بعد خروج الإنسان من الكهوف، ومع بداية اكتشاف مبدأ الزراعة ومبدأ البناء، ظهر الإنسان الفلاح؛ ذلك الإنسان الذي يزرع ويربّي الدواجن والمواشي، يأكل مما يحصد ومما تنتجه الدواجن والمواشي، ثم يبيع ما يفيض عن حاجته.![]()
اقرأ أيضا: رئيس جمعية أيلة للثقافة والفنون يشيد بدعم رئيس سلطة العقبة للقطاع الثقافي والشبابي
لو تأملنا هذا الإنسان لوجدناه، سيكولوجيًّا، بسيطًا؛ وربما كانت هذه السيكولوجية بسيطة جدًّا لدرجة أنها غير قابلة للدراسة، وليست بحاجة إلى نظريات معقّدة لفهمها.![]()
تتجذّر بساطة هذه السيكولوجية في بساطة الزرع والحيوان، فهذا الفلاح يتعامل مع زرعٍ من أشجار ومحاصيل حقلية لا يحتاج سوى إلى بعض الاهتمام كالسقاية، ولكنه ينمو وحده ويُنتج بحسب فصل السنة، ثم يقوم الفلاح بالحصاد وفق ما أراده الله له، وكذلك الأمر مع الحيوانات وإنتاجها. وفي قرارة نفسه يعلم أنه لا يدَ له في ذلك النِّتاج مهما فعل؛ فمن الممكن أن يأتي موسم جفافٍ بلا مطر، أو ربما آفاتٌ زراعية أو حيوانية، فيقضي ذلك على كل المحصول والحيوانات.![]()
عندما ينزع الفلاح ذاته من ذلك الإنتاج، يتخلص من عقدة الأنا التي قد تُعقّد سيكولوجيته عبر خداعه بأنه هو محور الأحداث التي تدور حوله؛ وحتى إن سوّلت له نفسه الغرور، فإنه لن يستطيع إجبار السماء على أن تُمطر، ولا الأشجار على أن تُثمر، ولا الحيوانات على أن تُنتج ما تُنتجه؛ ليتجرّد مرة أخرى من تلك الأنا.![]()
ولكن مع بداية الثورة الصناعية ودخول الآلات إلى حياة الإنسان، نجد ازدهارًا في علوم النفس ودراسات سيكولوجية الإنسان، وذلك بسبب تعقيد المشهد.![]()
في هذه الحقبة أصبح هناك عمّال مصانع يقومون بتحويل موادَّ خام إلى سلعٍ يتم بيعها، وهنا ظهر مبدأ الإنتاجية؛ أي أن الإنسان أصبح بيده زيادة الإنتاج عبر زيادة العمل، ثم رُبطت قيمة العامل بتلك الإنتاجية. وبالإضافة إلى الإنسان العامل، ظهر الإنسان البيروقراطي؛ ذلك الموظف الذي يجلس أمام مكتبٍ وكل ما عليه هو معالجة أوراقٍ أمامه لتنظيم العمل.![]()
سيكولوجية هذين النوعين من البشر تتأثر بكمية العمل وقيمة الأجر، وهاتان الفئتان لطالما عُرِفتا بساعات العمل الطويلة ومحدودية الدخل، ليدخل الإنسان من هاتين الفئتين في أزمة قيمة؛ فالوظيفة التي يقوم بها الإنسان في هاتين الفئتين هي مهامٌّ مجرّدة يصعب وضع مبلغٍ مقابل إنجازها. فمثلًا، لو أتى صاحب العمل وقال للعامل: اعمل كذا وكذا لمدة ثماني ساعات وسأعطيك هذا المبلغ، سيكون السؤال: لماذا هذا المبلغ بالتحديد وليس مبلغًا أعلى، إذا كان المبلغ لا يكفي الاحتياجات الأساسية؟ وهو أمرٌ لا يواجهه الفلاح، فهو لا يستطيع التحاور مع الشجرة ليقول: لماذا لا تُعطيني أكثر من هذا.![]()
وأما سيكولوجية صاحب العمل فهي أعقد من سيكولوجية العامل والموظف؛ فالأنا عنده تكون متضخّمة، فهو يرى بشرًا يعملون تحت إمرته يفعلون ما يأمرهم به، يُعيّن من يشاء ويطرد من يشاء، ثم يأخذ الأموال التي جناها من تعب العمال ليعيش حياةً أفضل منهم.![]()
ومع تقدّم التكنولوجيا وظهور مواقع التواصل الاجتماعي، ومع كمية المعلومات الهائلة التي يتعرّض لها الإنسان في يومه الطبيعي، أصبحت دراسة سيكولوجية الإنسان أعقد فأعقد؛ فمن الصعب معرفة أساس طرق تفكير الإنسان بسبب تعدّد مصادرها.![]()
اقرأ أيضا: 42 ألـف مخـالفة إلقـاء عـشــوائــي للنـفـايــات فــــي الــنـصــــــف الأول
لا أدري ما الحل في عصرنا الحالي للمشاكل التي تظهر بسبب تعقيد سيكولوجية الإنسان المعاصر، ولكن ربما تكون سيكولوجية الفلاح هي طرف الخيط.![]()
جميع الحقوق محفوظة.
لا يجوز استخدام أي مادة من مواد هذا الموقع أو نسخها أو إعادة نشرها أو نقلها كليا أو جزئيا دون الحصول على إذن خطي من الناشر تحت طائلة المسائلة القانونية.
اقرأ أيضا: أدب الخطاب: لكل مقام مقال
