مبادرة بحثية في جامعة كولومبيا بنيويورك تجري تسلسلًا كاملًا للجينوم لما يصل إلى 100 ألف مولود جديد، للكشف عن نحو 450 مرضًا وراثيًا نادرًا قبل ظهور الأعراض. النتائج الأولية أظهرت اكتشاف أمراض خطيرة لدى 4٪ من الأطفال، معظمها لم يكن ليُرصد عبر الفحوص التقليدية.
اقرأ أيضا: بعد أحكام إعدام الأسد وشقيقه.. العدل السورية تتحرك دولياً لملاحقة الفارين
سلّط باحثون من نيويورك وبوسطن الضوء، في يونيو الماضي، على حالة طفلة تبلغ من العمر 6 أشهر شُخِّصت بمرض «باتن»، وهو اضطراب وراثي نادر ومميت يؤثر في الجهاز العصبي — وذلك قبل ظهور أي أعراض، وربما قبل سنوات من الموعد المعتاد لاكتشاف المرض، بحسب تقرير نشره موقع «CNBC».
وعادةً ما يُكتشف مرض «باتن» بعد ظهور أعراض مثل تغيرات مفاجئة في الرؤية أو نوبات الصرع، غير أن الجهاز العصبي يكون قد تعرّض بحلول ذلك الوقت لأضرار بالغة لا يمكن عكسها.
فحص 100 ألف مولود بحثاً عن أمراض نادرة
كانت الطفلة ضمن دراسة «GUARDIAN»، وهي مبادرة بحثية أطلقتها جامعة كولومبيا في ولاية نيويورك، تهدف إلى توفير تسلسل مجاني لكامل الجينوم وفحص ما يصل إلى 100 ألف مولود جديد للكشف عن أمراض وراثية نادرة. وتقود الدراسة عالمة الوراثة السريرية والجزيئية ويندي تشونج، فيما حصلت المبادرة على تمويل من شركات «Sanofi» و«Illumina» و«GeneDx».
ويختلف هذا الفحص جذرياً عن برامج فحص حديثي الولادة التقليدية المعتمدة في الولايات المتحدة، التي تبحث عادةً عن نحو 30 إلى 50 مرضاً فحسب، إذ يفحص برنامج «GUARDIAN» نحو 450 حالة وراثية دون الحاجة إلى أخذ عينات دم إضافية من الطفل.
وأظهرت نتائج أولية نُشرت في مجلة «JAMA» أن الفحص — بعد تطبيقه على أول 4 آلاف مولود — اكتشف أمراضاً وراثية خطيرة لدى ما يقرب من 4% من الأطفال، وكان أكثر من 90% من هذه الحالات لن يُكتشف عبر طرق الفحص التقليدية.
التشخيص المبكر قد يغيّر مسار المرض
بعد تشخيص الطفلة بمرض «باتن»، قرر والداها بالتعاون مع الأطباء بدء علاج يأملون أن يساعد على تأخير الأضرار العصبية أو الحدّ منها. ولا يزال من المبكر الحكم على مدى نجاح العلاج، لكن التشخيص المبكر منح الأسرة فرصة للتدخل قبل ظهور الأعراض.
وتسلط هذه الحالة الضوء على تحول جوهري في التعامل مع الأمراض الوراثية: فالتشخيص لم يعد مقتصراً على تفسير الأعراض بعد ظهورها، بل بات وسيلة للتدخل قبل بدء المرض.
اقرأ أيضا: تحليل: السعودية تراهن على التحالفات الدفاعية لتجنب الانزلاق إلى الحرب
التشخيص الجيني يمنح الأسر إجابات وخيارات
تقول إليزا جولدواسر، مؤسسة منظمة بحثية معنية بمتلازمة «AUTS2» وأم لطفل مصاب بها، إن تشخيص ابنها لم يمنح الأسرة تفسيراً لتأخره النمائي فحسب، بل فتح أمامها أبواباً للمشاركة في الأبحاث والتواصل مع أسر أخرى وعلماء متخصصين، فضلاً عن مساعدتها على اتخاذ قرارات مستقبلية بعدما أثبت الفحص أن الحالة ناتجة عن تغيّر جيني تلقائي لا يحمله أي من الوالدين.
أما جيني جراهام بيسون، المناصِرة لمرضى الأمراض النادرة، فتحكي تجربة مختلفة مع طفليها اللذين حصل كل منهما على تشخيص وراثي مختلف بعد سنوات من التساؤلات، مؤكدةً أن النتيجة السلبية أو غير الحاسمة لفحص جيني قد لا تعني انتهاء رحلة البحث عن التشخيص، لا سيما مع التطور المتسارع في تقنيات الفحص.
لماذا أصبح الفحص الجيني ضرورة؟
يرى الدكتور ريتشارد فينكل، طبيب الأعصاب في مستشفى «سانت جود» لأبحاث الأطفال، أن معظم الأمراض النادرة لها أساس وراثي، وأن الفحص الجيني لا يجيب فقط عن سؤال «لماذا حدث المرض؟»، بل يفتح الباب أمام سؤال أكثر أهمية: «كيف يمكن علاجه؟»
ويضيف فينكل أن التشخيص الدقيق يساعد في اختيار علاجات موجهة، وتجنّب فحوص إضافية غير ضرورية، كما يكشف احتمالات انتقال الحالة إلى أطفال آخرين أو وجودها لدى أفراد من الأسرة. ويستشهد بمرض ضمور العضلات الشوكي الذي كان يودي بحياة بعض الأطفال قبل بلوغهم عامين، فيما بات بعض المصابين اليوم قادرين على عيش حياة طبيعية بفضل العلاجات الجينية.
ومع استمرار تطور هذه التقنيات، قد يصبح الفحص الجيني المبكر ركيزة أساسية في رعاية الأطفال، يتيح اكتشاف الأمراض قبل ظهور أعراضها وبدء العلاج في الوقت الذي تكون فيه فرص تحقيق أفضل النتائج في أعلى مستوياتها.
اقرأ أيضا: حوارية بمأدبا : تمكين الشباب وتعزيز مهاراتهم ركيزة لتحقيق التنمية المستدامة
