شدّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أمس، لهجته تجاه إيران، معلناً أن الولايات المتحدة باتت تفرض «سيطرة كاملة» على مضيق هرمز، وأنها تعتزم الإبقاء على هذه السيطرة، مؤكداً أن قادة الحرس الثوري «يهربون وقيادتهم غير مستقرة»، وأن «الوضع يصبح أسوأ» في إيران مع استمرار الحصار الأمريكي، في وقت أظهرت فيه بيانات الشحن هبوط حركة الملاحة عبر الممر الحيوي إلى أدنى مستوى في أسبوع، فيما يواصل الحصار الأمريكي تضييق الخناق على صادرات النفط والموارد المالية الإيرانية، وسط تعثر الجهود الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار وإعادة فتح المضيق.
وكتب ترامب على منصة «تروث سوشال»، اليوم، أن «سيطرة الولايات المتحدة على مضيق هرمز كاملة»، مضيفاً: «أعتقد أننا سنبقي على هذا الوضع»، ووصف الحصار البحري الأمريكي المفروض على إيران بأنه «جدار من الفولاذ»، مؤكداً أنه «لا يوجد ما يمكن لإيران فعله تجاه ذلك»،.
وتابع حديثه بالقول إن إيران «لم يعد لديها أسطول بحري ولا سلاح جو، وجنودهم لا يتقاضون رواتبهم، والحرس الثوري يهرب، وقيادته غير مستقرة». لافتًا أن «الوضع يصبح أسوأ» في إيران مع استمرار الحصار الأمريكي.
كما ذكر أن إيران «لا تملك المال، ومنهكة. كل ما يملكون هو الأخبار الكاذبة وتضخم بنسبة 300%. والوضع يصبح أسوأ. إيران مجرد كلام بلا فعل. لم تعد الدولة المتنمرة في الشرق الأوسط».
وكان ترامب قال للصحافيين، مساء الثلاثاء، إن الولايات المتحدة تتمتع حالياً بـ«سيطرة تامة» على المضيق، مضيفاً: «هم لا يسيطرون عليه، نحن من يسيطر سيطرة تامة، ونحن من يمتلكه».
وذهب الرئيس الأمريكي أبعد في توصيف وضع طهران، معتبراً أنها «لم تعد المتنمر في الشرق الأوسط»، ومكرراً أن اقتصادها يتعرض لضغوط هائلة.
وتأتي تصريحات ترامب فيما أظهرت بيانات شركة «كبلر»، التي نشرتها «رويترز» اليوم، أن عدد السفن التي رُصدت في مضيق هرمز الثلاثاء انخفض إلى ثماني سفن فقط، وهو أدنى مستوى يومي منذ الخامس من أغسطس، مقارنة بما بين 130 و140 سفينة كانت تعبر المضيق يومياً قبل بدء الحرب في 28 فبراير.
ولم تغادر المضيق سوى سفينة واحدة، فيما دخلته سبع سفن جميعها عبر المسار الإيراني، بينما أظهرت بيانات مجموعة بورصات لندن مرور 11 سفينة فقط، مقابل 14 في اليوم السابق.
وازدادت المخاوف على حركة الملاحة بعد هجومين منفصلين أمس. ففي باب المندب، قُتل أربعة من أفراد طاقم سفينة شحن في هجوم للحوثيين، في أول هجوم بحري للجماعة يسفر عن قتلى منذ بدء الحرب الأخيرة، فيما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن مروحية تابعة للبحرية الأمريكية أطلقت صاروخين من طراز «هيلفاير» لتعطيل معدات توجيه سفينة ترفع علم بنما، بعدما تجاهلت أوامر بالتوقف عن انتهاك الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية.
وفي مؤشر إضافي إلى اتساع التداعيات الاقتصادية، خفضت وكالة الطاقة الدولية،اليوم، توقعاتها للطلب العالمي على النفط في 2026 بصورة حادة، لتتوقع انخفاضاً سنوياً بمقدار 1.6 مليون برميل يومياً، مقارنة بتقدير سابق بتراجع مليون برميل فقط. وقالت الوكالة إن استمرار إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار الوقود يضغطان على الاستهلاك العالمي، مشيرة إلى أن الإمدادات لا تزال أقل بنحو 6.3 ملايين برميل يومياً مقارنة بالعام الماضي، رغم تعافيها جزئياً في يوليو.
اقرأ أيضا: “القبول الموحد” تنشر أسس عقد امتحان “التجسير” في البرنامج العادي – هلا اخبار
خنق الموارد
وفي موازاة السيطرة البحرية، تواصل واشنطن تشديد الحصار على الموارد الإيرانية، في استراتيجية تقوم على استنزاف قدرة طهران الاقتصادية بدلاً من التوسع حالياً في الضربات العسكرية.
وذكرت «وول ستريت جورنال» أن إيران تتجه بصورة متزايدة نحو ما وصفه محللون بـ«اقتصاد البقاء»، عبر تقنين السلع، وتقييد الوصول إلى العملات الأجنبية، وخفض الاستثمارات، وتحويل الموارد المتاحة إلى الواردات الاستراتيجية وتمويل مؤسسات الدولة.
وبحسب الصحيفة، هبطت صادرات النفط الإيرانية إلى مستوى قريب من الصفر في يوليو بعد إعادة تشديد الحصار الأمريكي، مقارنة بإيرادات بلغت نحو 4.5 مليارات دولار في يونيو، فيما أفادت شركة «كبلر» بأنه لم يتم تحميل أي ناقلة بالنفط من جزيرة خرج، المنفذ الرئيسي لصادرات إيران النفطية، منذ بداية أغسطس.
وتراجعت كذلك كميات النفط الإيراني المخزنة في البحر خارج نطاق الأسطول الأمريكي من نحو 180 مليون برميل إلى قرابة 60 مليوناً في أوائل يوليو، في حين تجاوز معدل التضخم السنوي 80%، وسط ارتفاعات حادة في أسعار المواد الغذائية وتوقعات بانكماش الاقتصاد الإيراني 5.4% هذا العام.
وبحسب خلاصة تقرير «وول ستريت جورنال»، قد يمنح سلوك «اقتصاد البقاء» إيران مزيداً من الوقت، لكنه سيؤدي في نهاية المطاف إلى تآكل أسسها المالية. ويمكن أن يؤدي استمرار نقص الاستثمار بمرور الوقت إلى تحول الخلل الاقتصادي إلى حالة يصعب معها حكم البلاد، خصوصاً إذا ألحقت هجمات عسكرية متجددة أضراراً جسيمة بالبنية التحتية للطاقة التي تبقي الاقتصاد قائماً.
وساطة بلا اختراق
وعلى المسار الدبلوماسي، بقيت المؤشرات متضاربة. ونقلت «رويترز»، اليوم، عن مصدر إيراني كبير قوله إن المحادثات عبر الوسطاء لإحياء الاتفاق المؤقت الذي تم التوصل إليه في يونيو الماضي، أو وضع جدول زمني لتنفيذه، «لم تحرز أي تقدم على الإطلاق». وقال المصدر إن طهران تعتبر أن الاتفاق انهار نتيجة عدم تنفيذ واشنطن التزاماتها، في حين تتهم الولايات المتحدة إيران بعدم الوفاء بتعهد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة.
وفي المقابل، قالت مصادر أمنية باكستانية لـ«د ب أ» إن وقف إطلاق النار يمكن تمديده لمدة تتراوح بين 60 و90 يوماً، وإن اتفاقاً بشأن الملاحة في مضيق هرمز قد يكون ممكناً قبل السبت، إلا أن المصدر الإيراني نفى لـ«رويترز» وجود أي اتفاق على تمديد المهلة.
وتواصل إسلام أباد جهود الوساطة، إذ يزور وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إيران والتقى الرئيس مسعود بزشكيان، كما أجرى محادثات في مشهد مع وزير الخارجية عباس عراقجي، في وقت تبقى فيه حرية الملاحة في هرمز والعقوبات والحصار البحري في صلب الخلاف بين واشنطن وطهران.
وفي موازاة الضغوط الاقتصادية والعسكرية، ازداد الضغط السياسي على النظام الإيراني، بعدما ندد الاتحاد الأوروبي و26 دولة، اليوم، بإعدام محتجين، ورأت هذه الدول ان «استخدام العقوبة القصوى لإسكات الانتقادات، ترهيب المجتمعات ومعاقبة أولئك الذين يمارسون حقوقهم الأساسية، لا يمكن تبريره على الإطلاق» ودعت طهران إلى وقف تنفيذ عقوبة الإعدام والإفراج عن المعتقلين تعسفياً، فيما كشفت «رويترز» أن المصورة الصحفية الإيرانية يلدا معيري تواجه حكماً بالسجن 15 عاماً على خلفية عملها الصحفي.