
عمان – أكد خبراء محليون في الشأن التقني يوم أمس أن وصول الأردن إلى مرحلة متقدمة من النضوج الرقمي يعد خطوة محورية تفتح الباب أمام تحديات وفرص جديدة، في بلد ارتفعت فيه نسبة الخدمات الحكومية المرقمنة إلى أكثر من 85 %، مع قاعدة مستخدمين للإنترنت تتجاوز 11 مليونا.
وقال الخبراء، في تعليقهم على تقدم الأردن في مؤشر نضوج الخدمات الحكومية الإلكترونية والنقالة لعام 2025، الصادر عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا “الإسكوا”، إن المعيار العالمي للتنافسية اليوم لم يعد يقتصر على عدد المعاملات المؤتمتة، بل يرتكز على مدى نجاح الدول في استثمار البيانات والذكاء الاصطناعي لتحفيز الاقتصاد، واستقطاب المستثمرين، ورفع كفاءة الأداء الحكومي.
وقالوا إن الأردن يمتلك فرصة فعلية للتحول من الحكومة الإلكترونية إلى الحكومة الذكية، التي تعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي والخدمات الاستباقية. ولضمان استمرار هذا التقدم، يجب مواصلة الاستثمار في الكفاءات البشرية، وتنمية المهارات الرقمية، ودعم الابتكار المؤسسي، وربط تقييم الأداء الحكومي بمستوى رضا المواطنين وجودة الخدمات المقدمة.
ويمكن تعريف النضوج الرقمي بأنه مستوى قدرة المؤسسة أو الجهة الحكومية على مواءمة إستراتيجياتها وعملياتها وثقافتها التنظيمية ومواردها البشرية وبنيتها التقنية مع البيئة الرقمية، بما يضمن التطور المستمر، ورفع كفاءة الأداء، وتعزيز القدرة على الابتكار، وتقديم خدمات ذات قيمة مستدامة للمستفيدين.
وحقق الأردن تقدما ملحوظا في القيمة الإجمالية لمؤشر نضوج الخدمات الحكومية الإلكترونية والنقالة لعام 2025، الصادر عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا “الإسكوا”، مسجلا نسبة نضوج بلغت 71 %، مقارنة مع 63 % في عام 2024، بارتفاع مقداره 8 نقاط مئوية.
وتظهر المقارنة أن نتيجة الأردن المسجلة في العام 2025 هي “الأعلى” خلال السنوات الأخيرة؛ إذ بلغت القيمة الإجمالية للمؤشر 59 % في عام 2022، وارتفعت إلى 64 % في 2023، ثم انخفضت بصورة محدودة إلى 63 % في 2024، قبل أن تصعد إلى 71 % في 2025.
وقال الخبير في مجال التقنية والاتصالات وصفي الصفدي إن المؤشر العالمي يظهر أن الأردن حقق تقدما ملموسا في مسيرة التحول الرقمي الحكومي، حيث انضم إلى مجموعة النضوج المتقدم وحقق أداء يفوق المتوسط العربي في الركائز الرئيسة للمؤشر، لافتا إلى أن هذا الإنجاز يعكس نجاح الاستثمارات في تطوير البنية التحتية الرقمية، وتعزيز التكامل بين المؤسسات الحكومية، واعتماد الهوية الرقمية، إلى جانب الارتقاء بجودة الخدمات الإلكترونية وتجربة المستخدم.
وأوضح الصفدي أن أبرز الدروس المستفادة تتمثل في أن التحول الرقمي لم يعد يُقاس بعدد الخدمات الرقمية المتاحة فحسب، وإنما بجودة هذه الخدمات، ومدى تكاملها، وسهولة الوصول إليها، ورضا المستفيدين عنها. كما يؤكد التقرير أن نجاح التحول الرقمي يعتمد على وجود منظومة متكاملة تشمل بنية تحتية موثوقة، وحوكمة رقمية فعالة، وكوادر بشرية مؤهلة، وسياسات تدعم الابتكار والتحسين المستمر.
ويبرز كذلك أن الاستثمار في تجربة المستخدم، وإتاحة الخدمات لجميع فئات المجتمع، وتعزيز التكامل وتبادل البيانات بين الجهات الحكومية، تمثل عوامل حاسمة في رفع مستوى النضوج الرقمي وتحقيق أثر اقتصادي واجتماعي مستدام.
وقال: “يمكن البناء على النتائج الحالية من خلال تبني مرحلة جديدة من التحول الرقمي تركز على تطوير خدمات حكومية استباقية تعتمد على البيانات والأحداث الحياتية للمستفيدين، والتوسع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لدعم اتخاذ القرار وتقديم المساعدة الذكية للمستخدمين، إلى جانب تعزيز تجربة الخدمات عبر الأجهزة الذكية بما يضمن اتساقها مع الخدمات المقدمة عبر البوابات الإلكترونية.
كما ينبغي مواصلة تطوير الشمول الرقمي، وتعزيز الابتكار في تصميم الخدمات، والاستفادة من نتائج المؤشر بوصفها أداة لقياس الأداء وتحديد أولويات التحسين، بما يسهم في رفع تصنيف الأردن مستقبلا والانتقال إلى مجموعة النضوج المتقدم جدا وفق المعايير الإقليمية والدولية”.
ويرى الخبير في مجال حوكمة البيانات والذكاء الاصطناعي الدكتور حمزة العكاليك أن تقدم الأردن في المؤشر “لا يمثل نجاحا تقنيا فحسب، بل يعكس تحولا مؤسسيا متدرجا يستحق القراءة والتحليل، والأهم البناء عليه باعتباره نقطة انطلاق نحو مرحلة أكثر طموحا في مسيرة التحول الرقمي”.
وقال العكاليك إن هذا التحسن لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة تراكمات بدأت خلال السنوات الماضية، حيث ارتفعت قيمة المؤشر من 59 % عام 2022 إلى 64 % في 2023، ثم 63 % في 2024، وصولا إلى 71 % في 2025، وهو أعلى مستوى يحققه الأردن منذ إطلاق المؤشر.
والأهم من ذلك أن الأردن بات ضمن مجموعة الدول العربية ذات النضوج المتقدم في الخدمات الحكومية الرقمية، وهي الفئة التي تضم الدول التي تتراوح نتائجها بين 50 % و75 %. مشيرا إلى أن هذه النتيجة تعكس أن التحول الرقمي في الأردن لم يعد مجرد مشاريع منفصلة، بل بدأ يأخذ شكل منظومة حكومية مترابطة تقوم على تحسين تجربة المستخدم وتطوير الخدمات وتعزيز الوصول إليها. وعند تحليل أسباب هذا التقدم، يتضح أن العامل الأكثر تأثيرا يتمثل في انتقال الحكومة من التركيز على رقمنة الإجراءات إلى تحسين تجربة المستفيد، وفقا للعكاليك، الذي استند إلى التقرير ونتائجه التي تظهر تحقيق الأردن نتائج مرتفعة في الوصول إلى الجمهور ورضا المستخدمين، وتوفر الخدمات عبر الهوية الرقمية، وارتفاع مستوى الأمن السيبراني للقنوات الرقمية، إضافة إلى بلوغ مستوى الربط بين المؤسسات الحكومية 97 %.
وقال العكاليك إن من أبرز عوامل النجاح أيضا الاستثمار في البنية التحتية الرقمية. فقد سجل الأردن مستويات مرتفعة في وقت تشغيل الخدمات الرقمية، ومستوى الأمن على القنوات الإلكترونية، وجودة البيانات المفتوحة، وتوفر اللغات، وهي عناصر غالبا ما تغيب عن اهتمام الرأي العام رغم أنها تشكل الأساس الحقيقي لأي حكومة رقمية ناجحة.
فالمواطن لا يقيم الخدمة الرقمية بناء على تصميمها فقط، بل وفق سرعة إنجازها، واستمرارية عملها، وأمان بياناته، وسهولة الوصول إليها في أي وقت ومن أي مكان.
وأضاف قائلا: “كما أن التطور الكبير في ركيزة الوصول إلى الجمهور، التي ارتفعت من 66 % إلى 82 % خلال عامين، يعكس نجاحا واضحا في نشر الثقافة الرقمية وزيادة الاعتماد على القنوات الإلكترونية، وهو تحول مهم؛ لأن نجاح أي مشروع للتحول الرقمي لا يقاس بعدد الخدمات المتاحة فقط، وإنما بنسبة استخدامها الفعلية. فالخدمة الرقمية التي لا يستخدمها المواطن لا تحقق أي قيمة اقتصادية أو إدارية مهما بلغت جودتها التقنية”.
ورغم هذه النتائج الإيجابية، أكد العكاليك أن التقرير نفسه يكشف بوضوح أين يجب أن تتجه المرحلة المقبلة. فبينما بلغت البيئة الداعمة لتوظيف التقنيات الناشئة 90 %، لم يتجاوز الاستخدام الفعلي لهذه التقنيات داخل الخدمات الحكومية 30 %.
وهذه الفجوة تشير إلى أن الأردن يمتلك البيئة التنظيمية والبنية الأساسية، لكنه ما يزال بحاجة إلى توسيع التطبيق العملي للذكاء الاصطناعي، والتحليلات التنبؤية، والأتمتة الذكية، والأنظمة الوكيلة القادرة على تنفيذ المهام بصورة مستقلة تحت إشراف بشري.
ويرى العكاليك أن المرحلة القادمة “يجب ألا تقتصر على رقمنة الخدمة، بل ينبغي أن تجعل الخدمة نفسها أكثر ذكاء وأكثر استباقية وأكثر قدرة على التنبؤ باحتياجات المستفيدين قبل أن يطلبوها”.
وأكد قائلا: “غير أن النجاح الحقيقي لن يتحقق بالذكاء الاصطناعي وحده، بل ببناء منظومة متكاملة لحوكمة البيانات. فكلما زادت الخدمات الرقمية، ازدادت قيمة البيانات الحكومية باعتبارها موردا إستراتيجيا لا يقل أهمية عن البنية التحتية التقليدية.
ولذلك، فإن المرحلة المقبلة تستوجب الاستثمار في جودة البيانات، وتوحيد معاييرها، وتعزيز قابلية تبادلها بين المؤسسات، وتطوير سياسات واضحة للخصوصية والأمن السيبراني، بما يضمن أن تكون البيانات وقودا لاتخاذ القرار، وليس مجرد مخزون معلوماتي معزول”.
وأشار إلى ضرورة التركيز على تطوير التطبيقات النقالة، إذ أظهر التقرير أن نضوج الخدمات عبر الهواتف الذكية ما يزال أقل من مستوى البوابات الإلكترونية، وهي مؤشرات تؤكد أن التحول الرقمي الحقيقي لا يكتمل إلا عندما تكون الخدمات شاملة وسهلة الاستخدام ومتاحة لجميع فئات المجتمع دون استثناء.
وقال المتخصص في مجال التحول الرقمي المهندس هاني البطش إن تقدم الأردن في المؤشر ودخوله ضمن مجموعة الدول ذات النضوج المتقدم “يعتبر مؤشرا إيجابيا على تطور منظومة التحول الرقمي الحكومية”.
وقال البطش إن التقرير يؤكد أن الأردن حقق نتائج مرتفعة في التشغيل البيني بين المؤسسات، وأمن القنوات الرقمية، ووقت توفر الخدمات، وهي مؤشرات تعكس نضجا مؤسسيا يتجاوز مجرد توفير الخدمة الإلكترونية إلى بناء منظومة حكومية أكثر تكاملا.
وبين أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مفهوم الحكومة الإلكترونية إلى الحكومة الذكية، بحيث تصبح الخدمات الحكومية استباقية ومخصصة لكل مواطن أو مستثمر، وتعتمد على تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار وتحسين تجربة المستخدم.
وأكد أن هذا الإنجاز يمثل أيضا فرصة لتعزيز الثقة بالاقتصاد الرقمي الأردني، خاصة مع ارتفاع مستويات التكامل الرقمي بين المؤسسات الحكومية، وهو عامل مهم للمستثمرين المحليين والدوليين.
وأوضح أن المرحلة القادمة تحتاج إلى التركيز على جودة التحول وليس سرعته فقط. ومن أبرز الأولويات: الانتقال إلى استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي والذكاء الاصطناعي الوكيلي في تقديم الخدمات الحكومية، بما يتوافق مع توصيات تقرير الإسكوا؛ وإعادة تصميم الإجراءات الحكومية لتكون رقمية بالكامل، بدلا من تحويل الإجراءات الورقية إلى نماذج إلكترونية فقط؛ وتطوير التطبيقات الحكومية النقالة لتصبح القناة الرئيسة للحصول على الخدمات، مع تحسين تجربة المستخدم وإتاحة الخدمات للأشخاص ذوي الإعاقة؛ وبناء منظومة وطنية لحوكمة الذكاء الاصطناعي تتوافق مع المعايير الدولية، مثل ISO/IEC 42001 وNIST AI Risk Management Framework، لضمان الاستخدام المسؤول والآمن للذكاء الاصطناعي؛ وتعزيز الأمن السيبراني وحماية البيانات الشخصية باعتبارهما عنصرين أساسيين في نجاح التحول الرقمي، خاصة مع التوسع في استخدام البيانات والذكاء الاصطناعي.
وأشار إلى أهمية الاستثمار في بناء القدرات الرقمية، ورفع مهارات موظفي القطاع العام في تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي وإدارة المنتجات الرقمية والأمن السيبراني، وتعزيز الشراكة مع الجامعات والقطاع الخاص والشركات الناشئة لتطوير حلول حكومية مبتكرة، وتسريع تبني التقنيات الناشئة، واعتماد مؤشرات أداء تقيس الأثر الحقيقي للتحول الرقمي، مثل تقليل زمن إنجاز المعاملات، ورفع رضا المستخدمين، وزيادة الإنتاجية، وتحسين بيئة الأعمال، بدلا من الاكتفاء بعدد الخدمات الرقمية.
اقرأ أيضا: كريستيانو رونالدو يشارك في تدريبات النصر استعدادا لمباراة الفتح
