«وسط البلد».. البحث عن الجمال الضائع!

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

القاهرة تبحث عن ماضيها الضائع وسط فوضى العشوائية، ويكفى أن تقف في ميدان العتبة، وتتأمل مبنى المطافئ القديم بتفاصيله المعمارية البديعة، ثم تلتفت إلى عمارة التأمينات المواجهة له، لتدرك حجم المأساة.
مبنى يحمل روحا وتاريخا، فى مواجهة كتلة خرسانية متراصة، تفتقر إلى الجمال والملامح، هكذا وسط البلد، مزيج مؤلم بين تراث عظيم وتشوهات حديثة.
أتمنى أن ينجح مشروع تطوير القاهرة، واستعادة طابعها المعمارى الفريد، وتطوير واجهات العقارات التاريخية، وإزالة التشوهات البصرية واللوحات العشوائية، وتوحيد ألوان المبانى، وتركيب إضاءات تبرز جمالها بدلا من النيون، وإعادة تخطيط وتنسيق الميادين والشوارع الرئيسية، مثل ميدان محمد فريد وشارع الألفى.
هى خطوات مهمة، لكن نجاحها يتوقف على استمرارها، وعدم السماح بعودة الفوضى مرة أخرى، خصوصا بعد نقل المبانى الحكومية الى العاصمة الإدارية، وتحويل بعضها إلى منشآت فندقية وثقافية، ووضع ضوابط صارمة للحفاظ عليها.
لقد ظلمنا الخديو اسماعيل كثيرا، الذى كان شغوفا بالجمال والبناء، وأراد أن يجعل القاهرة مثل باريس، فاستعان بمهندسين على الذوق الفرنسى، وأطلق عليها لقب «باريس الشرق»، ومحاولة صناعة عاصمة حديثة تليق بمصر ومكانتها.
أما باريس الفرنسية فما زالت جميلة، وحافظ الفرنسيون على تراثها العمرانى، وأعادوا ترميم المبانى القديمة بنفس أشكالها وتفاصيلها وملامحها، بينما اخترعت القاهرة حلا مختلفا، وبدلا من ترميم المبانى الرائعة، تم هدمها واستبدالها بعمارات تشبه علب الصفيح، وحلت الخرسانة محل الجمال.
ومن يقرأ تاريخ حديقة الأزبكية، ثم يذهب ليرى حالها اليوم، يشعر بالفارق المؤلم، أنشأها الخديو إسماعيل على مساحة ١٨ فدانا ،منذ أكثر من قرن ونصف، بعد ردم البركة، وكلف مهندسا فرنسيا بتصميمها على الطراز الأوروبى، لتصبح متنزها فخما ومركزا ثقافيا وفنيا فى قلب القاهرة، وتضم المسرح الكوميدى ودار الأوبرا، وتقام فيها الاحتفالات والحفلات، وتعزف فرق موسيقى الشرطة والجيش.
أما اليوم، فقد تحولت أجزاء كبيرة من المنطقة المحيطة بها الى سوق عشوائى مكتظ بالباعة الجائلين، فى مشهد لا يليق بتاريخ المكان، وكلما حاولت المحافظة إزالة الإشغالات، عادت بعد وقت قصير، وكأن المدينة عاجزة عن استرداد واحد من اهم ميادينها التاريخية.
ولو تجولت على الأقدام فى شوارع وسط البلد، ودققت النظر فى العمارات القديمة، ستكتشف أننا ارتكبنا جرائم حقيقية فى حق الجمال، فالعمارة من أعلى تحفة فنية، تتزين بتماثيل حجرية وزخارف هندسية وتفاصيل دقيقة، وكأنها فى متحف مفتوح، ولكن حين تنظر إلى أسفلها تجد الزجاج والألوميتال واللافتات والمحلات التى تخفى ملامحها.
كان يمكن الحفاظ على الشكل العمرانى لهذه المبانى واستخدامها بما يتناسب مع العصر، فالتحديث لا يعنى التشويه، والمدينة التى تنسى ماضيها تفقد جزءا من شخصيتها، والقاهرة لا تحتاج إلى أن تعود إلى الماضى بالكامل، ولكن أن نتعلم كيف نجعل المستقبل يحترم ميراث الأجداد.

اقرأ أيضا: الطريق بين «هرمز».. وانتخابات أمريكا!!

‫0 تعليق