اقرأ أيضا: هدية مجانية للجيولوجيا الكوكبية: كيف يُسهم اصطدام صاروخ فالكون 9 في فهم أسرار القمر
الكاتب: رائد أبو طربوش
ليست نجاح المساعيد مجرد شاعرة تكتب القصيدة النبطية، ولا مجرد إعلامية اعتلت شاشة التلفاز لتقدم برنامجًا ناجحًا. إنها حكاية بدوية اختارت أن تتحول إلى قصيدة، وأن تجعل من الكلمة بيتًا يسكنه الناس، ومن الصحراء وطنًا لغويًا لا تحده الجغرافيا.
في سيرتها، تبدو الرمال أكثر من حبات ذهبية تمتد في الأفق؛ إنها ذاكرة كاملة. هناك، حيث تتعلم الطفلة أن الريح لا تحمل الغبار وحده، بل تحمل الحكايات أيضًا، وحيث يُقاس الإنسان بوفائه قبل اسمه، وبكرامته قبل ماله، وُلد وعي نجاح المساعيد بالشعر. لم تكن القصيدة بالنسبة إليها صناعةً لغوية، بل امتدادًا لنبض الحياة البدوية التي تؤمن أن الكلمة عهد، وأن الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب.
كلما قرأت لها، تشعر أن الصحراء لم تغادرها يومًا. فهي تكتب بروح تعرف معنى الانتظار، وتعرف كيف تُولد الحكمة من قسوة الطريق، وكيف يصبح الفخر أسلوب حياة لا شعارًا عابرًا. لذلك جاءت قصائدها مشبعة بقيم المروءة والوفاء والعزة، بعيدة عن الزخرفة الفارغة، قريبة من الإنسان الذي يبحث في الشعر عن نفسه لا عن الألفاظ وحدها.
وحين انتقلت إلى الإعلام، لم تترك الشاعرة خلفها، بل حملتها معها إلى الشاشة. لم يكن حضورها مجرد تقديم للبرامج، وإنما كان دفاعًا هادئًا عن الشعر النبطي بوصفه ذاكرة شعب، ولسان بيئة، وسجلًا حيًا للقيم العربية. فتحت الأبواب أمام أصوات جديدة، وآمنت بأن الموهبة الحقيقية تحتاج إلى من يضيء طريقها أكثر مما تحتاج إلى من يتصدر المشهد.
ولعل أكثر ما يميز نجاح المساعيد أنها لم تقع في الصراع التقليدي بين الأصالة والتجديد، بل جعلتهما يسيران جنبًا إلى جنب. احتفظت بإيقاع البادية، لكنها سمحت للقصيدة أن تعانق أسئلة العصر. فبدت نصوصها وكأنها جسر يمتد بين خيمة الأمس ومدن اليوم، بين حكمة الأجداد وقلق الإنسان المعاصر.
إن نجاح المساعيد لم تبنِ شهرتها على الظهور الإعلامي وحده، بل على رصيد من الصدق الأدبي والاحترام الذي فرضته على جمهورها. فهي من الشخصيات التي تؤمن أن الكلمة مسؤولية، وأن الشاعر لا يُقاس بعدد القصائد التي يكتبها، بل بعدد الأرواح التي يلامسها.
وفي زمن تتسارع فيه الأصوات حتى يكاد الصدى يبتلع المعنى، بقي صوت نجاح المساعيد هادئًا وواثقًا، يشبه قافلة تعرف وجهتها في قلب الصحراء، فلا تغريها الطرق المختصرة ولا تضلها العواصف. ولهذا لم تكن مجرد اسم في سجل الشعر النبطي، بل أصبحت رمزًا لمرحلة كاملة أثبتت فيها أن المرأة العربية تستطيع أن تكون شاعرةً تحفظ التراث، وإعلاميةً تصنع الوعي، وإنسانةً تؤمن بأن الكلمة النبيلة هي آخر ما يبقى حين يرحل كل شيء.
اقرأ أيضا: نقص الشرائح يلاحق آبل .. هل تتأثر أجهزة آيفون وماك؟
