطقهم في جنوب شرقي تركيا وأدى إلى نزوح مئات الآلاف.

أيتن إلهامان، التي تقول إن ابنها بيرم إلهامان جُنّد في صفوف حزب العمال الكردستاني المحظور، تلمس صورته خلال تجمع أمام المكتب المحلي لحزب مؤيد للأكراد في ديار بكر، جنوب شرقي تركيا، 11 أغسطس 2026 / رويترز.
وقال دوغا إيرالب، الأستاذ المشارك في الدراسات الأمنية بكلية القيادة والأركان التابعة لجامعة مشاة البحرية في كوانتيكو بولاية فرجينيا، إن أنقرة تنظر إلى عملية السلام باعتبارها محورية لطموحاتها الإقليمية.
وقال لـ “الحرة”: “تطمح تركيا الآن إلى أن تصبح قوة مهيمنة إقليميا، وهذه العملية تقوم على حسابات واقعية سياسية أكثر من كونها مسعى لتحقيق الديمقراطية. تحتاج تركيا إلى التوصل إلى اتفاق مع الأكراد لضمان استتباب السلام في المنطقة”.
وقال جيمس جيفري، السفير الأميركي السابق لدى تركيا والعراق، إن هذا التطور يمكن أن يساعد على تعزيز الاستقرار في الشرق الأوسط على نطاق أوسع.
وقال إن العلاقة التي يفترضها القانون بين تركيا والأكراد “تشبه، بطرق مختلفة، الدور الذي يؤديه أكراد العراق في العراق، ولكن أيضا، وبصورة أعم، في تحقيق السلام والاستقرار والاندماج في مختلف أنحاء المنطقة”.
وسرّعت أنقرة عملية السلام بعد أن أطاح حليفها، الرئيس السوري أحمد الشرع، ببشار الأسد في ديسمبر 2024. وقال إيرالب إن تركيا تحتاج إلى الاستقرار في سوريا لترسيخ نفوذها، وهو ما يتطلب دمج الجماعات الكردية السورية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني في النظام السياسي السوري الآخذ في التشكل.
ويعيش معظم أكراد سوريا على امتداد الحدود مع تركيا، حيث يُنظر على نطاق واسع إلى وحدات حماية الشعب (YPG) وحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) باعتبارهما أبرز فرعين سوريين لحزب العمال الكردستاني. وتُعتبر قوات سوريا الديمقراطية تحالفا أوسع تهيمن عليه وحدات حماية الشعب. ومنذ أوائل عام 2025، يسعى الشرع إلى دمج المؤسسات العسكرية والمدنية لقوات سوريا الديمقراطية في الدولة السورية.
وقال إيرالب: “عملية السلام ليست بالضرورة نتيجة لما تغير في تركيا، بل هي بشكل مباشر أكثر نتيجة للتغيرات السياسية في سوريا”. وأضاف: “إذا ألقى حزب العمال الكردستاني سلاحه في تركيا، فسيُسمح لهم بالعمل ضمن حدود معينة في الإطار السياسي السوري الجديد”.

متظاهرون أكراد يشاركون في احتجاج تضامنا مع أكراد سوريا في إسطنبول، 24 يناير 2026 / رويترز.
ولا تزال التحديات كبيرة. ففي 10 أغسطس، تظاهر أكراد في مدينة رأس العين شمال شرقي سوريا بعد تعرض عائلات كردية عائدة، كانت قد نزحت خلال الحرب الأهلية، لهجمات. وامتدت الاحتجاجات إلى مدينتي القامشلي وكوباني ذات الأغلبية الكردية. وقالت السلطات السورية إن المحتجين هاجموا مكاتب حكومية وأنزلوا العلم الوطني عن مقر أمني محلي في كوباني، قبل أن يفرض المسؤولون حظر تجول.
رئيس مدى الحياة
قال جيفري، الذي يشغل حاليا منصب زميل متميز في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إن أردوغان قد يستخدم المصالحة مع الأكراد لتعزيز مستقبله السياسي، مستفيدا من الدعم البرلماني الواسع للقانون للسعي إلى تغييرات دستورية تسمح له بالبقاء في السلطة بعد انتهاء حدود ولايته الحالية في عام 2028.
وأضاف لـ”الحرة”: “هذه مجرد تكهنات من جانبي، لكنها تفتح الباب”.
ويمكن لأردوغان الترشح لولاية أخرى إذا صوّت ما لا يقل عن 360 عضوا في البرلمان التركي، المؤلف من 600 مقعد، لصالح إجراء انتخابات مبكرة. وبدلا من ذلك، يمكن لـ 400 نائب إقرار تعديل دستوري، أو أن يصوت 360 نائبا على إحالته إلى استفتاء شعبي.
وقال إيرالب: “إن ذلك يمهد الطريق لشكل من أشكال الرئاسة مدى الحياة لأردوغان”.
اقرأ أيضا: لبنان.. إحباط تزوير تواريخ صلاحية 64 ألف عبوة مشروبات غازية وعبواتها مستوردة من الأردن
ويقود أردوغان تركيا منذ عام 2003، أولا رئيسا للوزراء، ثم رئيسا للجمهورية منذ عام 2014. وكان الشخصية السياسية الأكثر هيمنة في البلاد منذ أن أسس مصطفى كمال أتاتورك الجمهورية الحديثة قبل أكثر من قرن.
مساعدة إيرانية
تمركزت القوات التركية في مواقع أخلاها نحو ألف مقاتل من حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، بحسب خمسة مسؤولين في قوات إقليم كردستان العراق المعروفة باسم البشمركة. وقال المسؤولون، الذين تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هوياتهم، إن المسلحين سلموا مواقعهم في دهوك وأربيل قبل الانتقال إلى جبال قنديل على طول الحدود العراقية مع إيران.
وقال المحلل السياسي منصور عزيزي إن عمليات تسليم المواقع تعكس تفاهما ضمنيا بين أنقرة وطهران، مضيفا أن إيران ضغطت على قيادة حزب العمال الكردستاني لاتخاذ هذه الخطوة.
وقال عزيزي لـ”الحرة”: “هناك دور إيراني خفي يصب في مصلحة تركيا في هذه المسألة. وهو جزء من التعاون بين طهران وأنقرة”.
وفي الشهر الماضي، أشاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بدور تركيا في منع انتفاضة كردية ضد إيران بعد اندلاع حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل في أواخر فبراير. وخلال الحرب، استهدفت طهران مكاتب وقواعد جماعات كردية إيرانية وسلطات كردية عراقية في إقليم كردستان العراق.
وبعد تكهنات مبكرة بشأن احتمال اندلاع انتفاضة كردية، استبعد الرئيس دونالد ترامب فتح جبهة كردية ضد طهران. وقال للصحفيين في 7 مارس: “لا أريد أن يدخل الأكراد. لا أريد أن أرى الأكراد يتعرضون للأذى أو يُقتلون”.
استمرار المظالم الكردية
أعرب حزب العمال الكردستاني عن شكوكه بشأن القانون الجديد ومدى التزام أنقرة بحل القضية الكردية.
وقالت قيادة الحزب في بيان صدر في 9 أغسطس: “حقيقة أنه يشير فقط إلى نزع السلاح من دون استخدام مصطلح (كردي) تظهر أن القضية لم تُعالج بكامل جوانبها”.

صبي يحمل علما عليه صورة الزعيم الكردي المسجون عبد الله أوجلان خلال مسيرة كردية في ديار بكر، تركيا، 10 مايو 2026 / رويترز.
كما طالب الحزب بالإفراج عن زعيمه أوجلان، البالغ من العمر 77 عاما، والمسجون في تركيا منذ عام 1999، قائلا إن “العديد من أحكام القانون ستظل حبرا على ورق” من دون إطلاق سراحه.
وقالت شكرية برادوست، الخبيرة في الشؤون الكردية في واشنطن، إن القانون لا يعالج القضية الكردية الأوسع. وأضافت: “إنه يتعامل معها باعتبارها قضية جماعة إرهابية، من دون معالجة الأسباب التي دفعت حزب العمال الكردستاني إلى خوض حرب عصابات طوال هذه السنوات”.
ويقول خبراء إن المصالحة بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني لا تزال تواجه تحديات كبيرة. وقال إيرالب إن محادثات سرية بين الاستخبارات التركية وأوجلان كانت إلى حد كبير القوة المحركة للعملية.
وأضاف: “العملية شديدة الغموض، وهناك انعدام للثقة. وهي عرضة بدرجة كبيرة للفشل بفعل تغيرات مفاجئة في الحسابات السياسية في سوريا”.
وفي ظل البيئة الهشة في المنطقة، قالت أيدينتاشباش إن على أنقرة التحرك سريعا للحفاظ على التأييد الشعبي للعملية. وأضافت: “الوقت عامل حاسم”.
اقرأ أيضا: بعد انتقادات أميركية.. كاتس يتراجع عن تصريحاته بشأن بقاء إسرائيل في جنوب لبنان
