
تتجه الأنظار
الأمريكية إلى الضفة الغربية باعتبارها ساحة مرشحة لانفجار جديد، في وقت تركز فيه
إدارة دونالد ترامب جهودها على إنهاء الحرب بينما تتصاعد اعتداءات المستوطنين
وتتزايد المخاطر المحيطة بالسلطة الفلسطينية.
اقرأ أيضا: رفضوا دفع ثمن اصلاح مركبتهم .. اعتداء مروع على ميكانيكي في القويسمة
أكدت مجلة “فورين
بوليسي” أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يجب أن تعيد ترتيب أولوياتها في
الشرق الأوسط، وأن تركز على منع انفجار الأوضاع في الضفة الغربية بدلًا من حصر جهودها
في محاولة إنهاء الحرب في قطاع غزة، معتبرة أن الضفة أصبحت تمثل أزمة أكثر قابلية للتأثير
الأمريكي في الوقت الراهن.
وأشارت المجلة، في
مقال للباحث في معهد الشؤون الدولية في براغ أزريل بيرمانت، إلى أن إدارة ترامب أعلنت
في نهاية يوليو موافقة حركة حماس على بنود ما وصفته بـ”خارطة طريق”، تتضمن
نزع سلاح الحركة، إلا أن فرص التزام كل من إسرائيل وحماس بالشروط المطروحة تبدو محدودة.
وتابعت “فورين
بوليسي” أن المرونة التي أبدتها حماس على ما يبدو قد تكون مجرد تكتيك للمماطلة
يهدف إلى ضمان بقائها السياسي على المدى الطويل، لافتة إلى أن مسؤولين في الحركة سبق
أن أكدوا أنها لن تتخلى عن أسلحتها قبل انسحاب جميع جنود الجيش الإسرائيلي من قطاع
غزة.
ورأى بيرمانت أن ما
يُعرف بـ”خارطة طريق غزة” لا يملك فرصة كبيرة للنجاح بسبب معضلة أساسية يصعب
تجاوزها، إذ إن إسرائيل لن تنسحب بالكامل من القطاع ما لم تنزع حماس سلاحها، في حين
أن الحركة لن توافق على نزع سلاحها قبل انسحاب إسرائيل.
وأضافت المجلة أن رفض
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مؤخرًا لخطة ترامب للسلام في غزة لم يكن مفاجئًا،
خاصة أن تقديم تنازلات لحماس قد يواجه معارضة شديدة من الناخبين الإسرائيليين المنتمين
إلى اليمين، قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في أكتوبر.
اظهار أخبار متعلقة
وأكد الكاتب أن العالم
اعتاد، في ظل ما وصفه بسيل “الصفقات” المزعومة مع إيران، على تصريحات ترامب
الرنانة التي لا تستند بالضرورة إلى واقع، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن ذلك لا يعني
أن محاولة الإدارة الأمريكية وقف الحرب في غزة خاطئة.
وأوضح أن المشكلة الأساسية،
بحسب تحليله، تكمن في مكان آخر، إذ تنشغل واشنطن بالسعي لتحقيق مكاسب غير مسبوقة في
غزة، بينما تتجاهل أزمة متفجرة تتشكل في الضفة الغربية، وهي أزمة يمكن للولايات المتحدة
أن تمتلك قدرة أكبر على التأثير فيها والسيطرة على مسارها.
وأشار بيرمانت إلى
أن جزءًا من العنف المتصاعد في الضفة الغربية يرتبط بخيارات سياسية اتخذها البيت الأبيض
نفسه، موضحًا أن إدارة ترامب ألغت العقوبات التي فرضتها إدارة الرئيس السابق جو بايدن
على جماعات المستوطنين العنيفة، كما تقاعست عن اتخاذ إجراءات لكبح حليفها الإسرائيلي،
وهو ما اعتبره عاملًا أسهم في تشجيع المتطرفين من المستوطنين.
ولفتت “فورين
بوليسي” إلى أن العنف الفلسطيني التقليدي في الضفة الغربية شهد تراجعًا ملحوظًا،
إذ أفاد تقييم نشره الجيش الإسرائيلي في يناير بانخفاض العمليات التي ينفذها فلسطينيون
في الضفة الغربية بنسبة 78%.
ومع ذلك، حذر الكاتب
من أن خطر اندلاع موجة عنف فلسطينية شاملة لا يزال قائمًا، مشيرًا إلى أن أي تصعيد
جديد قد يخدم مصالح حكومة نتنياهو قبل انتخابات أكتوبر، من خلال توحيد قاعدتها اليمينية
المتطرفة وتعميق الانقسامات داخل صفوف المعارضة الإسرائيلية.
وأضاف أن الجيش الإسرائيلي
وجهاز الأمن العام “الشاباك” حذرا مرارًا من احتمال وقوع انفجار وشيك في
الضفة الغربية، بينما تكشف التطورات الأخيرة عن مستوى متزايد من التوتر.
غير أن بيرمانت أشار
إلى أن الجماعات الفلسطينية المسلحة ليست هذه المرة الطرف الذي يؤجج النيران بصورة
متعمدة، بل الحكومة الإسرائيلية نفسها، موضحًا أن وزير المالية الإسرائيلي اليميني
المتطرف بتسلئيل سموتريتش، الذي يشغل كذلك مناصب وزارية في وزارة الدفاع، استغل صلاحياته
لتغيير السياسة المتعلقة بالمستوطنات اليهودية في الضفة الغربية.
وتابعت المجلة أن ما
لا يقل عن 104 مستوطنات جرى تقنينها منذ وصول حكومة نتنياهو الحالية إلى السلطة عام
2022، مشيرة إلى أن سموتريتش أعلن هدفه المتمثل في القضاء على إمكانية إقامة دولة فلسطينية،
كما أنه لا يخفي طموحه لضم الضفة الغربية.
وبحسب “فورين
بوليسي”، أدى انتشار البؤر الاستيطانية والمزارع المحيطة بالقرى الفلسطينية إلى
استمرار التوتر بين الفلسطينيين والإسرائيليين، في وقت تنفذ فيه مجموعات من المستوطنين
هجمات منتظمة على القرى الفلسطينية، وتتسبب في إلحاق أضرار بالممتلكات ونفوق الماشية.
اظهار أخبار متعلقة
وأشارت إلى أن تدنيس
المستوطنين للمساجد في الضفة الغربية ليس ظاهرة جديدة، إلا أن وتيرة هذه الهجمات، بما
في ذلك إحراق المساجد، ارتفعت منذ هجمات حركة حماس في 7 أكتوبر 2023.
ونقلت المجلة عن رئيس
الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت، في حديث لقناة “كان نيوز” خلال
يونيو، وصفه هذه الاعتداءات بأنها حملة منظمة من “التطهير العرقي” و”المذابح”
ضد الفلسطينيين، ينفذها مستوطنون، غالبًا بدعم فعلي من وحدات في الجيش الإسرائيلي وقوات
الشرطة.
وتابعت أن بيانات الأمم
المتحدة تشير إلى مقتل 18 فلسطينيًا في الضفة الغربية خلال عام 2026 نتيجة هجمات نفذها
مستوطنون.
في المقابل، يزعم نتنياهو
أن أعمال العنف يقف وراءها عدد محدود من “المنحرفين”، إلا أن الكاتب يرى
أن هذا العنف ينتشر فعليًا عبر متطرفين يحظون بدعم واسع من الحكومة الإسرائيلية.
كما أشارت “فورين
بوليسي” إلى أن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس تعامل بتساهل مع أكثر المستوطنين
عنفًا، موضحة أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة كانت قد أصدرت في السابق أوامر اعتقال
إداري بحق مستوطنين إسرائيليين عنيفين اعتُبروا تهديدًا واضحًا للأمن العام.
وأضافت أن كاتس ألغى
تلك الأوامر بعد توليه منصبه، في خطوة هدفت إلى كسب تأييد قاعدته اليمينية، معتبرة
أن الاعتداءات على الفلسطينيين تنسجم مع مواقف وزراء في الحكومة، من بينهم سموتريتش،
الذين لا يخفون رغبتهم في خروج الفلسطينيين من الضفة الغربية بشكل نهائي.
وقال بيرمانت إن عددًا
من الإسرائيليين توجهوا إلى الضفة الغربية للتضامن مع الفلسطينيين وحمايتهم من هجمات
عنيفة ينفذها المستوطنون.
وأضاف أن ظاهرة العنف
لا تقتصر على الضفة الغربية، بل تظهر داخل إسرائيل نفسها، مستشهدًا بحالة تعرض فيها
ناشط إسرائيلي مسن لإصابة أدت إلى نزيف في الدماغ، بعدما اعتُدي عليه أثناء محاولته
إزالة لافتة تطالب بالإفراج عن يغال عمير، المحكوم بالسجن المؤبد بسبب اغتيال رئيس
الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين.
ولفتت المجلة إلى أن
قائد القيادة المركزية للجيش الإسرائيلي، الجنرال آفي بلوث، وهو نفسه مستوطن متدين،
اضطر إلى اللجوء إلى المحاكم الإسرائيلية لمنع إطلاق سراح مشتبه به إسرائيلي متهم بارتكاب
انتهاكات جسيمة بحق فلسطينيين، في مؤشر، بحسب الكاتب، على تجاوز خطوط حمراء داخل المؤسسة
العسكرية.
وأكد بيرمانت أن تدخل
بلوث يكشف مدى خروج عنف المستوطنين عن السيطرة، في حين اعتبر كاتس هذا التدخل تحديًا
لسلطته، الأمر الذي دفعه إلى إعلان عزل بلوث على الهواء مباشرة عبر التلفزيون.
اقرأ أيضا: عمر فايد.. لاعب مصري في الطريق إلى الدوري الإيطالي
وتابعت “فورين
بوليسي” أن كاتس كان قد اتخذ في وقت سابق خطوة استثنائية بزيارة المشتبه به المحتجز
داخل زنزانته، قبل أن يأمر قوات الأمن بإنهاء أمر الحماية الإداري الصادر بحقه، لكنه
اضطر لاحقًا إلى التراجع بعد ردود فعل سلبية من الجيش الإسرائيلي وانتقادات شعبية من
اليمين واليسار.
وفي تطور آخر، امتنعت
إسرائيل مجددًا عن سداد إيرادات الضرائب “المقاصة” المستحقة للسلطة الفلسطينية،
وهذه المرة بهدف واضح، وفق الكاتب، يتمثل في دفع السلطة إلى الانهيار المالي.
وحذر مايكل ميلشتين،
رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في جامعة تل أبيب، خلال بودكاست منتدى السياسة الإسرائيلية،
من أن الجهود الرامية إلى إضعاف السلطة الفلسطينية تحمل مخاطر كبيرة.
اظهار أخبار متعلقة
وأوضح ميلشتين أن أحد
هذه المخاطر يتمثل في ارتفاع احتمالات اندلاع مواجهات بين الجيش الإسرائيلي وقوات الأمن
التابعة للسلطة الفلسطينية، مشيرًا إلى أنه في ظل تصاعد الهجمات ضد الفلسطينيين، قد
تجد قوات الأمن الفلسطينية نفسها غير قادرة على الاستمرار في الوقوف موقف المتفرج،
وهو ما قد يرفع بصورة كبيرة خطر اندلاع صراع مسلح بين الجانبين.
وأكد بيرمانت أن إدارة
ترامب تملك فرصة أكبر لممارسة نفوذ حاسم على السياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية
مقارنة بقطاع غزة، مشيرًا إلى أن ترامب يمتلك نفوذًا حقيقيًا على نتنياهو الذي لا يستطيع
تحمل مواجهة علنية مع واشنطن.
ورأت “فورين بوليسي”
أن إعادة فرض العقوبات على المستوطنين المتطرفين يمكن أن تمثل رسالة أمريكية واضحة
لا لبس فيها إلى إسرائيل بشأن ضرورة وقف التصعيد في الضفة الغربية.
وأشارت المجلة إلى
أن نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس كان أول من عبّر عن نفاد صبره تجاه الحكومة الإسرائيلية،
عندما انتقد ما وصفه بالسعي إلى صراع بلا نهاية واستمرار الحرب حتى سقوط القنابل أو
مقتل الإيرانيين.
وطرح بيرمانت تساؤلًا
حول مدى استعداد واشنطن لتصعيد الضغط على الحكومة الإسرائيلية، مشيرًا إلى أن نتنياهو
سيكون الطرف الأكثر خسارة في حال تدهورت علاقته بالإدارة الأمريكية.
وأوضح أن المكانة السياسية
الداخلية لنتنياهو تعتمد بدرجة كبيرة على علاقته التي يصفها بأنها فريدة مع رئيس أمريكي
لا يزال يحظى بشعبية في إسرائيل، مضيفًا أن الحملة الأمريكية الإسرائيلية المشتركة
ضد إيران كانت، وفق تقييمه، كارثة محرجة، ولا يوجد ما يمنع ترامب من تحميل نتنياهو
المسؤولية وتحويله إلى كبش فداء.
وأضاف أن انهيار العلاقة
بين ترامب ونتنياهو سيكون كارثيًا سياسيًا على رئيس الوزراء الإسرائيلي، كما أن اندلاع
حرب في الضفة الغربية سيؤدي إلى انهيار أي خارطة طريق قائمة أو مستقبلية بشأن غزة.
وختم بيرمانت بالتأكيد
على أن نتنياهو قد يرى في تحدي واشنطن خطوة سياسية ذكية قبل الانتخابات المقبلة، إلا
أن تعريض العلاقات مع الولايات المتحدة للخطر يحمل مخاطر كبيرة على صورته أمام الرأي
العام الإسرائيلي.
وأكد الكاتب أن ترامب،
إذا كان يريد بالفعل أن يُنظر إليه باعتباره صانع سلام، فعليه أن يبدأ باستخدام نفوذه،
معتبرًا أن الخطوة الأولى يجب أن تكون العمل على استقرار الضفة الغربية، ثم البناء
على ذلك في التعامل مع باقي الملفات.
اقرأ أيضا: أمير جازان يؤدي صلاة الميت على أم وأطفالها من أسرة محنشي بصامطة
