هل خسر السيسي السعودية كحليف استراتيجي بسبب انحيازه للإمارات؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

في الوقت الذي سارت فيه أغلب التحليلات السياسية حول عدم مشاركة مصر في اتفاقية دفاعية سعودية تركية باكستانية موقعة 7 آب/ أغسطس الجاري، لرغبة نظامها في عدم الانخراط بالصراع الإقليمي الحالي، جاء تقرير لموقع “ميدل إيست آي”، ليؤكد أن القاهرة لم تُحجم عن المشاركة، وأن الرياض من رفضت الحضور المصري.

اقرأ أيضا: اتفاقية مكة للدفاع المشترك.. قراءة في دلالاتها الإستراتيجية | سياسة

الموقع البريطاني، نقل عن مصادر سعودية تأكيدها رفض المملكة “في الوقت الحالي على الأقل” المشاركة المصرية، رغم المطالبة والجهود التركية لإدراج القاهرة، مشيرين إلى عدم ثقة القيادة السعودية بالقيادة المصرية خاصة مع انحيازاتها الواضحة لأبوظبي، وإرسالها مفرزة جوية لها وزيارة السيسي للإمارات خلال أزمة (حرب إيران)، دون مقابل مماثل للرياض، منتقدة نهم رأس النظام عبدالفتاح السيسي للحصول على المال السعودي دون تقديم المقابل.

ولفت التقرير إلى تزايد الإحباط السعودي من حكومة السيسي واعتبار مصر “مستفيدة ودولة معتمدة” دون تقديم قيمة استراتيجية أو عسكرية في المقابل، مع تشكيك صُنّاع القرار في الرياض بمدى ولاء السيسي وموثوقيته وخضوعه للإمارات رغم ما تقوم به الأخيرة من أدوار ضد الأمن القومي المصري.

وتثير علاقة مصر الوثيقة بالإمارات قلق الرياض، خاصة مع تعارض السياسات الإماراتية مع مصالح السعودية وحتى مصر، ودعمها حركات انفصالية في جنوب اليمن، والدعم السريع في السودان، والاعتراف بإقليم أرض الصومال غير المعترف به دوليا، ودعم إثيوبيا بملف مياه النيل الذي يمس حياة المصريين والسودانيين.

اظهار أخبار متعلقة

وفي حين، يشير فيه التقرير إلى أن تركيا كانت ترغب في الحضور المصري بالاتفاقية قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في اليوم التالي لتوقيع الرئيس رجب طيب أردوغان وولي العهد السعودي، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، إن الباب مازال مفتوحا أمام القاهرة للانضمام للحلف العسكري.

لكن تقرير “ميدل إيست آي”، يلمح إلى رؤية الرياض حول تراجع قدرات القاهرة العسكرية وأدوارها في المنطقة حيث ترى وفق المتحدثين، أن تركيا وباكستان تقدمان إضافة دفاعية وصناعية نووية وتكنولوجية متقدمة، في حين يتركز قطاع التصنيع العسكري بمصر على الإنتاج المدني ومصانع الأغذية مع تراجع جاهزيتها وجدواها الميدانية كما ظهر في حرب اليمن والموقف من إيران.

ورغم أن الجيش المصري بالمركز الأول عربيا وأفريقيا، ويأتي بالمرتبة الـ 19 عالميا لعام 2026، يُصنّف التقرير مصر كقوة مهمشة إقليميا تعتمد على المساعدات دون تقديم خدمات أمنية، لدرجة أن دولا كالكويت أصبحت أكثر اهتماما بالانضمام لـ”تحالف مكة” بدلا من الاعتماد على الحماية المصرية التاريخية.

ويعاني إقليم الشرق الأوسط مع الحرب “الأميركية- الإسرائيلية) على إيران والتي بدأت جولتها الأولى في حزيران/يونيو 2025، وعادت للواجهة في شباط/فبراير الماضي، والتي طالت آثارها دول الخليج العربي، خاصة مع قصف إيران المصالح والقواعد الأمريكية بها، وغلق “مضيق هرمز”، ما دفع الرياض لمحاولة تشكل تكتل دفاعي عسكري لحماية مصالحها، لكن دون حليفتها التاريخية القاهرة.

تباين خريطة التحالفات

وعن دور انحياز السيسي للإمارات في خسارة السعودية كداعم استراتيجي وحليف أمني وعسكري، وتسبب سياساته الخارجية بإخراج مصر من معادلة الدول الكبرى بالإقليم، وما سيقدمه أو يتنازل عنه ليُرضي الرياض ويستعيد ثقتها كما فعل للحصول على الدعم السعودي بالتنازل عن “تيران وصنافير” عام 2016، تحدث الأكاديمي الدكتور عصام عبدالشافي، لـ”عربي21″.

وقال إن اتفاقية مكة كانت متوقعة منذ بداية حرب إيران، “لكن غير المتوقع عند البعض، كان عدم انضمام مصر لهذا الاتفاق وخاصة في ظل تعدد لقاءات المسؤولين من الدول الأربعة على مختلف المستويات، منذ بداية الحرب، والأحاديث المتكررة عن التحالف الرباعي”.

وأشار إلى تبيان في “خرائط التحالفات بالمنطقة”، موضحا أنه “إذا كانت (اتفاقية مكة) يمكن أن تؤسس لنوع من الشراكة التي يمكن على المدى البعيد أن تصبح تحالفا أو أي شكل من أشكال التنسيقات والتوافقات بين السعودية وباكستان وتركيا، فإن هناك في المقابل تنسيق أمني وعسكري ولوجستي واستخباراتي بين الإمارات والكيان الإسرائيلي والنظام في مصر وقبرص والهند”.

رئيس أكاديمية العلاقات الدولية، أوضح أنه “إذا تحدثنا عن خرائط التحالفات تلك فإن هذا يمكن بافتراض استخدام كلمة حلف أن يشكل تحالفا مضادا لتحالف”.

نتيجة التماهي مع أجندة الإمارات

وأكد أن “النظام في مصر تؤثر فيه بشكل كبير السياسات الإماراتية والسياسات الإسرائيلية، وأن هناك نوع من أنواع الحساسية الكبرى في إدارة العلاقات بين مصر والسعودية منذ عام 2015 وحتى الآن، بسبب عدم مشاركة النظام في التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن”.

و”كذلك بحكم أن النظام في مصر قام بالكثير من السياسات التي من شأنها ترسيخ دور ومكانة الإمارات في الداخل المصري على حساب السعودية، وأن الرياض كانت تنظر للقاهرة باعتبارها عمقها الاستراتيجي ومزرعتها الرئيسية وأكبر شريك لها من حيث الاستثمارات ومن حيث الاهتمام بالبنية التحتية والحضور والتأثير في مفاصل الدولة خلال 30 عاما من حكم حسني مبارك “.

عبدالشافي، لفت إلى أن “كل ذلك تراجع بشكل كبير منذ 2013، مع تصاعد تأثير الإمارات على النظام في مصر، والارتباط الاستراتيجي بين نظام القاهرة وكيان الاحتلال”.

وألمح إلى أمر آخر، وهو أن “النظام بمصر حريص بشكل كبير جدا على علاقاته مع اليونان والتي قد تصطدم مع تركيا في أكثر من ملف، كما أن علاقته مع اليونان في مرحلة ما كانت شكلا من أشكال المناكفة السياسية مع تركيا، وكذلك بملف قبرص حيث قام بترسيم الحدود البحرية مع نيقوسيا وأثينا ولم يخطو خطوة في مجال ترسيم الحدود البحرية مع تركيا، كما دشن منتدى غاز شرق المتوسط مع الإمارات وقبرص واليونان وضم إليه إيطاليا وإسرائيل ولم تُدع تركيا لهذا المنتدى”.

اظهار أخبار متعلقة

لهذا ومن وجهة نظر الأكاديمي المصري، أن “النظام في مصر لا يمتلك من أمره شيئا، ولا يتمتع بأي استقلالية بشأن السياسة الخارجية، ومتماهي تماما مع الأجندة الإماراتية والأجندة الإسرائيلية في المنطقة، وليس ذلك فقط على حساب الأمن القومي لدول المنطقة ولكن الأهم من ذلك أن هذا التماهي يأتي على حساب الأمن القومي للدولة المصرية”.

يلعب مع الجميع

وفي قراءته قال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير عبدالله الأشعل، إن “السيسي لا يمكن أن يُضحي بالإمارات لأجل إرضاء السعودية فهذا أمر غير ممكن، كما أن التحالف السعودي الباكستاني التركي قائم برضا أمريكي إسرائيلي، تماما كما أن إرسال السيسي مفرزة طائرات مصرية إلى الإمارات كان باتفاق مع إيران والسعودية وأمريكا، فهو يلعب مع الكل”.

وعلى الجانب الآخر، لفت الأشعل، في حديثه لـ”عربي21″، إلى أن “مصر ممنوعة من الانضمام إلى أية أحلاف عسكرية موجهة ضد إسرائيل وفقا لاتفاقية (كامب ديفيد 1979)، لذلك فإن مصر لن تنضم لهذا الحلف إذا كان المعلن صحيح وأنه تحالف كما يزعمون أنه ضد إسرائيل”.

وتساءل “هل هذا التحالف ضد إسرائيل أم ضد إيران؟”، مبينا أن “كل الشواهد تقول إنه مع إسرائيل، على أساس أن الدول الثلاثة لها علاقات وثيقة بأمريكا، ولها تاريخ إسلامي للأسف الشديد لم تستخدمه لإنقاذ غزة من الهلاك (2023-2025)، ولذلك أي تحالف إسلامي إذا لم يكن مع فلسطين والأقصى وغزة فهو مثل طلقة رصاص فشنك، وهذا هو المعيار”.

من التحالف الشديد للتباين المريب

وتعد العلاقات المصرية السعودية منذ عام 2015 وحتى عام 2026 نموذجا للتحول الاستراتيجي المثير من التحالف السياسي القوي والدعم المالي والدبلوماسي المطلق إلى التعارض في المصالح والندية في بعض المواقف، والتنافس ببعض الأحيان، والتباين في الأولويات.

اقرأ أيضا: في اليوم العالمي للشباب.. لا نريد شباباً حاضراً في المشهد وغائبا عن القرار.

ويرى محللون أن “ذلك التباين خلفته العلاقات الحميمية بين رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، وبين ولي عهد الإمارات محمد بن زايد، قبل أن يصبح رئيسا للبلاد 14 أيار/مايو 2022، وأن أبوظبي، نجحت في جر القاهرة إلى جانبها في الكثير من الأزمات والمواقف، واستغلت أيضا بعض التباين في المواقف بين القاهرة والرياض لتعزيز تقاربها مع مصر على حساب زيادة الفجوة المصرية السعودية”.

وبرغم تشكيل البلدان الثلاثة تحالفا سياسيا قويا قام بفرض حصار بحري وبري وجوي على دولة قطر 5 حزيران/يونيو 2017، إلا أن محور (القاهرة- الرياض-أبوظبي) تراجع بشكل لافت لصالح تحالف (مصري- إماراتي)، على حساب الشراكة التاريخية (المصرية- السعودية)، رغم تنازل السيسي، عن جزيرتي “تيران وصنافير” للرياض عام 2016، متجاهلا معارضة داخلية شديدة ومخاوف الأمن القومي.

وشهد آذار/مارس 2015، أولى تباينات نظامي القاهرة والمملكة، بتراجع السيسي، عن وعد أطلقه في أيار/مايو 2014، حينما قال عن حماية أمن الخليج ومنه السعودية جملته الشهيرة “مسافة السكة” والتي حصل معها على دعم سعودي بمساعدات لا ترد، ومنح وقروض ودعم وقود وودائع لدى البنك المركزي المصري بما يقارب 32.5 مليار دولار.

وأطلقت السعودية ومعها الإمارات عملية “عاصفة الحزم” في اليمن، بينما لم تشارك مصر بقوات برية أو جوية وفق تعهدات السيسي السابقة، الذي قال في الشهر التالي للعاصفة، وتحديدا في نيسان/أبريل 2015، إن “الجيش المصري لمصر فقط”، مما أثار استياء وغضب حكام الرياض.

وفي تشرين الأول/أكتوبر 2016، ظهر أول تباين علني بتصويت مصر بمجلس الأمن لصالح مشروع قرار روسي بشأن سوريا معارض للموقف السعودي الداعم للمعارضة السورية، الأمر الذي تلاه تعليق شركة “أرامكو” السعودية توريد شحنات البترول الشهرية الميسرة لمصر حتى آذار/مارس 2017.

اظهار أخبار متعلقة

ورغم توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية ونقل سيادة جزيرتي “تيران وصنافير” للسعودية خلال زيارة الملك سلمان للقاهرة في نيسان/أبريل 2016، فإن صدور أحكام قضائية من القضاء الإداري المصري ببطلان التوقيع، وتأخر الإجراءات حتى صدور قرار التصديق في حزيران/يونيو 2017، زاد من شكوك السعودية حول مدى جدية القاهرة في تنفيذ الاتفاقية.

وفي أزمة رابعة، وفي نيسان/أبريل 2019، انسحبت مصر من مبادرة “التحالف الاستراتيجي للشرق الأوسط” (الناتو العربي) التي رعتها الرياض وواشنطن ودول الخليج والأردن لمواجهة إيران، مفضلة النأي بنفسها عن أي تحالف عسكري مباشر.

وشهد مطلع العام 2023، سجالا بين كتاب سعوديين ومصريين ومقربين من السلطة في البلدين حول جدوى الدعم المالي الخليجي، بالتزامن مع إعلان وزير المالية السعودي بمنتدى “دافوس” وقف المساعدات المباشرة والودائع بلا شروط، ما اعتبره البعض نهاية للدعم السعودي لنظام القاهرة.

وفي 17 أيلول/سبتمبر 2025، توجهت السعودية ناحية باكستان دون مصر لعقد اتفاقية دفاع عسكري بعد أن منحت إسلام أباد حزمة استثمارات بقيمة 5 مليارات دولار، وذلك إلى جانب تشكيل الرياض نهاية تموز/يوليو الماضي تحالفا بحريا من 13 دولة ليس بينها مصر، ثم التنسيق الأمني والدفاعي الجديد مع تركيا وباكستان واستبعاد القاهرة وفق التقرير البريطاني.

وفي المقابل، ووفق متحدثون لـ”عربي21″، سيطرت الإمارات على القرار السياسي والاقتصادي المصري، بضخ مليارات الدولارات عبر الشراء المباشر للأصول وتدشين المشروعات الكبرى مثل صفقة “رأس الحكمة” عام 2024 بقيمة 35 مليار دولار، مما جعلها المنقذ والممول الأول والشريك المالي الأساسي لحكومة القاهرة.

ويلفت محللون إلى أن “الاصطفاف السياسي والاقتصادي الوثيق بين السيسي وابن زايد، أدى إلى اقتناع صانع القرار في الرياض بأن القاهرة باتت تنظر للشراكة من منطق الاعتماد المالي دون تقديم خدمات حقيقية في المقابل للرياض، وأن ولائها أصبح أقرب إلى الموقف الإماراتي، مما دفع الرياض لتهميش دور القاهرة في ترتيبات أمن الإقليم الجديدة”.

اقرأ أيضا: حاكم رأس الخيمة: شباب الإمارات أساس التنمية ومحرك لمسيرة ازدهار الوطن

‫0 تعليق