خلاف فكري من الدرجة الأولى

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

يشيع أتباع الحركات الدينية أن من ينتقد فكرهم، إنما يفعل ذلك لأسباب سياسية أو شخصية، وهذا قد يكون صحيحاً فى حالات معينة، لكن لا يصح تعميمه، بل الأصل أن نقد أفكار التطرف هو موقف فكرى وعلمى ومنهجى، وليس خصومةً سياسية أو شخصية، والخلاف معهم فكرى ومنهجى فى أصله وحقيقته ونشأته.

اقرأ أيضا: عنب ومانجو وأشياء أخرى – الوطن

وقد سجلت فى كتابى (موقف الأزهر من جماعة الإخوان) أن كبار علماء الأزهر رفضوا هذه التيارات منذ نشأتها، كالشيخ المراغى، والشيخ أحمد شاكر، والشيخ الشعراوى، من منطلق دينى لا سياسى، وحينها كانت الجماعات على توافق مع الحكومة، لأنهم تأكدوا أن الأمة لم تجن من هذه التيارات إلا الفتن والتشرذم والفوضى.
وكل من ينتقد أفكار هذه التيارات يجد قاموساً من الشتائم والاتهامات الجاهزة، تحاصره من كل جانب، فهو عندهم المنافق وعالم السلطان، وعند آخرين قبورى ومبتدع ومشرك وضال فى العقيدة، ويُقلبون سجله بحثاً عن زلاته، حتى لا يجرؤ ذو العقول والعلم على مواجهتهم.

والحق أن تفكيك الفكر المنحرف قد يأتى من زاوية سياسية أو اجتماعية أو نفسية أو تربوية، لكن هناك جانباً مهماً لا ينبغى إغفاله، وهو أن تحصين العقل من الأفكار المغلوطة يدخل ضمن حفظ العقل، الذى هو من المقاصد الكلية التى جاءت بها الشريعة، مع حفظ النفس والدين والنسل أو كرامة الإنسان والمال.

لأن العقل هو أداة الفهم، ووسيلة التمييز، ولا يقتصر حفظه على حمايته من الآفات الحسية، كالخمر والمخدرات والمسكرات، بل يمتد ليشمل كل ما يشوِّه الوعى، كالأفكار المنحرفة، والتأويلات الفاسدة، والشبهات التى تشكك الإنسان فى دينه.

اقرأ أيضا: الحبس سنة والعزل من الوظيفة لـ4 موظفين ومواطن بتهمة تزوير رخصة بناء على أرض زراعية

ونبة علماؤنا إلى أن الإسلام نهى عن الكذب، ليس فقط لأنه خلق ذميم، لكن لأنه يزيِّف الوعى، ويصنع واقعاً يمنعُ الإنسانَ من الرؤية الصحيحة للأشياء، كما حذر من اتباع الظنون، والانسياق خلف الأهواء، وأمر بالتثبت، حتى لا ينخدع الإنسان بالشائعات، ويبقى عقله قادراً على التمييز بين الصحيح والخطأ.

وهكذا عمل الإسلام على حماية العقل من صور تزييف الوعى، سواء كانت تطرفاً دينياً يقوم على الغلو والتشدد والتزمت والتكفير والتبديع والفهم المغلوط للنصوص والدعوة إلى العنف، أم كانت تطرفاً لا دينياً يقوم على الإلحاد، والترويج لأفكار غريبة عن أمتنا وهويتنا، لأن كلاهما يشوِّه الوعى، ومن ثم فإن حماية الوعى من التطرف ليست مجرد ضرورة اجتماعية، ولكنها مقصد شرعى أصيل، حتى لا يسلم الإنسان عقله لتطرف يحجبه عن رؤية الحق، ولا لمخدر يذهب عقله.

ونحن هنا نتحدث عن مواجهة التطرف القائمة على التحرى والصدق والتدقيق والتوثيق، ومناقشة الأطروحات بروح من التجرد والإنصاف، وتوجيه النقد إلى الفكرة لا إلى صاحبها، وأن يكشف الكاتب أو الداعية أو المفكر مواطن الخلل والانحراف عند التيارات الدينية المنحرفة، دون أن يجعل من النقد وسيلة لازدراء الأشخاص أو السخرية منهم، فالمقصود تصحيح المفاهيم، وإزالة اللبس، وكشف المغالطات، ليظل النقد منضبطاً بالأدب، جامعاً بين وضوح الحجة، وحفظ الكرامة الإنسانية، محققاً لجانب مهم هو حفظ العقل، الذى جعل الإسلام حفظه من المقاصد الكبرى للإسلام.

اقرأ أيضا: «حلم الطفولة أصبح حقيقة».. هيثم حسن يتحدث عن انتقاله إلى سلتيك – الأسبوع

‫0 تعليق