رسائل الجزائر من النيجر.. نفوذ اقتصادي في الساحل ومنافسة على ممرات الطاقة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

بدأ الوزير الأول الجزائري سيفي غريب،
الخميس، زيارة رسمية إلى النيجر بتكليف من الرئيس عبد المجيد تبون، للإشراف رفقة
نظيره النيجري علي لامين زين على الإطلاق الرسمي لأشغال حفر البئر الاستكشافية “كفرا
جنوب شرق 1” في الحقل النفطي كفرا، في مشروع تراهن عليه الجزائر لتعزيز
حضورها الطاقوي في منطقة الساحل، فيما تسعى نيامي إلى تطوير مواردها الطبيعية
وتنويع شراكاتها الاقتصادية.

اقرأ أيضا: نواف سلام: هناك من تمكّن من الدخول إلى حسابي على “إكس”…

وتأتي الزيارة في وقت تشهد فيه العلاقات بين
البلدين زخماً متصاعداً بعد فترة من التوتر، إذ أكدت الجزائر ونيامي خلال زيارة
رئيس المجلس العسكري النيجري عبد الرحمان تياني إلى الجزائر في فبراير/شباط الماضي
عزمهما الحفاظ على ما وصفاه بالطابع «النموذجي» للعلاقات الثنائية ومواجهة
التحديات الإقليمية بشكل مشترك.

“كفرا”.. الطاقة في قلب التقارب
الجديد

ووفق المعطيات الرسمية الجزائرية، فإن زيارة
غريب تندرج في إطار الإرادة المشتركة للرئيس تبون ورئيس النيجر، عبد الرحمان
تياني، لإعطاء دفع جديد للعلاقات الثنائية والانتقال بها من مستوى التقارب السياسي
إلى تعاون عملي وشراكة فاعلة، خصوصاً في القطاعات الاستراتيجية وفي مقدمتها الطاقة
والمحروقات.

ويمثل إطلاق حفر البئر الاستكشافية الجديدة
محطة عملية في هذا المسار، إذ تراهن الجزائر على خبرة شركة “سوناطراك”
في الاستكشاف والإنتاج لتطوير التعاون النفطي مع جارتها الجنوبية، بينما يكتسب
المشروع أهمية بالنسبة إلى النيجر التي تسعى إلى توسيع إنتاجها النفطي واستثمار
مواردها في دعم اقتصادها.

وكان مشروع كفرا قد عاد إلى الواجهة خلال
الأشهر الماضية ضمن مسار إعادة تنشيط التعاون الجزائري-النيجري في قطاع المحروقات،
بعد سنوات من التأخر في تنفيذ عدد من مراحله. وتفيد مصادر متخصصة بأن المشروع يقوم
على شراكة بين سوناطراك والجانب النيجري، وأن كتلة كفرا تقع في شمال النيجر قرب
الحدود الجزائرية، بمحاذاة حوض تافاساست النفطي في الجنوب الجزائري.

وبحسب بيانات متداولة حول المشروع، فإن كتلة
كفرا تمتد على مساحة تقارب “23.7 ألف كيلومتر مربع”، وهو ما يجعلها من
المشاريع المهمة في الحسابات النفطية للبلدين، خصوصاً مع كونها تقع في منطقة
جغرافية متصلة جيولوجياً بمناطق النشاط النفطي في جنوب الجزائر.

مشروع مؤجل يعود إلى الواجهة

أهمية الخطوة الحالية لا تكمن فقط في بدء
حفر بئر جديدة، وإنما في كونها تعيد تحريك مشروع استكشافي ظل لسنوات يواجه التأخير.

وتعود الشراكة الجزائرية ـ النيجرية في مجال
استكشاف كفرا إلى اتفاقات سابقة، قبل أن تتم إعادة تفعيل الإطار التعاقدي للمشروع
خلال السنوات الأخيرة. وتظهر المعطيات المنشورة بشأن المشروع أن النشاط الاستكشافي
عاد تدريجياً، في وقت أصبحت فيه الجزائر أكثر اهتماماً بتطوير أصول طاقوية خارج حدودها،
وتوسيع نطاق عمل سوناطراك في أفريقيا.

وهذه النقطة مهمة بالنسبة إلى الجزائر؛ فسوق
الطاقة لم يعد بالنسبة إليها مجرد ملف تصدير للغاز والنفط، وإنما بات جزءاً من
سياسة أوسع تستهدف تحويل سوناطراك إلى أداة للحضور الاقتصادي والدبلوماسي في
القارة.

وفي هذا السياق، وسعت الشركة خلال السنوات
الأخيرة شراكاتها واستثماراتها في الاستكشاف، بما في ذلك اتفاقات جديدة مع شركات
دولية، في إطار برنامج يستهدف زيادة الإنتاج واستقطاب الاستثمارات والخبرات. فقد
وقعت سوناطراك في يوليو/تموز 2025 خمسة عقود للمحروقات نتجت عن جولة الجزائر
للاستكشاف لعام 2024، بمدة تصل إلى 30 عاماً، منها سبع سنوات مخصصة للاستكشاف.

من الكهرباء إلى النفط

ولا يأتي مشروع كفرا منفرداً في مسار
التعاون الطاقوي بين الجزائر والنيجر. ففي مارس/آذار الماضي، وضع سيفي غريب، إلى جانب نظيره النيجري، حجر الأساس لمحطة
توليد الكهرباء “للتضامن” في منطقة غورو باندا بالعاصمة نيامي، بقدرة “40
ميغاواط”، في مشروع تنفذه الجزائر بهدف دعم الشبكة الكهربائية النيجرية
وتلبية احتياجات الاستخدامين المنزلي والصناعي.

وتزامن ذلك مع إعادة تفعيل التعاون بين شركة
سونلغاز الجزائرية والشركة النيجرية للكهرباء “نيجيالك”، حيث بحث
الطرفان تسريع الاتفاقيات المتعلقة بدعم شبكة الكهرباء ونقل الخبرات الجزائرية.

كما أوفدت سونلغاز فرقاً فنية لدراسة الموقع
المخصص لمحطة إنتاج الكهرباء، فيما استفاد مهندسون وتقنيون نيجريون من برامج
تدريبية في الجزائر شملت تشغيل محطات التوليد وصيانتها.

وهكذا، يتضح أن التعاون الطاقوي بين البلدين
يتخذ مسارين متوازيين: الجزائر تساعد النيجر على تطوير قدراتها في إنتاج الكهرباء،
وفي الوقت ذاته تعمل شركاتها على استكشاف واستثمار الموارد النفطية النيجرية.

وهذا النوع من الشراكة يمنح العلاقة
الثنائية بعداً اقتصادياً أكثر استدامة من مجرد التعاون السياسي.

الجزائر تعود إلى الساحل من بوابة الاقتصاد

سياسياً، تأتي الخطوة في سياق أوسع يتعلق
بمحاولة الجزائر استعادة موقعها التقليدي في منطقة الساحل.

فالعلاقات الجزائرية-النيجرية شهدت توتراً
عقب انقلاب يوليو/تموز 2023، قبل أن تبدأ مرحلة جديدة من التقارب خلال 2026. ووصف
تبون، خلال زيارة تياني إلى الجزائر في فبراير/شباط، تلك الزيارة بأنها أنهت “فترة
غير عادية من البرودة” بين البلدين.

أما تياني، فأشاد بالموقف الجزائري من
الأزمة التي أعقبت الانقلاب، وقال إن الجزائر وقفت إلى جانب احترام سيادة النيجر
وخياراته السياسية الداخلية، في إشارة إلى رفض الضغوط الخارجية التي مورست على
السلطة الجديدة في نيامي.

وبذلك، فإن التعاون في كفرا يأتي في مرحلة
يبدو فيها البلدان حريصين على تحويل التقارب السياسي إلى مصالح اقتصادية ملموسة.

وتكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة بالنسبة
للجزائر، التي تشترك مع النيجر في حدود طويلة، وترى في استقرار الساحل الجنوبي
جزءاً أساسياً من أمنها القومي.

كما أن توسيع الحضور الاقتصادي الجزائري في
النيجر يتيح للجزائر الاحتفاظ بقناة نفوذ في منطقة تتنافس فيها قوى دولية وإقليمية
عديدة، في مقدمتها روسيا وتركيا والصين، إلى جانب الحضور الغربي المتراجع في بعض
دول الساحل.

النفط والغاز.. أبعد من كفرا

ويتزامن الدفع بمشروع كفرا مع إحياء مشروع خط
أنابيب الغاز العابر للصحراء، الذي يربط نيجيريا بأوروبا عبر النيجر والجزائر.

وخلال زيارة تياني إلى الجزائر في
فبراير/شباط، أعلنت القيادة الجزائرية عن التحضير لبدء الخطوات العملية الخاصة
بإنجاز الجزء الذي يمر عبر الأراضي النيجرية، في مؤشر على أن الطاقة أصبحت إحدى
الأدوات الرئيسية لإعادة بناء العلاقات بين الجزائر ونيامي.

وهنا تظهر الصورة الأكبر: فالجزائر لا تنظر
إلى النيجر فقط باعتباره دولة مجاورة ذات موارد نفطية، بل بوصفه حلقة جغرافية
استراتيجية بين شمال أفريقيا وعمق غرب أفريقيا.

ومن شأن تطوير البنية الطاقوية والربط
الإقليمي أن يمنح الجزائر مجالاً أكبر للتحرك جنوباً، سواء عبر النفط والغاز أو
الكهرباء أو الطرق والمنشآت المرتبطة بالطاقة.

أما النيجر، الذي يواجه تحديات اقتصادية
وأمنية كبيرة، فيحتاج بدوره إلى استثمارات وشراكات قادرة على تحويل موارده
الطبيعية إلى عوائد تنموية.

نيامي تبحث عن شركاء جدد

تأتي هذه الديناميكية أيضاً في ظل التحولات
التي طرأت على سياسة النيجر الخارجية منذ انقلاب 2023، خصوصاً بعد تراجع علاقاته
مع فرنسا وخروج القوات الفرنسية من البلاد، ثم ابتعاد نيامي عن بعض الأطر
الإقليمية التقليدية.

وأصبح النيجر، إلى جانب مالي وبوركينا فاسو،
عضواً في تحالف دول الساحل،الذي اختارت دوله الثلاث تعزيز التعاون الأمني والسياسي
والاقتصادي فيما بينها، بعيداً عن المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا “إيكواس”.

وفي هذه البيئة، تبرز الجزائر بالنسبة إلى
نيامي باعتبارها دولة جوار كبيرة تمتلك خبرة طويلة في الطاقة، وشبكة علاقات
إقليمية ودولية، فضلاً عن كونها دولة غير ساحلية مثل النيجر لكنها تمتلك منفذاً
مهماً إلى المتوسط.

ومن ثم، فإن التعاون النفطي والكهربائي قد
يتحول إلى جزء من إعادة صياغة موقع النيجر الاقتصادي، لا سيما إذا اقترن بتطوير
البنية التحتية العابرة للحدود.

سوناطراك.. ذراع الجزائر الاقتصادية في
الساحل

بالنسبة إلى الجزائر، لا يمثل دخول سوناطراك
في مشروع كفرا مجرد استثمار تجاري. فالشركة العمومية العملاقة تحولت على مدى عقود إلى أحد أهم أدوات
الدولة الجزائرية في السياسة الخارجية، سواء عبر عقود الطاقة أو نقل الخبرة أو
التدريب أو بناء المنشآت.

وتمنح مشاريع من هذا النوع الجزائر ميزة
مزدوجة: عوائد اقتصادية محتملة، ونفوذاً استراتيجياً في الدول التي تستثمر فيها.

وفي حالة النيجر تحديداً، تزداد أهمية هذه
المعادلة بسبب القرب الجغرافي، بحيث يمكن لأي توسع في النشاط الطاقوي أن يتكامل مع
مشروعات النقل والغاز والكهرباء وربط الأسواق.

غير أن المشروع لا يخلو من تحديات.
فالاستكشاف النفطي لا يعني تلقائياً الوصول إلى إنتاج تجاري، إذ يتطلب الأمر تقييم
نتائج البئر، وتحديد حجم الاحتياطيات القابلة للاستخراج، ثم اتخاذ قرارات التطوير
والاستثمار والبنية التحتية والنقل.

ومن ثم، فإن حفر “كفرا جنوب شرق 1”
هو بداية مرحلة استكشافية مهمة، وليس إعلاناً عن إنتاج نفطي مؤكد.

رهانات تتجاوز الاقتصاد

في الحسابات الجزائرية، يبدو مشروع كفرا
جزءاً من تصور أوسع لعلاقة جديدة مع النيجر: حدود آمنة، تعاون سياسي، مصالح
اقتصادية، وشراكة في الطاقة.

أما بالنسبة إلى نيامي، فإن التعاون مع
الجزائر يمنحها فرصة للاستفادة من خبرة دولة إقليمية قريبة، في وقت تعمل فيه على
إعادة ترتيب شراكاتها الخارجية والبحث عن مصادر جديدة للاستثمار والطاقة.

وتكشف طبيعة الوفد المرافق لغريب عن الأهمية
التي توليها الجزائر للزيارة؛ إذ يرافقه وزير الدولة وزير المحروقات محمد عرقاب،
والأمين العام لوزارة الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية لوناس
مقرمان، وسفير الجزائر لدى النيجر سعدي أحمد، إضافة إلى الرئيس المدير العام
لسوناطراك نور الدين داودي.

وجود وزير المحروقات ورئيس سوناطراك تحديداً
يعكس أن الزيارة ليست بروتوكولية، وإنما مرتبطة مباشرة بملفات الطاقة والاستثمار
وتنفيذ المشاريع.

اختبار عملي للتقارب الجزائري ـ النيجري

وبذلك، يمكن النظر إلى إطلاق أشغال حفر بئر
كفرا بوصفه أحد أول الاختبارات العملية للتقارب الجزائري-النيجري الذي بدأ سياسياً
ثم انتقل إلى الاقتصاد والطاقة.

فبعد زيارة تياني إلى الجزائر، ثم مشروع
محطة الكهرباء في نيامي، يأتي الدور الآن على المحروقات والاستكشاف النفطي،
بالتوازي مع التحرك بشأن خط الغاز العابر للصحراء.

وتقول هذه التطورات مجتمعة إن الجزائر
ونيامي تحاولان بناء علاقة تقوم على المصالح الملموسة، لا على التقارب السياسي
وحده.

لكن نجاح هذا المسار سيبقى مرتبطاً بقدرة
الطرفين على تحويل المشاريع المعلنة إلى منشآت وإنتاج واستثمارات فعلية، في بيئة
إقليمية شديدة الحساسية أمنياً وسياسياً.

وفي كل الأحوال، فإن “كفرا جنوب شرق 1”
يمثل أكثر من بئر استكشافية، فهو اختبار لنموذج جديد من الحضور الجزائري في
الساحل، يقوم على الطاقة والشراكة الاقتصادية ونقل الخبرة، وعلى محاولة تحويل
الجغرافيا المشتركة بين الجزائر والنيجر من مصدر للتحديات الأمنية إلى منصة
للتكامل الاقتصادي.

وإذا نجحت هذه المقاربة، فقد لا يكون كفرا
مجرد حقل نفطي في شمال النيجر، بل نقطة انطلاق لشبكة أوسع من المشاريع الجزائرية
في الساحل، تبدأ بالنفط والكهرباء، وتمتد إلى الغاز والبنية التحتية والتجارة، في
وقت تعيد فيه المنطقة بأسرها رسم تحالفاتها وشراكاتها.

اقرأ أيضا: أوامر ملكية سعودية تعيد تشكيل مجلس الوزراء برئاسة ابن سلمان

رسائل الجزائر من النيجر.. الطاقة بوابة إلى
أفريقيا ومنافسة صامتة مع المغرب

لا تبدو زيارة الوزير الأول الجزائري سيفي
غريب إلى النيجر، والإشراف رفقة نظيره النيجري على إطلاق أشغال حفر البئر
الاستكشافية “كفرا جنوب شرق 1″، مجرد محطة في مسار التعاون الثنائي، بل
تحمل في توقيتها ومضمونها رسائل سياسية واقتصادية تتجاوز حدود البلدين، وتكشف عن
رغبة جزائرية في تحويل التقارب مع نيامي إلى شراكة استراتيجية تمتد إلى عمق الساحل.

رسالة إلى المغرب

في الخلفية الإقليمية للمشروع، تبدو
المنافسة الجزائرية ـ المغربية حاضرة، وإن لم تُذكر بالاسم. فبينما يسعى المغرب
إلى تعزيز حضوره الاقتصادي في غرب أفريقيا وربط مصالحه بالطاقة والتجارة مع دول
المنطقة، تتحرك الجزائر من بوابة الساحل الجنوبي، مستفيدة من حدودها المشتركة مع
النيجر ومن خبرتها الطويلة في قطاع المحروقات.

ويمنح مشروع “كفرا” الجزائر فرصة
لترسيخ حضورها في بلد يمثل إحدى البوابات الرئيسية نحو غرب ووسط أفريقيا، فيما
يأتي التعاون النفطي والكهربائي مع نيامي ليؤكد أن الجزائر لا تريد أن تترك المجال
الأفريقي للمنافسين الإقليميين.

وتزداد أهمية هذا البعد مع وجود مشروعين
متنافسين في الحسابات الاستراتيجية للطاقة: خط الغاز العابر للصحراء الذي تراهن
عليه الجزائر لربط الغاز النيجيري بالأسواق الأوروبية عبر أراضيها، ومشروع خط
الغاز النيجيري-المغربي الذي يسعى المغرب من خلاله إلى بناء ممر طاقوي مختلف نحو
أوروبا.

وبذلك، فإن الاستثمار الجزائري في النيجر لا
يُقرأ فقط من زاوية العائد النفطي المحتمل، بل أيضاً باعتباره جزءاً من معركة أوسع
حول من يملك مفاتيح الربط بين موارد أفريقيا وأسواق أوروبا.

رسالة إلى أفريقيا

أما الرسالة الموجهة إلى أفريقيا، فتتمثل في
أن الجزائر تريد أن تقدم نفسها بوصفها شريكاً يقوم على الاستثمار ونقل الخبرة،
وليس فقط على الخطاب السياسي.

فإطلاق مشروع نفطي في النيجر يأتي بالتوازي
مع تعاون في مجال الكهرباء، وتدريب الكوادر، ومشاريع بنية تحتية، ومساعٍ لإحياء
مشاريع طاقة عابرة للحدود.

وهذا يمنح الجزائر فرصة لبناء نموذج خاص
للحضور في القارة، يقوم على توظيف خبرة مؤسساتها الكبرى، وعلى رأسها سوناطراك
وسونلغاز، في خدمة شراكات طويلة الأمد.

وبالنسبة إلى دول الساحل، التي تواجه أزمات
اقتصادية وأمنية متشابكة، فإن هذا النوع من التعاون يحمل جاذبية خاصة، لأنه يربط
الاستثمار بالطاقة والتنمية ويمنحها منفذاً نحو اقتصاد المتوسط.

رسالة إلى القوى الدولية

وتحمل الخطوة الجزائرية كذلك رسالة إلى
القوى الدولية المنخرطة في أفريقيا، مفادها أن التحولات الجارية في الساحل لا يمكن
أن تتم بعيداً عن الجزائر.

فالنيجر يقع في منطقة تتقاطع فيها مصالح
روسيا والصين وتركيا والقوى الغربية، فيما تسعى دول المنطقة إلى إعادة صياغة
علاقاتها الخارجية بعيداً عن الصيغ التقليدية.

وفي هذه البيئة، تحاول الجزائر تثبيت نفسها
باعتبارها قوة إقليمية وجاراً أفريقياً وشريكاً اقتصادياً، وليس مجرد وسيط سياسي
أو طرف أمني في ملفات الساحل.

وتوفر الطاقة للجزائر إحدى أهم أدوات تحقيق
ذلك؛ فسوناطراك تمنحها خبرة وقدرة استثمارية، بينما تمنحها شبكات الأنابيب والبنية
التحتية القائمة موقعاً مميزاً في أي ترتيبات مستقبلية لربط أفريقيا بأوروبا.

رسالة إلى العالم

على المستوى الأوسع، تقول الجزائر إن لديها
تصوراً لدورها في أفريقيا يتجاوز حدودها الجغرافية، وإنها تريد أن تكون جسراً بين
الساحل والمتوسط.

فالاستثمار في النيجر، إلى جانب مشاريع
الكهرباء وخط الغاز العابر للصحراء، يفتح أمام الجزائر إمكانية بناء شبكة مصالح
اقتصادية في منطقة طالما ارتبط حضورها فيها بالملفات الأمنية والسياسية.

وهنا تكمن أهمية مشروع “كفرا”: البئر
الاستكشافية قد تكون صغيرة في حجمها، لكنها كبيرة في دلالتها السياسية**؛ إذ تضع
شركة جزائرية عملاقة مثل سوناطراك داخل معادلة الموارد الطبيعية في دولة ساحلية
استراتيجية، وتمنح الجزائر موطئ قدم اقتصادياً يمكن أن يتوسع مستقبلاً إلى مجالات
أخرى.

وبينما تتابع العواصم الأفريقية والدولية
إعادة تشكيل موازين القوى في الساحل، تبدو الجزائر حريصة على أن تقول إن جنوبها
ليس منطقة عازلة فحسب، بل مجال حيوي اقتصادي واستراتيجي.

ومن هنا، فإن الرسالة الأبرز التي خرجت من
النيجر قد لا تكون مرتبطة بكمية النفط التي يمكن أن ينتجها حقل كفرا مستقبلاً،
وإنما بما يمثله المشروع من تحول في المقاربة الجزائرية: من تأمين الحدود الجنوبية
إلى الاستثمار في ما وراء الحدود، ومن إدارة المخاطر في الساحل إلى صناعة المصالح
فيه، ومن المنافسة على النفوذ السياسي إلى بناء نفوذ اقتصادي طويل الأمد.

اظهار أخبار متعلقة

اقرأ أيضا: تجارة عمّان تكرّم السفير التركي تقديراً لجهوده في تعزيز العلاقات الاقتصادية | مال وأعمال

‫0 تعليق