لم تكن رحلة البحث عن سد الرمق مجرد خطوة جديدة في طريق الكفاح، بل كانت المحطة الأخيرة لأطفال وشباب لم تتفتح زهور صباهم بعد؛ خرجوا من بيوتهم البسيطة بعدد من قرى الشرقية ومنها قرية وادي الملاك؛ حيث تحملهم أقدام غضة وأحلام بسيطة لا تتعدى توفير مائة جنيه يُعينون بها أسرهم، قبل أن تحول سيارة طائشة مسار السعي إلى مأساة أودت بحياة 18 شخصًا وأصابت 22 آخرين في حادث تصادم مروع بمنطقة “الدواويس”.
اقرأ أيضا: سلافة جويلي: التكليف الرئاسي بإطلاق منصة وطنية تفاعلية للشباب يعكس الثقة في صُنّاع المستقبل
موضوعات مقترحة
وفي قلب هذه الفاجعة، تتجلى مشاهد الألم عبر ثلاث حكايات إنسانية تروي تفاصيل اللحظات الأخيرة:
القصة الأولى: “جنى”.. نجاة بطعم الفقد وشقيق بين الحياة والموت
تستعيد الطفلة “جنى” (9 سنوات) تفاصيل الفاجعة بصوت يملؤه الذهول؛ إذ خرجت مع شقيقتها (12 سنة) وشقيقها (10 سنوات) في رحلة استغرقت ساعتين ذهابًا ومثلهما إيابًا لجمع محصول السوداني بمحافظة الإسماعيلية. أسرة أطفالها بلا عائل يعولهم بعد انفصال الوالد، وجدوا في العمل باليومية الملاذ الوحيد لتوفير قوت يومهم برفقة أمهم وجدتهم، وأثناء طريق العودة في ظهيرة اليوم العصيب، انفجر إطار سيارة مواجهة واختلت عجلة القيادة لتصطدم بسيارتهم مباشرة؛ فقدت “جنى” وعيها، ولما استعادت النطق والوعي وجدت شقيقتها الكبرى قد فارقت الحياة بجوارها، بينما نُقل شقيقها الصغير إلى قسم العناية المركزة بمستشفى القصاصين يصارع الموت.
القصة الثانية: “إيمان”.. صبيّة خرجت لتشتري حقيبة المدرسة
لم تستوعب الطفلة “إيمان” (7 سنوات) بعدُ ثقل القرار الذي اتخذته بالخروج للعمل، حين قال لها والدها: “يا إيمان روحي الشغل”.
طفلة في مقتبل العمر لم تتردد في الاستجابة لأمر أب عجز عن سد احتياجات بيته وأطفاله أمام غلاء لا يرحم. خرجت “إيمان” تتحمل مشقة العمل المضني لترجع بفتات أجر يُغطي مصروفات دراستها وأدواتها المدرسية في المرحلة الابتدائية، مجردة حتى من فرصة أخذ دروس خصوصية، لتجد نفسها فجأة في قلب حادث يلتهم أجساد الصغار على قارعة الطريق.
القصة الثالثة: دموع جَدّة.. فقدت “السند” وتحسر على المستقبل
في أروقة مستشفى القصاصين، تجلس جدة مكلومة تنهمر دموعها بلا توقف، بين حزن قاطع على رحيل طفلة ابنتها التي فارقت الحياة، وخوف قاتل على حياة حفيدها القابع في العناية المركزة يعاني آلامًا جسيمة. تصرخ الجدة بقلب مفجوع وتسأل: “هنعيش إزاي؟”، مؤكدة أن الأسرة بلا أي دخل مادي أو عائل ثابت، وأن هؤلاء الأطفال الصغار كانوا هم السند الوحيد والمعيل البسيط الذي يعتمدون عليه لمواجهة الحياة.
اقرأ أيضا: شركة غريت إيسترن تطلق رابع سفينة من طراز كامسارماكس خلال عام -جريدة المال
وفي السياق نفسه، شيع الآلاف من أهالي قرية وادي الملاك جثامين 12 شهيدًا من أبنائهم في مشهد جنائزي حاشد أدمى القلوب، وسط مطالبات مجتمعية بتقديم الدعم الكامل لهذه الأسر المنكوبة. وتواصل الجهات التنفيذية والطبية تقديم الرعاية اللازمة للمصابين، فيما تباشر النيابة العامة التحقيقات للوقوف على أسباب الحادث وملابساته.
الطفلة جني
الطفلة جني
الطفلة جني اقرأ أيضا: بنك القاهرة يحقق 8.6 مليار جنيه صافي أرباح بنمو 15% خلال النصف الأول من 2026
