باحثون وباحثات عرب: الفضاء الافتراضي يوسّع مجالات التعبير ويعيد إنتاج العزلة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

هل ما زال الهامش يعني العيش خارج المجال
العام؟ يبدو أن التحوّلات الرقمية قد أعادت تشكيل معنى الهامش. لم تعد العزلة
مرتبطة بالضرورة بالابتعاد عن الآخرين. فقد يكون المرء بين الناس، حاضرا بينهم،
لكنّه في حالة اغتراب. وبقدر ما يفتح الفضاء الرقمي آفاقا للظهور ويمنح آليات
للتعبير، فإنه قد يعمّق، في الوقت نفسه، أشكالا جديدة من العزلة.

اقرأ أيضا: استطلاعات: حكومة ميلوني تفقد ثقة الشباب الإيطالي

من هذه المفارقة تنطلق مجموعة من الأبحاث
التي تتقاطع فيها قضايا الهجرة والأقليات والتنوع مع أسئلة الإعلام والهوية
والتحولات التي أحدثتها البيئة الرقمية، وجُمعت في كتاب “الإعلام وقضايا
الاندماج والتنوّع في العالم العربي: الهجرة، العولمة والرقمي” الصادر عن دار
سوتيميديا للنشر، بمشاركة باحثين من بلدان عربية مختلفة، وتنسيق وتحرير المعز بن
مسعود وجمال زرن ونور الدين الميلادي.

ولا تظهر الأقليات في الكتاب باعتبارها
جماعة واحدة أو تجربة متشابهة؛ إذ تتوزع الحالات المدروسة بين المهاجرين
والمهاجرات والعمالة المهاجرة ومهاجري العبور والجماعات المهمشة والأمازيغ وغيرها
من الفئات التي تواجه أسئلة التمثيل والهوية والانتماء. وتلتقي هذه التجارب
المختلفة عند سؤال واحد: هل تمنح البيئة الرقمية الأقليات فرصة فعلية للاندماج
والمشاركة أم أنها تنقل التهميش من المجال الواقعي إلى فضاء افتراضي جديد؟

نجد إجابات لهذا السّؤال في البحوث التي
تضمّنها الكتاب والني نختار  منها نماذج
لمقاربة الموضوع.

الأقليات في الفضاء الافتراضي

في فصله حول “الأقليات الرقمية:
المهمشون في الفضاء الافتراضي” يبحث الدكتور سالم لبيض في موقع هذه الفئات
داخل المجال الرقمي وفي قدرتها على استخدامه للدفاع عن قضاياها ومقاومة
الإقصاء.فتتيح المنصات الرقمية ، بحسب الباحث، أكثر من مجرد فضاء للتعبير الفردي
إذ يمكن أن تتحول إلى فضاءات لتشكيل حركات اجتماعية افتراضية وجمع الأفراد حول
قضايا مشتركة ونقل بعض المطالب من دوائرها الضيقة إلى النقاش العام.

لكن الحضور في الفضاء الرقمي لا يساوي
بالضرورة التأثير. فالجماعة التي تدخل المنصة تدخل أيضا في منافسة على جذب
الانتباه وتحتاج إلى خطاب قادر على الوصول إلى الجمهور واستقطاب تفاعله. وهنا يصبح
السؤال متعلّقا ليس فقط بمن يستطيع الكلام، وإنما بمن يستطيع أن يجعل كلامه مرئيّا.

المهاجرات يصنعن فضاءهن داخل الفضاء الرقمي

تظهر هذه النقلة بوضوح في دراسة  الدكتورة حميدة البور حول “الجندر المهاجر
والمجال العمومي: المهاجرات النظاميات في الإعلام الدولي والشبكات الرقمية”
حيث اعتمدت الباحثة على قصص حياة مهاجرات من بلدان عربية وأجنبية، لتبحث في حضورهن
داخل المجال العمومي، وخصوصاً في الإعلام الدولي وشبكات التواصل الاجتماعي.

وتشير نتائج الدراسة إلى أن الشبكات الرقمية
وفرت للمهاجرات إمكانات للتآزر وطرح المشكلات وتبادل المعلومات والبحث عن حلول.
كما أصبحت تؤدي بعض الوظائف الإخبارية والخدماتية إلى جانب إتاحة مساحة للتعبير عن
الذات. ويتغيّر بذلك موقع المهاجرة في العملية الاتصالية: فهي لا تبقى مجرد موضوع
تتناوله وسائل الإعلام بل تصبح قادرة على رواية تجربتها وإنتاج معلومات مرتبطة
بحياتها، والتواصل مع أخريات يواجهن ظروفا مشابهة.إنها نقلة من التمثيل من الخارج
إلى محاولة صناعة التمثيل من الداخل.

من إعلام الأقليات إلى “ميديا الأقليات”

في بحثه حول “ميديا الأقليات: المداخل
النظرية والمنهجية” يقارب الدكتور جمال زرن علاقة الإعلام بالأقليات من خلال
المقاربتين الوظيفية والنقدية. ويستعيد الباحث، في هذا السياق، أعمال روبرت إزرا
بارك ومدرسة شيكاغو التي اهتمت بدور الصحافة المكتوبة في مساعدة المهاجرين الجدد
على التعرف إلى المجتمع الذي أصبحوا جزءا  منه ومتابعة ما يجري داخله. فالإعلام، وفق هذه المقاربة، لا يؤدي وظيفة
إخبارية فقط، بل يمكن أن يساعد المهاجر على فهم محيطه الجديد والدخول في علاقاته
الاجتماعية.غير أن علاقة الإعلام بالمهاجر لا تتوقف عند الاندماج. فهو يمكن أن
يشارك أيضاً في تكوين هوية هجينة، لا تستعيد هوية بلد الأصل كما ه ولا تتبنى
بالكامل هوية المجتمع المضيف.غير أن تجاوز الحدود لا يعني بالضرورة تجاوز الهامش.
فالقدرة على الوصول إلى التكنولوجيا واستخدامها ليست موزعة بالتساوي  وهو ما يجعل الفجوة الرقمية نفسها أحد العوامل
التي يمكن أن تعيد إنتاج التفاوت داخل الفضاء الافتراضي.

حين يتحول الإعلام إلى عامل تشتيت

يتحول الإعلام من وسيلة للربط بين الجماعات
إلى عامل لتشتيتها، هذا ما ينتهي إليه بحث الدكتور عمار طاهر محمد حول
“الإعلام والتنوع وتشظي الهوية الوطنية في المشرق العربي: دراسة في الحالة
العراقية” الذي يربط الإعلام بسؤال بناء الوعي الجمعي والهوية الوطنية.
وينطلق الباحث من أهمية الوعي الوطني في التنشئة السياسية، باعتباره عاملاً في
تعزيز مفاهيم المواطنة والهوية الوطنية.غير أن التحولات التي عرفها العراق بعد عام
2003 دفعت أقليات وجماعات مختلفة إلى البحث عن وسائل إعلام تعبّر عن قضاياها
وهوياتها.

اقرأ أيضا: اتهام فرنسي لشركة إسرائيلية بالتحريض “رقميا” ضد مرشحين داعمين لفلسطين

وبحسب نتائج الدراسة، لم يؤد هذا المسار
دائماً إلى توسيع المجال المشترك، إذ تحولت بعض وسائل الإعلام إلى ساحات للدفاع عن
الذات في مواجهة الآخر، بما أسهم في تعميق الاستقطاب الطائفي والقومي.وكان من
نتائج ذلك، وفق الباحث، تكريس عزلة بعض الأقليات وإضعاف حضور الهوية الوطنية
الجامعة.ويشير إلى أن الأكراد والمسيحيين والصابئة والإيزيديين يشعرون بأن الإعلام
العراقي لا يعكس هوياتهم بما يكفي وهو ما يرتبط لديهم بالإحساس بالتهميش الثقافي.
كما أظهرت الدراسة أن أكثر من نصف أفراد العينة يرون أن الإعلام العراقي يسهم،
بصورة دائمة أو ظرفية، في زيادة الانقسامات بين مكونات المجتمع، وهو ما يفتح
النقاش حول حياد التغطية الإعلامية ودورها في إدارة التنوع.

تكشف هذه الأبحاث أن وجود الأقليات في
البيئة الرقمية لم ينهِ علاقتها بالهامش، لكنه غيّر أدوات هذه العلاقة وأشكالها.
فيستطيع المهاجر اليوم المحافظة على صلته الثقافية والاجتماعية ببلده والمهاجرة
قادرة على مشاركة تجربتها وبناء شبكات للتآزر. وتستطيع الأقليّات كذلك انتاج
خطابها والدفاع عن قضاياها. كما يمكن لجماعات متباعدة جغرافيا أن تلتقي حول رموز
وهوية مشتركة.

لكن الوجه الآخر لا يقل أهمية. فالمنصة التي
تمنح جماعة ما فرصة للتعبير يمكن أن تصبح أيضا مجالا للاستقطاب والانغلاق وإعادة
إنتاج الصور النمطية. وقد يكون امتلاك القدرة التقنية على التعبير أقل أهمية من
امتلاك القدرة على الوصول إلى الآخرين والتأثير فيهم.لذلك، لا ينبغي قياس اندماج
الأقليات بمجرد حضورها على المنصات. فالمشاركة الرقمية لا تعني تلقائيا المشاركة
في صناعة المجال العام، والقدرة على النشر لا تعني بالضرورة القدرة على تحديد
القضايا التي تحظى بالاهتمام.

ومن هنا تتجاوز قضية الأقليات الرقمية سؤال
الحضور إلى سؤال التمثيل والتأثير. فالمهمشون قد يصبحون أكثر ظهورا من أي وقت مضى،
لكن ظهورهم لا يعني بالضرورة امتلاكهم الشروط نفسها التي يمتلكها الآخرون لصناعة
الخطاب وتوجيه النقاش.وما هذه الدراسات إلا نماذج من المقاربات التي يضمها كتاب
“الإعلام وقضايا الاندماج والتنوّع في العالم العربي: الهجرة، العولمة
والرقمي” و الذي يفتح المجال أمام أصوات بحثية وتجارب عربية متعددة حول قضايا
الإعلام والاندماج والتنوع.

في فضاء تتنافس داخله الجماعات على جذب
الانتباه والاعتراف بهم لم يعد السؤال  فقط: من يستطيع أن يعبّر؟ بل من يستطيع أن يجعل الآخرين يصغون إليه؟

اقرأ أيضا: استعراض تجربة فرقة معان للفلكلور الشعبي في مكتبة شومان بمعان  

‫0 تعليق