نور بني عطا: الذكاء الاصطناعي أداة داعمة للعمل النقدي وليس بديلاً لدور الكاتب

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

عمان – الدستور – عمر أبو الهيجاءجريدة الدستور الأردنية

اقرأ أيضا: القضية الفلسطينية تمر بمرحلة دقيقة ومفصلية

تواصل «الدستور» فتح ملف النقد الأدبي والتحولات التي فرضها العصر الرقمي، وما أحدثه الذكاء الاصطناعي من تأثيرات في الحياة العامة والفنون والآداب، في ظل اتساع حضوره واعتماد كثيرين على معارفه البيانية التي تفتقر، في نظر البعض، إلى الحس الإنساني والوجدان..جريدة الدستور الأردنية

في هذه الحلقة نحاور الناقدة والباحثة الدكتورة نور بني عطا حول النقد الأدبي وقضايا الإبداع في ظل التطور العلمي المتسارع وثورة الذكاء الاصطناعي التحولات التي طرأت على الأدب والنقد، فكانت الرؤى النقدية والفكرية الأكثر عمقا وفلسفة ومعرفة.جريدة الدستور الأردنية

 ثمة تحولات جذرية أحدثها وفرضها العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي على الأجناس الأدبية والنقد.. هذا سؤال مشروع.. ما جدوى هذه التحولات وأثرها على النقد والأدب؟    جريدة الدستور الأردنية

– يشكّل العصر الرقمي، والذكاء الاصطناعي تحديدا، منعطفًا حاسمًا في تاريخ الأدب والنقد، إذ لم يقتصر أثرهما على تطوير أدوات الكتابة والنشر، بل امتد إلى إعادة تشكيل مفهوم النص، والكاتب، والقارئ، وآليات التلقي، والتأويل. فقد برزت أنماط جديدة من الكتابة، مثل الأدب الرقمي، والنصوص التوليدية، التي تتجاوز بغير قصد الأشكال التقليدية للأجناس الأدبية. وذلك؛ بناء على التعليمات التي يتلقاها الذكاء الاصطناعي لتوليد النصوص، وهنا تكمن ضرورة وجود الكاتب والناقد الحقيقي.جريدة الدستور الأردنية

أما في ميدان النقد، فقد أتاح الذكاء الاصطناعي وتقنيات تحليل البيانات إمكانات غير مسبوقة لدراسة النصوص واستخراج أنماطها اللغوية والدلالية. ومع ذلك، فإن هذه التحولات لا تلغي دور النقد الإنساني، لأن جوهر الأدب لا يقتصر على البنية اللغوية، بل يتصل بالخبرة والتجربة الإنسانية، والخيال، والسياق الثقافي، والقيم الجمالية، التي يصعب اختزالها فيما يصدر عن المعادلات أو الخوارزميات المدخلة من نتائج؛ فلا يمكن الاستغناء عن النقد الأدبي بوصفه فعلًا تأويليًا وجماليًا، لأن فهم الأدب يتجاوز التحليل اللغوي إلى إدراك أبعاده الثقافية والإنسانية والجمالية. وبذلك، يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة داعمة للعمل الأدبي والنقدي، وليس بديلًا عن دور الكاتب أو الناقد.جريدة الدستور الأردنية

وعليه؛ فإن جدوى هذه التحولات تكمن في توسيع آفاق الإبداع، لا في استبدال الإنسان بالآلة، فالمستقبل يتجه نحو علاقة تكاملية، يكون فيها الذكاء الاصطناعي أداةً مساعدة للكاتب والناقد، بينما يظل الوعي الإنساني هو المرجع لإنتاج المعنى، والحكم الجمالي، وبناء الرؤية النقدية. فالتحدي يكمن في كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي بما يخدم الأدب ويثري النقد، مع الحفاظ على أصالة الإبداع وخصوصية التجربة الإنسانية. فلا بد من إعادة تشكيل الممارسات الأدبية والنقدية، وتوسيع أدواتها وإمكاناتها، مع استمرار الحاجة إلى الرؤية النقدية الإنسانية في قراءة النصوص وتقويمها.جريدة الدستور الأردنية

 هل أدّى الانفجار المعرفي والتحول الرقمي إلى اقتراب الأدب والنقد من التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي، ومواكبتها، والمجازفة بتجاوز الأشكال التقليدية؟جريدة الدستور الأردنية

– لا شك أن الانفجار المعرفي والتحول الرقمي أحدثا تأثيرًا عميقًا في الأدب والنقد، وفتحا آفاقًا جديدة للإنتاج الأدبي وطرائق قراءته وتحليله؛ فقد أصبح الذكاء الاصطناعي أداة يمكن أن تسهم في البحث، وتحليل النصوص، وتوسيع الوصول إلى المعرفة، ولكنه تجاوز الأشكال التقليدية للإبداع بغير قصد، فهو رهين المدخلات التي يتلقاها لتوليد النصوص. لذلك؛ لا يمكن اعتباره بديل العمل الإنساني، فالأدب يقوم على التجربة الإنسانية والخيال والوعي الثقافي، ويظل النقد قائمًا على التأويل والحكم الجمالي والسياق الفكري. وعليه؛ فإن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق توازن واعٍ بين مجاراة التحول الرقمي والاستفادة من أدواته الحديثة، والحفاظ على جوهر الإبداع والقيم الأدبية والنقدية.جريدة الدستور الأردنية

 يرى بعض الدارسين أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تقنية أو فنية، بل أصبح يثير أسئلة ثقافية ومعرفية تتعالق مع العملية الإبداعية والممارسة النقدية. ما جدوى هذا الطرح؟جريدة الدستور الأردنية

– يمكن النظر إلى هذا الطرح بوصفه محاولة لتوسيع النقاش حول الذكاء الاصطناعي، باعتباره واقعًا متناميًا، يفرض حضوره في مختلف المجالات، ودعوة للتكيف مع مجرياته، الأمر الذي يستدعي فهم أبعاده والتعامل معه بوعي. لذلك، لا يقتصر تناول الذكاء الاصطناعي على الجانب التقني، وإنما يمتد إلى أبعاده الثقافية والمعرفية، في ظل تأثيره المتزايد في أساليب إنتاج المعرفة، والممارسات الإبداعية، وطرائق التلقي، والنقد.جريدة الدستور الأردنية

ومن هذا المنطلق، تتبلور الجدوى منه في فتح المجال أمام حوار علمي ونقدي يدرس طبيعة هذه التحولات، ويبحث في سبل توظيف إمكانات الذكاء الاصطناعي، مع مراعاة ما يثيره من قضايا تتعلق بالإبداع، والأصالة، والمعايير النقدية، وأخلاقيات الاستخدام. وفي المحصلة، لا يهدف هذا النقاش إلى تبني موقف مؤيد أو معارض، بقدر ما يسعى إلى فهم الظاهرة في سياقها الثقافي والمعرفي، واستيعاب انعكاساتها على الحاضر والمستقبل، من قبيل مجاراة التطور وتجاوز إشكالية القديم والحديث بكل تداعيتها، التي غالبا ما تهيمن على المشهد النقدي.جريدة الدستور الأردنية

 في ظل الانفجار المعرفي والتحول الرقمي الذي يشهده العالم، ما منهجية النقد العربي في مواجهة التغيرات والتحولات التي طرأت على مختلف مناحي الحياة؟ وإلى أي مدى أسهم ذلك في استحداث نظرية نقدية جادة تواكب هذه التحولات؟جريدة الدستور الأردنية

– تفرض النقلة الإلكترونية والمعرفية التي يشهدها العالم على النقد العربي تحديات غير مسبوقة، تتمثل في مواكبة التحولات الثقافية والتقنية والاجتماعية التي غيّرت طبيعة الإنتاج الأدبي وأدوات تلقيه. ومن هنا، فإن منهجية النقد العربي يجب أن تنفتح على منجزات المعرفة الحديثة، مع الحفاظ على خصوصية السياق الثقافي العربي. بالمقابل، إن استحداث نظرية نقدية عربية جادة لا يتحقق بقرار أو إعلان، وإنما عبر مشروع معرفي تراكمي واسع النطاق يقوم على البحث العلمي، والحوار بين التخصصات، والاستفادة من الفلسفة واللسانيات والعلوم الرقمية والدراسات الثقافية، مع إعادة قراءة التراث النقدي العربي بوصفه مصدرًا للإلهام لا قيدًا على التجديد.جريدة الدستور الأردنية

وفي تقديري، إن المستقبل يتطلب نقدًا مرنًا قادرًا على تلقي النصوص في ظل الوعي بالتحولات التي أحدثتها التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في الكتابة والتلقي. وبهذا يمكن له أن يسهم في إنتاج منهجية نقدية معاصرة، تجمع بين الأصالة والانفتاح، تواكب المتغيرات العالمية دون أن تفقد هويتها الثقافية. وعليه؛ فإن من المطلوب اليوم تأسيس خطاب نقدي عربي قادر على إنتاج مفاهيمه وأدواته بما يستوعب تحولات العصر، ويحافظ في الوقت نفسه على الهوية والخصوصية الثقافية.جريدة الدستور الأردنية

 ما المعيقات والقيود التي تعترض النقد الأدبي في ظل التحولات الرقمية؟ وهل توجد إمكانات مشتركة بين النقد الأدبي الإنساني والذكاء الاصطناعي في تحليل النصوص الأدبية، أو في بناء مقاربات نقدية تتقاطع في نتائجها؟  جريدة الدستور الأردنية

اقرأ أيضا: هذه مطالب الأحزاب لرئيس الجمهورية

– ربما يكون السؤال الأكثر جدوى اليوم، كيف سيتغير دور الناقد في ظل هذه التحولات؟ فالنقد الأدبي لم يكن يوماً مجرد عملية استخراج للمعلومات أو تصنيف للنصوص، وإنما هو فعل تأملي يقوم على الفهم والتفسير وربط العمل الأدبي بأسئلته الإنسانية والجمالية. بالمقابل، إن تطور الأشكال الأدبية وتغير علاقتها بالقارئ والمجتمع يفرض باستمرار مراجعة أدوات النقد وأساليبه.جريدة الدستور الأردنية

فالنقد الأدبي، بوصفه ممارسة فكرية وجمالية، يخضع لأدوات ترتبط بطبيعة النص الأدبي ومنتجه وبالناقد والسياق الثقافي المحيط به، بالنظر إليه فضاء متعدد الدلالات، يتأثر باللغة، والتاريخ، والثقافة، والتجربة الإنسانية. ولا يعني هذا هيمنة الخلفيات الأيديولوجية أو الذوقية على تلقيها؛ فليس النقد في الوصول إلى قراءة نهائية أو حكم مطلق على أي عمل أدبي. أما فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، فإنه يمثل أداة جديدة يمكن أن تسهم في تطوير العمل النقدي، لا سيما في مجالات تحليل البنية اللغوية، ورصد التكرارات والأنماط والأساليب، ومقارنة النصوص واكتشاف العلاقات بينها، وهي مجالات يستطيع فيها التعامل مع كميات كبيرة من البيانات بسرعة ودقة.جريدة الدستور الأردنية

لذا؛ يمكننا القول إن هناك مساحات مشتركة بين الطرفين، تتمثل في البحث عن البنى والدلالات المسؤولة عن العلاقات المتشابكة داخل النصوص، وقد يكون التكامل بينهما أكثر فائدة من النظر إليهما بوصفهما بديلين متنافسين. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يقدم أدوات مساعدة توسّع إمكانات الباحث والناقد، في حين يظل الحكم النقدي العميق مرتبطاً بالقدرة الإنسانية على الفهم والتأويل وإنتاج المعنىجريدة الدستور الأردنية

ولكن، يبقى هناك اختلاف جوهري بين النقد الإنساني والذكاء الاصطناعي؛ فالناقد الإنساني يمتلك القدرة على التأويل المرتبط بالتجربة والوعي التاريخي والحس الجمالي وفهم السياقات العميقة للرموز والدلالات. بينما يعتمد الذكاء الاصطناعي على تحليل الأنماط والمعطيات المتاحة له، ولا يملك تجربة إنسانية أو وعياً ذاتياً بالمعنى الذي يمتلكه الإنسان.جريدة الدستور الأردنية

وبناء عليه؛ فإن مستقبل النقد الأدبي لن يكون في استبدال الناقد بالآلة، بل في إعادة تعريف دوره. وبهذا؛ فإنه يتجه نحو علاقة تكاملية بين الخبرة الإنسانية والتقنيات الحديثة، بحيث يصبح الذكاء الاصطناعي شريكاً -محدودا بشروط- في التحليل لا بديلاً عن العقل النقدي الإنساني، الذي سيظل مسؤولاً عن التأويل وإنتاج الرؤية النقدية القائمة على الحس الجمالي والوعي الثقافي.جريدة الدستور الأردنية

جميع الحقوق محفوظة.

لا يجوز استخدام أي مادة من مواد هذا الموقع أو نسخها أو إعادة نشرها أو نقلها كليا أو جزئيا دون الحصول على إذن خطي من الناشر تحت طائلة المسائلة القانونية.

اقرأ أيضا: إرهابي يسلم نفسه للسلطات العسكرية

‫0 تعليق