لم يتبق لمن نجا من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة سوى الركام والآلام وأشلاء أقربائهم التي لا تزال عالقة أسفل أكوام الإسمنت والكتل الخرسانية لمنازل هُدمت بفعل آلة الحرب.
اقرأ أيضا: مؤشر الأسهم السعودية يرتفع 10.94 نقطة ويُغلق عند 10844 نقطة
لكن حق الوصول إلى جثامين النساء والأطفال والرجال والشيوخ أضحى رفاهية لسكان القطاع الذين لم يعودوا يأملون سوى أبسط أشكال التعامل الإنساني الرحيم، إن لم يكن مع الأحياء، فعلى الأقل مع ما تبقى من أقربائهم.
فجرافات الاحتلال الإسرائيلي لم تعد تبقي على ركام إلا وأزالته، منتهكة حرمة الجثامين وحق استخراجها، ومتجاهلة القوانين الدولية.
وحذرت مؤسسات حقوقية من خطر تجريف قوات الاحتلال للأنقاض ونقلها بواقع 200 شاحنة يوميا، وهو ما يُعد إخفاء متعمدا للأدلة ولآلاف الجثامين وانتهاكا صريحا للقوانين الدولية.
وفي مداخلة مع قناة الجزيرة، حذر مدير شبكة المنظمات الأهلية في غزة محمد صالحة من تداعيات التجريف في طمس أدلة الإبادة والحيلولة دون المساءلة الدولية، مشيرا إلى أن هذه الإجراءات “تصعّب الوصول إلى مواقع وبينات تساعد في تحديد هوية الضحايا وأماكن دفنهم”.
وأوضح صالحة أن العمليات طالت أكثر من 93% من مقابر القطاع، مع إخفاء جثامين الشهداء والمتعلقات الشخصية ومخلفات الأسلحة عبر نقل الركام وتفتيته داخل مناطق السيطرة الإسرائيلية، وهو ما يمنع التعرف على الضحايا أو استخراج رفاتهم.
وأشار إلى أن الاحتلال يمنع الفرق الحقوقية والدولية وطواقم الإغاثة من الوصول إلى مناطق “الخط الأصفر”، مطالبا المحكمة الجنائية الدولية بإرسال لجان لتقصي الحقائق فورا لمعاينة الجرائم.

منع الدفاع المدني
وفي السياق ذاته، تمنع قوات الاحتلال وصول فرق الدفاع المدني في القطاع إلى المواقع التي سيطر عليها والتي تشكل نحو 70% من المنطقة الشرقية، بالتزامن مع نقص حاد في المعدات اللازمة للبحث والانتشال، وفق ما أكده الحقوقي سمير المناعمة.
وخلال تقرير ميداني لمراسل الجزيرة غازي العلول، أشار مدير الدفاع المدني في غزة رائد الدهشان إلى المعاناة الميدانية لفرق الإنقاذ، مؤكدا أن التحرك والعمل داخل مناطق القطاع يُعد أمرا بالغ الصعوبة والتعقيد، فكيف بالوصول إلى ما يُعرف بـ”الخط الأصفر” الذي يتطلب تنسيقا معقدا وتوفير معدات وظروف عمل خاصة غير متوفرة.
اقرأ أيضا: جامعة مؤتة تفتتح مؤتمرها العلمي حول التمكين الأكاديمي…
وتأتي هذه الشهادات في وقت قدّر فيه المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إزالة أو تفتيت الاحتلال لنحو 10 ملايين طن من الركام، مما يعزز المخاوف من طمس أدلة حاسمة كانت ستشهد يوما على جرائم الاحتلال وتكشف مصير آلاف المفقودين.
ولا تزال حكايات الأحياء تروي أثر هذا التجريف عليهم، فالشاب أبو عاصم لا يزال يبحث عبر شاشة هاتفه عن أي أنباء تكشف مصير جثامين أفراد عائلته التي لا تزال تحت أنقاض منزلهم شرقي قطاع غزة داخل “المنطقة الصفراء”.
ويعبّر أبو عاصم عن مرارة معاناته بكون الفاجعة لم تقف عند حدود استشهادهم وتناثر أشلائهم، بل استمرت بفاجعة ثانية تتمثل في حرمانه من دفنهم في قبور معلومة، وغياب الأدلة التي تثبت الجريمة لمحاكمة الاحتلال.
وترتكب إسرائيل منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 إبادة جماعية في قطاع غزة، أسفرت عن نحو 73 ألف شهيد وأكثر من 174 ألف جريح فلسطيني، إضافة إلى دمار طال نحو 90% من البنية التحتية في القطاع المحاصر منذ سنوات عديدة.
اقرأ أيضا: مباحثات لبنانية – أميركية بشأن تطبيق اتفاق الإطار
