
لم يكن الخلاف بين العراق وإيران حول الحدود وشط العرب وليد القرن العشرين، وإنما تعود جذوره إلى قرون طويلة من الصراع بين الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية، قبل أن ينتقل النزاع إلى الدولتين الحديثتين بعد سقوط الدولة العثمانية وتأسيس العراق الحديث.
اقرأ أيضا: أسعار الذهب آخر تحديث اليوم الأربعاء 12-8-2026 في مصر
وفي عام 1929 اعترفت إيران رسميًا بالعراق، بعد سنوات من التوتر بشأن وضع الدولة العراقية الجديدة، لتبدأ مرحلة من المفاوضات بين البلدين حول الحدود والقضايا العالقة. وتشير المصادر التاريخية إلى أن العلاقات اتجهت لاحقًا نحو توقيع معاهدة صداقة وحسن جوار في العام نفسه، إلا أن قضية شط العرب ظلت واحدة من أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين بغداد وطهران.
البداية.. صراع عثماني فارسي على شط العرب
تعود جذور النزاع إلى فترة سبقت ظهور العراق وإيران بصورتهما الحديثة، إذ شهدت المنطقة صراعًا طويلًا بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية ثم القاجارية حول الحدود ومناطق النفوذ.
وكانت معاهدة زهاب عام 1639 واحدة من المحطات المهمة في تاريخ العلاقات العثمانية الفارسية، بعدما حاول الطرفان من خلالها وضع حد للصراع وترسيم مناطق النفوذ بينهما.
وقبلها كانت معاهدة أماسية عام 1555 قد أسهمت في وقف القتال بين الطرفين وتنظيم العلاقة بين الإمبراطوريتين، إلا أن الحدود ظلت عرضة للنزاع والتغيير مع تغير موازين القوى.
ومع مرور الوقت، أصبح شط العرب أحد أهم الملفات محل الخلاف، خصوصًا مع تزايد أهمية المنطقة اقتصاديًا واستراتيجيًا.
معاهدة أرضروم الثانية.. أول محاولة لتحديد الحدود
في 31 مايو 1847 وقعت الدولة العثمانية وبلاد فارس معاهدة أرضروم الثانية، بوساطة بريطانيا وروسيا، في محاولة لتسوية الخلافات الحدودية.
وتضمنت المعاهدة اعتراف الدولة العثمانية بالسيادة الفارسية على المحمرة ومينائها وجزيرة الخضر «عبادان»، إلى جانب بعض الأراضي الواقعة على الضفة الشرقية لشط العرب، مع منح السفن الفارسية حق الملاحة في النهر.
لكن الصياغة لم تكن حاسمة تمامًا، واستمر الخلاف حول تفسير الحدود. وفي عام 1850 حاول ممثل بريطانيا في لجنة المعاهدة، الكولونيل وليامز، رسم خط للحدود استنادًا إلى نصوص الاتفاق، إلا أن ذلك لم ينه النزاع بصورة نهائية.
تأسيس العراق الحديث يعيد فتح الملف
بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية، ظهر العراق كدولة حديثة تحت الانتداب البريطاني، بينما كانت إيران تمر بتحولات سياسية كبيرة انتهت بصعود رضا شاه بهلوي وتأسيس الدولة البهلوية.
وكانت إيران من آخر الدول التي اعترفت بالدولة العراقية الجديدة، وهو ما جعل ملف الحدود حاضرًا بقوة في العلاقات بين البلدين. وتشير الدراسات التاريخية إلى أن طهران استخدمت مسألة الاعتراف بالعراق في سياق سعيها للحصول على تنازلات حدودية.
وفي عام 1929 اعترفت إيران بالعراق رسميًا، لتبدأ مرحلة أكثر جدية من المفاوضات بين البلدين.
لماذا كان شط العرب مهمًا لهذه الدرجة؟
يمثل شط العرب نقطة استراتيجية شديدة الأهمية للعراق، لأنه يتكون من التقاء نهري دجلة والفرات، ثم يتجه جنوبًا إلى الخليج، وتزداد أهميته بالنسبة للعراق بسبب ارتباطه بمنافذه البحرية، فضلًا عن دوره في النقل والتجارة وتصدير النفط، أما بالنسبة لإيران، فكان النهر مهمًا أيضًا من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية، خصوصًا بالنسبة إلى منطقة خوزستان والموانئ الواقعة على امتداده.
ولهذا لم يكن الخلاف مجرد خلاف على خط مرسوم على الخريطة، وإنما صراع على الملاحة والسيادة والموانئ والموارد والموقع الاستراتيجي.
من التوتر إلى إلغاء اتفاق 1937
ظل الخلاف حول شط العرب قائمًا رغم محاولات التفاوض، وفي عام 1969، وبعد وصول حزب البعث إلى السلطة في العراق، أعلنت إيران إلغاء الترتيبات السابقة المتعلقة بالحدود، وطالبت بتطبيق خط الثالوك أساسًا للحدود المائية في شط العرب. وتصاعد التوتر بين البلدين، وتحولت القضية الحدودية إلى أحد الملفات الرئيسية في الصراع الإقليمي.
وفي تلك الفترة، كانت إيران تمتلك أوراق ضغط مهمة، من بينها دعمها للقوى الكردية المسلحة في شمال العراق، وهو عامل سيصبح لاحقًا جزءًا أساسيًا من صفقة التسوية.
اتفاق الجزائر 1975.. تسوية تحت ضغط الصراع
بلغ النزاع واحدة من أهم محطاته في 6 مارس 1975، عندما وقع العراق وإيران اتفاقًا في الجزائر برعاية الرئيس الجزائري هواري بومدين.
ووقع الاتفاق عن الجانب العراقي صدام حسين، الذي كان آنذاك نائبًا لرئيس مجلس قيادة الثورة، وعن الجانب الإيراني الشاه محمد رضا بهلوي.
اقرأ أيضا: قافلة «إيد واحدة» تواصل تقديم خدماتها الطبية لأهالي كحك البحرية بالفيوم
ونص الاتفاق على مجموعة من المبادئ لتسوية الخلافات، من بينها ترسيم الحدود البرية على أساس بروتوكول القسطنطينية لعام 1913 ومحاضر لجنة ترسيم الحدود لعام 1914، إلى جانب اعتماد خط الثالوك لترسيم الحدود النهرية في شط العرب.
وفي المقابل، التزم الطرفان بإعادة الأمن والثقة على الحدود ووقف التدخل في الشؤون الداخلية لكل منهما.
وكان الاتفاق بالنسبة للعراق مرتبطًا بصورة مباشرة بالحرب التي كان يخوضها ضد الحركة الكردية المسلحة، والتي كانت تتلقى دعمًا إيرانيًا.
أما إيران، فحققت من خلال الاتفاق اعترافًا بالحدود المائية وفق خط الثالوك، وهو ما اعتُبر تحولًا مهمًا في قضية شط العرب.
لماذا قبل العراق بالاتفاق؟
جاء توقيع اتفاق الجزائر في ظروف سياسية وعسكرية معقدة. كان العراق يريد إنهاء الدعم الإيراني للتمرد الكردي في الشمال، بينما كانت إيران تسعى إلى تثبيت مطالبها الحدودية المتعلقة بشط العرب. وبذلك لم يكن الاتفاق مجرد تسوية فنية لمشكلة حدودية، وإنما كان صفقة سياسية وأمنية جمعت بين أكثر من ملف في وقت واحد.
وبموجب التفاهم، حصل العراق على فرصة لإنهاء الدعم الإيراني للقوى الكردية، بينما حصلت إيران على تنازلات مهمة في ملف الحدود والملاحة.
وقد اعتبر باحثون عراقيون الاتفاق لاحقًا تنازلًا كبيرًا من جانب بغداد، بينما رأى آخرون أنه كان نتيجة مباشرة لميزان القوى في تلك اللحظة.
صدام حسين يلغي الاتفاق
لم يستمر اتفاق الجزائر طويلًا بوصفه أساسًا مستقرًا للعلاقات بين البلدين. ففي 17 سبتمبر 1980 أعلن صدام حسين إلغاء اتفاق الجزائر، وطالب بعودة السيادة العراقية على كامل شط العرب، وذلك في ظل تصاعد التوتر بين بغداد وطهران عقب الثورة الإيرانية عام 1979.
وبعد أيام قليلة اندلعت الحرب العراقية الإيرانية، التي استمرت ثماني سنوات، وأصبح شط العرب أحد أهم محاور النزاع السياسي والعسكري بين الطرفين. وهكذا عاد الخلاف القديم إلى الواجهة، لكن هذه المرة داخل واحدة من أعنف الحروب في تاريخ المنطقة خلال القرن العشرين.
شط العرب.. من الحدود إلى الحرب
تكشف قصة شط العرب أن الحدود بين العراق وإيران لم تكن مجرد خطوط جغرافية ثابتة، وإنما كانت نتاجًا لصراعات سياسية وعسكرية متعاقبة. فمن زهاب عام 1639 إلى أرضروم عام 1847، ثم اتفاقات القرن العشرين، وصولًا إلى اتفاق الجزائر عام 1975، ظلت قضية السيادة على النهر وموقع الحدود المائية عنصرًا ثابتًا في العلاقات بين البلدين.
كما أن كل مرحلة من مراحل التسوية كانت مرتبطة بميزان القوى في ذلك الوقت؛ ففي بعض الفترات كان العراق أكثر قدرة على فرض شروطه، وفي فترات أخرى كانت إيران تمتلك أوراق ضغط أكبر.
اقرأ أيضا: سماء العالم على موعد مع ليلة استثنائية .. 4 ظواهر فلكية نادرة تظهر خلال ساعات في هذه المناطق
