وقفت راما أمام شقيقها الأصغر، تتأمل ملامحه التي أنهكها الانتظار، فيما كانت الكلمات عالقة في حلقها. لم يكن يدرك أن الأيام التي أبعدتهما عن بعضهما بعد القصف ستنتهي بخبر سيغير حياتهما إلى الأبد.![]()
اقرأ أيضا: تتمسك بهم كورقة تفاوضية إســرائيل تحتجــز جثــاميــن 1700 فلسطينـــي
وحين أخبرته باستشهاد والديهما، ارتمى بين ذراعيها باكيًا، بينما احتضنته بصمت، تحاول إخفاء دموعها قبل أن تجفف دموعه. في تلك اللحظة، لم تكن راما تودّع والديها فقط، بل كانت تودّع حياتها كما عرفتها، لتجد نفسها، وهي في الثامنة عشرة، أمام مسؤولية رعاية شقيقها الأصغر.![]()
لم تتخيل راما أن تجد نفسها في هذا الدور. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2023، استهدف قصف إسرائيلي منزل عائلتها في مخيم النصيرات، ما أدى إلى استشهاد والديها وأحد أشقائها، فيما أصيبت هي في يديها ورجلها، وأمضت نحو 20 يومًا في المستشفى.![]()
تفرقت الأسرة بين بيوت الأقارب والأصدقاء، وتنقلت راما مع شقيقها بين أكثر من مكان، قبل أن يستقرا مع عمهما في أحد المخازن في النصيرات. هناك، تولت راما رعاية شقيقها ومتابعة شؤونه اليومية، بينما كانت لا تزال تتعافى من إصاباتها.![]()
تقول راما: «منذ أن فقدت والديّ، لم يعد لديّ وقت لأفكر في نفسي كما كنت من قبل. أصبحت أتابع أخي في دراسته، وأهتم بملابسه وطعامه وكل تفاصيل حياته اليومية، وأحاول أن أوفر له ما يحتاجه، وكأنني أمه».![]()
لم تكن رعاية شقيقها سهلة، خصوصًا أنه في الحادية عشرة من عمره، وبعد فقدهما والديهما تغير سلوكه وأصبح التعامل معه أكثر صعوبة؛ فكان يفتعل المشاكل مع الأطفال في الشارع ولا يستجيب لتوجيهاتها.![]()
راما حصلت مؤخرًا على معدل 85.3% في الثانوية العامة، وتحلم بدراسة تخصص نظم المعلومات، إلا أن الظروف الاقتصادية الصعبة تقف عائقًا.![]()
وتتكرر هذه المسؤولية بين فتيات أخريات في غزة، فخلود قدوم، 28 عامًا، واجهت تجربة مشابهة، وإن اختلفت ظروفها. بعد وفاة والدها عام 2021، ثم وفاة والدتها خلال الحرب، أصبحت مسؤولة عن شقيقاتها الثلاث.![]()
تعيش خلود وشقيقاتها في خيمة بمنطقة الجوازات، وتحاول من خلال عملها في محل لتأجير فساتين الزفاف توفير احتياجاتهن. إلا أن دخلها لا يكفي لتغطية مصاريف الأسرة طوال الشهر، فيما تتزايد الأعباء مع احتياجات شقيقاتها التعليمية.![]()
من جهتها، ترى الأخصائية النفسية آية المقيد أن الفتيات اللواتي يجدن أنفسهن فجأة في دور الأم يواجهن صدمتين متزامنتين: الأولى فقدان الأم، والثانية تحمّل مسؤولية تفوق قدرتهن على الاحتمال.![]()
ولا تقتصر تداعيات هذه المسؤولية على الجانب النفسي، بحسب المقيد، بل تمتد إلى الدراسة والعمل والعلاقات الاجتماعية. فقد يتراجع مستواها الدراسي نتيجة ضيق الوقت وتزايد الأعباء، أو تضطر إلى العمل لتأمين احتياجات الأسرة، وقد يمتد هذا الضغط إلى قرارات مستقبلية مثل الزواج؛ إذ قد تنظر بعض الفتيات إليه باعتباره وسيلة للخروج من العبء، فيما قد تتردد أخريات خشية ترك إخوتهم.![]()
اقرأ أيضا: الندم
ولا تبدو قصتا راما وخلود حالات فردية في ظل العدد الكبير من الأطفال الذين فقدوا أحد والديهم أو كليهما خلال الحرب، وبحسب بيانات نشرتها وزارة الصحة في غزة على منصاتها في 30 يوليو/تموز 2026، بلغ عدد الأطفال الأيتام 60,737 طفلًا، بينهم 52,095 فقدوا آباءهم، و5,929 فقدوا أمهاتهم، فيما فقد 2,713 طفلًا كلا الوالدين.![]()
البوابة 24![]()
جميع الحقوق محفوظة.
لا يجوز استخدام أي مادة من مواد هذا الموقع أو نسخها أو إعادة نشرها أو نقلها كليا أو جزئيا دون الحصول على إذن خطي من الناشر تحت طائلة المسائلة القانونية.