كشف أثري جديد.. «خان للحجاج والتجار» تحت الرمال في شمال سيناء

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

كشفت أعمال الحفائر الأثرية التي ينفذها المجلس الأعلى للآثار عن بقايا مبنى أثري بمدينة «عسيلة» المندثرة بشمال سيناء، يرجح أن يكون أحد خانات الطريق التي كانت تستقبل القوافل التجارية وقوافل الحجاج والمسافرين على الدرب السلطاني المعروف باسم «درب الحاج المصري»، أحد أهم الطرق التاريخية التي ربطت مصر بشبه الجزيرة العربية وبلاد الشام.

اقرأ أيضا: رئيس الطائفة الإنجيلية ينعى الأنبا يوحنا ويتقدم بالعزاء للبابا تواضروس

ويأتي الكشف في إطار جهود وزارة السياحة والآثار، ممثلة في المجلس الأعلى للآثار، للتنقيب عن المواقع الأثرية وتوثيقها وإلقاء المزيد من الضوء على تاريخ سيناء، وما شهدته من حركة نشطة للتجارة والحج والتنقل عبر العصور.

من تحت الرمال إلى صفحات التاريخ
ووصف شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، الكشف بأنه يمثل إضافة مهمة إلى سلسلة الاكتشافات الأثرية التي تسهم في إعادة قراءة تاريخ سيناء والتعرف على الحضارات والمجتمعات التي ازدهرت على أرضها.

وأوضح أن موقع «عسيلة» ظل مطمورًا تحت الرمال لقرون، قبل أن تبدأ أعمال الحفائر به العام الماضي، لتكشف تدريجيًا عن ملامح المبنى وتعيد إحياء جانب من تاريخه.

وأكد الوزير أن الكشف يلقي الضوء على شبكة الطرق التاريخية التي ربطت مصر بالمشرق العربي، وما شهدته من حركة للحجاج والتجار والجيوش والبريد، مشيرًا إلى اهتمام الوزارة بأعمال التنقيب والتوثيق والترميم في سيناء، بما يحافظ على تراثها ويبرز قيمتها التاريخية والحضارية.

جدران وحجرات تكشف وظيفة المبنى

ومن جانبه، أوضح الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن أعمال الحفائر كشفت عن بقايا جدران مشيدة بالطوب اللبن والطوب الأحمر، ومدعمة في أساساتها بأحجار كلسية كبيرة.

وأشار إلى أن هذا الأسلوب المعماري كان شائعًا في تشييد وتدعيم المنشآت الكبرى خلال العصور الإسلامية.

كما امتدت الجدران المكتشفة في اتجاهات الشمال والشرق والجنوب، وظهرت بينها تشكيلات معمارية داخلية تشير إلى وجود عدد من الحجرات، يرجح أن بعضها كان يستخدم كحوانيت ملحقة بخان الطريق.

ولفت إلى أن التخطيط العام للموقع يتشابه بدرجة كبيرة مع تخطيط خان الخوينات، إحدى المحطات التجارية المهمة في شمال سيناء، إلا أن موقع «عسيلة» أصغر من حيث المساحة، وهو ما يدعم فرضية استخدامه كمحطة لاستراحة الحجاج والتجار على الدرب السلطاني.

فخار ومسارج تكشف تفاصيل الحياة اليومية

أما الدكتور ضياء زهران، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية، فأوضح أن الحفائر أسفرت عن مجموعة متنوعة من اللقى الأثرية التي تساعد في التعرف على طبيعة الحياة اليومية داخل الموقع.

وضمت المكتشفات كميات من الفخار كبير الحجم، كان يستخدم في تخزين المياه والمؤن، إلى جانب أوانٍ ذات طلاء أخضر زيتوني، وأخرى باللونين الأحمر والأبيض، بالإضافة إلى أجزاء من مسارج كانت تستخدم في الإضاءة.

وتكتسب هذه اللقى أهمية خاصة، لأنها لا تكشف فقط عن طبيعة استخدام المبنى، وإنما تقدم مؤشرات عن الأنشطة اليومية للمسافرين والقوافل التي كانت تتوقف بالمحطة.

– «عسيلة» ضمن شبكة محطات تاريخية بسيناء

ويشير موقع الكشف، بالقرب من عدد من المحطات التاريخية الأخرى مثل الخوينات وعمورية وقاطية، إلى أن «عسيلة» لم تكن منشأة منفردة، وإنما كانت جزءًا من شبكة متكاملة من المحطات والمنشآت التي ارتبطت بحركة التجارة والحج والتنقل عبر سيناء.

وتبرز هذه الشبكة أهمية سيناء باعتبارها جسرًا حضاريًا وتجاريًا بين مصر والمشرق العربي، وممرًا رئيسيًا لحركة البشر والبضائع والجيوش والحجاج على مدار قرون طويلة.

– مؤشرات على العصر المملوكي
وأوضح محمد خليل وصدام حسين، رئيسا البعثة الأثرية، أن نتائج الحفائر الحالية تساعد في فهم طبيعة البنية التحتية التي دعمت حركة التجارة والحج والتحركات العسكرية خلال العصور الإسلامية.

اقرأ أيضا: الداخلية تضبط هاربا من 53 قضية لنصبه على المواطنين فى النزهة

كما أشارت اللقى المكتشفة حتى الآن إلى ترجيح تأريخ الموقع إلى العصر المملوكي، ومن أبرزها أوانٍ ذات طلاء أخضر زيتوني مميزة لهذه الفترة.

وعثرت البعثة كذلك على كسر من الفخار المزجج تحمل عناصر زخرفية يمكن نسبتها إلى فترة السلطان الناصر محمد بن قلاوون خلال عصر المماليك البحرية.

ومن بين اللقى التي أثارت اهتمام الباحثين قطع تحمل حروفًا عربية قد تكون جزءًا من كلمة «الناصر»، إلا أن هذه المؤشرات لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسة والتحليل الأثري للوصول إلى تأريخ أكثر دقة للموقع وتحديد الوظائف المختلفة لمنشآته.

– الحفائر مستمرة لكشف أسرار «عسيلة»

وتواصل البعثة الأثرية أعمالها في الموقع للكشف عن المزيد من التفاصيل المعمارية للمبنى وملحقاته، إلى جانب استكمال أعمال التوثيق والدراسة والترميم.

ومن المتوقع أن تساعد النتائج الجديدة في تحديد طبيعة المنشأة بشكل أكثر دقة، وما إذا كانت بالفعل خانًا متكاملًا لخدمة القوافل والحجاج والتجار، فضلًا عن التعرف على المراحل المختلفة التي مر بها الموقع خلال فترة استخدامه.

«درب الحاج المصري».. طريق عبر التاريخ

ويُعد الدرب السلطاني، المعروف أيضًا باسم «درب الحاج المصري»، واحدًا من أبرز الطرق التاريخية التي ارتبطت بحركة الحجاج المتجهين من مصر إلى مكة المكرمة، إلى جانب استخدامه في حركة القوافل التجارية والبريد والتنقل بين مصر وبلاد الشام وشبه الجزيرة العربية.

واستمر الطريق مستخدمًا لقرون، قبل أن تؤدي التطورات السياسية والعسكرية التي شهدتها المنطقة، ومن بينها الخطر الصليبي في الشرق خلال القرن الحادي عشر الميلادي، إلى توقف استخدامه وتحول حركة الحج إلى الطريق الجنوبي عبر عيذاب–جدة.

ويفتح اكتشاف بقايا خان «عسيلة» نافذة جديدة على هذا الطريق التاريخي، ويمنح الباحثين فرصة لدراسة المنشآت التي أقيمت لخدمة مستخدميه، بما يضيف حلقة جديدة إلى تاريخ سيناء باعتبارها واحدة من أهم طرق العبور والتواصل بين مصر والعالم العربي.

اقرأ أيضا: 8.8 مليار جنيه فى ساعتين.. مبيعات الأجانب تفرمل صعود البورصة بمنتصف التعاملات

‫0 تعليق